(( هذه الصفحات نخبة مجموعة من وحي العرائس ذوات الشياطين ، أو من وحي الشياطين ذوي العرائس . تلقيناها من هؤلاء وهؤلاء وجمعناها هدية إلى القراء . وكل ما توخيناه فيها أن نتجنب التكرار كما نتجنب الإسفاف والإطالة (( فهذه قصائد من الشعر العربي أو العالمي ، يكثر فيها الإيجاز ويقل الإسهاب ، ويندر فيها المشهور المتكرر على جميع الأسماع. . . (( وحسبنا منها شرط واحد نرجو أن يتحقق لها جميعا في رأي قرائها ، وذاك أنها - وهي من وحي العرائس والشياطين - خير ما يقرب الإنسان إلى قلب الإنسان )) عباس محمود العقاد
جد لي رأيان متناقضان في هذه المجموعة ، هما اللذان أستعرضهما هنا مع القراء : ففي أثناء القراءة الأولى السريعة ،
ولم أنته بعد من المجموعة ، ولم أتبين مواقع قصائدها ومقطوعاتها في نفسي . قي هذه القراءة التي يلتفت فيها الذهن إلى أكثر الأشياء التماعا ويلتفت فيها الحس إلى أشد الأصوات تصدية. . . عندئذ قلت : أن الشعر العربي يستطيع أن يقف على قدميه أمام الشعر العالمي
وحينما انتهيت من قراءة المجموعة وخلوت إلى نفسي أتبين موقع كل قطعة وكل قصيدة ، وألمح وراء الألفاظ والمعان ي، ما ترسمه من ظلال إنسانية وما تصوره من حالات نفسية . عندئذ قلت : إن هذه المجموعة صحيفة اتهام للشعر العرب ي! فأي الرأيين هو الخطأ ، وأيهما هو الصواب ؟
مرجع الحكم في هذا هو طريقة إحساسنا بالحياة ، وحقيقة مطلبنا من الشعر . فأما أنا فلا أتردد في القول بأن الحياة في صميمها إن هي إلا انفعالات واستجابات ، وعواطف وحالات نفسية ، وأن الأفكار والمعاني إن هي إلا بلورات صغيرة على سطح الحياة ، وكثيراً ما تكون معوقات لجريان الحياة ، وإن كانت في أحيان قليلة تساعدها على التعمق والنفاذ
وليس (( الإنسان )) الراقي هو الذي تستهويه المعاني المجردة والأفكار المبلورة ، - كما يعتقد الكثيرون - ولكنه الإنسان الذي يتعمق حسه أدق المشاعر وأجلها ، والذي يدرك نبضات الحياة وانفعالاتها ، والذي يتخذ من ذلك كله غذاء لحسه وفكره جميعاً
والشعر هو نبضة قلب قبل أن يكون لمعة فكر ؛ وهو خفق حياة، قبل أن يكون فكرة ذهن ، وهو حالة نفسية قبل أن يكون قضية فكرية ؛ وهو ظلال إنسان قبل أن يكون التماع أفكار ، ووسوسة أفئدة قبل أن يكون رنين ألفاظ
فإذا نحن نظرنا إلى الشعر العربي بهذه العين في مجال الشعر وجدناه فقيراً في الظلال الإنسانية والحالات النفسية بمقدار ما هو غني بالأفكار والمعاني والاستجابات الحسية المباشرة التي لا تتعمق النفس الإنسانية إلى مدى بعيد
والتعبير العربي - وبخاصة في الشعر - تعبير مباشر أقرب ما يكون إلى الاستجابة الحسية ، فهو يؤدي الفكرة أو المعنى ، ثم لا تلمح وراءه مخلوقا إنسانياً . إنك تلمح ولاشك فكراً وحساً ، ولكن المخلوق الإنساني الذي يشتمل الفكر والحس ويشتمل بجوارهما حياة آدمية كاملة قلما تلمحه وراء التعبير العربي ولقد خيل إلي مرة أن هذه اللغة نبتت في الظهيرة على صحراء مكشوفة . فهي لا تلقي حولها ظلا . ليس هناك ما يسمونه (( بين السطور )) كل لفظ وكل تعبير يقابله معنى أو فكرة ، ثم لا شيء وراء المعنى ووراء الفكرة . لا ظل . لا صورة . لا رؤى في الضباب غير مميزة الملامح بينما تثير في النفس شتى التخيلات وشتى الاهتزازات
وبمقدار الغنى في الأفكار والمعاني الذي تضمنه الشعر العربي ، كان الفقر في الرؤى والأحلام ، وفي الصور والظلال ، وفي الحالات النفسية ، والملامح الإنسانية ؛ وهذا هو مفرق الطريق بين الشعر العربي وكثير من الشعر العالمي في مجموعة (( العرائس والشياطين ))
حتى شعر الغزل عند العذريين وغير العذريين ، قلما تجد فيه وراء اللفظ إلا المعنى ، ووراء التعبير إلا الفكرة . قلما تلمح الحالة النفسية والملامح الإنسانية ، قلما تتسمع الوسوسة والهينمة
التي لا تعرف مصدرها، ولا تدل عليها الألفاظ بذاتها ، ولكن تدل عليها الظلال التي تلقيها الألفاظ وتتوارى خلف التعبيرات . إن بيتين ساذجين بسيطين كقول مسلم بن الوليد ( فيما أذكر ) وقد حضرته الوفاة وهو وحيد غريب وليس حوله إلا نخلة بجرجان يناجيها فيقول : ألا يا نخلةً بالسّفحِ مِن أكناف جُرْجان ألا إني وإياك بجرجان غريبان
إن هذين البيتين لهما نموذج راق في الشعر العربي ، وهو نموذج متواضع بالقياس إلى الشعر العالمي ، ولكنه كذلك نموذج نادر !
فماذا في هذين البيتين