الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 170الرجوع إلى "الثقافة"

عذاب الكاتب

Share

وقضي زهرية شبابه بين الكتاب والقرطاس ، يقرأ ويكتب وينشر روائع الفكر بين الناس . لا يكاد يعلم عن حياة المجتمعات والحفلات شيئا حتى جاءه ذات يوم كتاب من صديق ، يدعوه فيه لتناول العشاء في داره . فخرج من صومعته وتوجه إلي دار الصديق . وما إن ولج الدار حتي قدمه صاحبها إلي الجماعة المدعوة . وكان من بينها فتاة رائعة الحسن والجمال . وكان مقعد صاحبنا الكاتب إلي جوار مقعدها . ولم تكن تجهله ، فقد سمعت باسمه وقرات له كثيرا . ودار بينهما حديث طويل ، تقتطف منه ما يلى :

الفتاة : كم وديت لو كانت لي مكانتك . الكاتب : مكانتي ؟ ! لماذا إنك في جمالك هذا

الفاتن سلطانة تتأمرين على قلوب الرجال . كيف ترضين لنفسك أن تكون لك مكانتي ، وأنا لا أكاد أرضي عن نفسي ؟

الفتاة : إنما أحب أن أشعر بما يشعر به كاتب موهوب ذائع الصيت ، أحب أن أحس بالشهرة ، وأن أعلم مدى تأثيرها في حياة صاحبها .

الكاتب : مدى تأثيرها : ما أظن أن لها اثرا ما . بل وما فكرت في هذا الأمر من قبل ، وما احسب إلا انك تبالغين في شهرتي ، أو ان حياتي لم تتأثر بالشهرة بتاتا

الفتاة : أفما تقرأ ما يقال عنك في الصحف ؟ الكاتب : إن كان ثناء سررت ، قليلا ، وإن كان هجاء أرق نوي وأفض مضجي

الفتاة : إنها حياة عجيبة هذه التي تحيا ، وأه لو عرفت كيف أغبطك ما أبعد شقة الخلاف بين حياة وحياة من الناس من يعيش ايامه لا يعرفه احد ، أمسه كيومه ،

ويومه كغده ، لا يشعر بالسعادة ، ولا يكاد يدرك وجوده إنسان . ومن الناس من يحيا حياة ممتعة مجيدة ، حياة معروفة مشهورة ، وهو بها جد سعيد .

الكاتب : لعلك بهذا تمنيتني ؟ إن ما تسمينه سعادة ومجدا ومتعة ضروب من الحس أنا أبعد ما اكون عنها . هي ثمار حرام علي جنسها . ولكنك مازلت حديثة السن لا تعلمين .

الفتاة : لا يمكن إلا أن تكون حياة الكاتب المعروف جليلة حقا

الكاتب : وما جلالها ؟ . . ولكن ليس لدي الآن متسع من الوقت أبادلك فيه الحديث عن هذا الموضوع . فاني جد مشغول ، وعلي ان اكتب بضع صفحات هذا السماء قبل أن آوي إلي فراشي . فاسمحي لي أن أسكت عند هذا ، ولعلي استطيع أن ابسط لك رأيي في فرصة أخرى ، فاني مغادر هذا الحفل بعد لحظة .

الفتاة : أرجو أن تبقي قليلا ، وتحدثني برهة عن حياتك المجيدة الحليلة ، فكم تقت إلي ان اسمع شيئا عنها .

الكاتب : ماذا عساي قائل في لحظة يسيرة ؟ . هناك من الأفكار ما يلح على المرء إلحاحا يدفعه إلي التفكير فيها صباح مساء ، فهي كشبح الجريمة يلاحق  الجاني أني سار . وعندي من هذا الضرب فكرة احتلت من ذهني ركنا ركبنا لا نبرحه ، وذلك هي ضرورة " الكتابة " وكأن منادبا يسير خلفي ولا يفتأ يصبح بي : " لا بد أن نكتب ، ولا بد أن تكتب ، هيا انهض وسجل على القرطاس خواطرك فما اكاد افرغ من كتابة قصة حتى يدفعني الهاتف إلي البدء في الثانية ، ثم الثالثة ، ثم الرابعة ، وهكذا . . فاني أكتب بغير انقطاع ، وما اشبهني في هذا بالمسافر في القطار ، يتحرك أبدا إلي الأمام راضيا أو راغما وإني لأسألك : أين جلال هذه الحياة وأبن جمالها ؟ إنها اشبه ما تكون بحياة المجنون .

الآن أراني معك مضطربا لأني أذكر في كل لحظة أن القصة التي بدأتها اخيرا تنتظر مني ان اتمها . وبالامس تطلعت إلي السماء فشهدت سحابة تشبه المروج . فقلت لنفسي : " آه . لا بد لي أن أذكر في القصة أن سحابة كانت تسبح يوما في السماء وكانها مرج يتحرك . " وقد أري زهرا جميلا ، فيعز على أن لا افحم الربيع في قصتي إفحاما  كي أصف هذا الزهر . . وهذا الحديث الذي يجري بيني وبينك الآن ، انا أشد ما اكون حرصا على ضمه إلى رصيدي الأدنى وقد افيد منه يوما في كتاب من الكتب .

إذا فرغت من عملي هرولت إلي المسرح أو إلي شاطئ البحر اصيد السمك بغية الترفية والترويح . فهل تظنين إلي أحقق بغبني كلا ! إن الأفكار تطاردني حينما ذهبت ، وتزاحم في رأسي حتى يثقل علي حملها ، فأجدني مضطرا إلي العود إلى مكتبي كي أفرغ حشوه على القرطاس ، لكي أكتب ثم أكتب ، وهكذا . . إنها حلقة مفرغة ليس لها بداية ولا نهاية . إني لا أجد من نفسي راحة ، وإني لأشعر اني على نفسي اتجني . إني اعتصر زهرة حيائي كي يرشف غيري رحيقها . انما احترق كي أضيء لغيري الطريق . ألست مجنونا محبولا ؟ وهل يعاملني أصدقاني ورفاقي كما يعاملون عاقلا متزنا ؟

" ما أجمل ما كتبت لنا بالأمس ! وما في جعبتك لنا للغد ؟ " بهذا السؤال وبغيره من عبارات الإعجاب والثناء يخدعني أصدقاني . وإني لأثوب إلي نفسي أحيانا ويخيل لي انهم مني يسخرون ، وانهم بالجنون وخبل العقل يصفونني

ولا اذكر لك تلك الأيام البعيدة ، أيام الشباب ، وخير سني حياتي ، حينما كنت امارس الكتابة لاول عهدي بها . لقد قضيتها في عذاب متصل وهم ناصب ينقطع ، إن المبتدىء في حرفة الأدب ، حين لا يصادفه

حسن الحظ ، يري نفسه شخصا غريبا شاذا متطفلا على الفن . اعصابه دائمة التوتر ، تكاد تنقطع نباط قلبه أسي وكربا . إنه إلى رجال الأدب والفن منجذب طوعا أو كرها ، ولكنه بينهم مجهول غير ملحوظ . يخشي ان يشخص ببصره إلى الامام ، وان تلتفي عيناه بعيون الناس . إنه كالمقامر المدمن بعد إفلاسه .

في تلك الأيام لم ألتق بأحد من قرائي ، ولكني لم أتصور واحدا منهم إلا ساخطا على ناقما . كنت أخشى الجمهور . كنت إذا أخرجت كتابا جديدا ما تخيلت إلا ان احدا من الناس أن يحتفي به ويكترث . آه ! ما اتعس تلك الأيام وما أشقاها !

الفتاة : ولكن لا شك أنك ساعة الوحي والخلق والأنشاء تشعر بسمو الروح وعلو النفس

الكاتب : أجل . إني حين اكتب جد مسرور ، وحين أقرأ " تجارب " الكتب جد مسرور

ولكن ما يكاد الكتاب يتم وينشر بين الناس حتى أضيق به ولا احتمله ، بل إني لانكره لكثرة ما يتجسم لي فيه من أخطاء . وإني لأسخط ، وإني لأغضب ، وما كان أغناني عن السخط وعن الغضب ، بل وما كان أغناني عن إخراج الكتاب .

وقد يقرأ كتابي قاريء ، ولا أظفر منه بعد قراءته إلا بمثل هذا التعليق : " حقا انه لساحر وجميل ، ولكن أبن هو من كتابات فلان أو فلان " وسألبث هكذا حتي اموت ، لابني قراني عن إذلالي بغيري من الكتاب ممن هم خير مني خيالا وأجمل أسلوبا .

الفتاة : اسمح لي أن أقول إني لا أفهمك . إنك لاشك قد نجحت في بعض ما كتبت ولو بعض النجاح .

الكاتب : النجاح ! بإ لها كلمة تخرج من فبك ! إني ما رضيت عن نفس يوما ككاتب . لا بد لكي ينجح الكاتب ان يكون عبقربا نابغا ، وابن انا من العبقرية والنبوغ ؟ الطبيعة تسحرني فأصف جمالها ، وآلام الناس

تؤذيني فأصورها قصصا ومسرحيات ، والحرية تختنق ولا بد لي ان احررها ، ومستقبل العلم ؛ لابد لي أقول فيه كلمة ما اكثر الموضوعات وما أضيق الذهن والوقت . الحياة والعلم يسيران بخطى اوسع من خطاي ، مهما سارعت في العمل فأنا لابد متخلف مسبوق . ومن ثم كان خطئي ، ومن ثم كانت هفواتي وزلاتي .

الفتاة : إنك قد أرهقت نفسك بالعمل ، وشغلت كل لحظة من حياتك حتى لم يبق لك من الوقت فسحة تدرك فيها قدرك بين الناس . قد تكون عن نفسك غير راض ، ولكنك في أعين الآخرين عظيم جليل ! لو كنت كاتبة مثلك لوجدت سعادني في ان ينهض الناس إلى المستوي الخلقي الذي إليه ادعو ، ولكانت لي متعة في قيادة الجمهور والسير به إلى أمام

من لي بسعادة الكاتب ؟ وإني في سبيلها لاحتمل

إعمال المهملين ، وإنكار المنكرين ، وأعاني الفقر ولخيبة الأمل ، وأسكن في كوخ حقير ، وأرضي بالخبز اليسير ، وأكابد سخط النفس ، والشعور بالنقص . ولكني لقاء ذلك سوف أظفر بالشهرة وبعد الصيت

مالي أراك متشاغلا عني ، ولا تصعي إلي ما أقول ؟ ماذا عساك تفعل ؟

الكاتب : أنا أسجل خاطرا بدا لي هذه اللحظة إنها فكرة تصلح نواة لقصة . الفتاة : وما تلك ؟

الكاتب : في حفلة ساهرة التقيت بفاة حسناء ، علمت من حديثها انها كانت من قبل بحياتها سعيدة ، وعن نفسها راضية . فلما علمت بحرفتي شفقت بها وتطلعت إليها ، فأفسدت على نفسها حياتها ، وفقدت هناءتها .

اشترك في نشرتنا البريدية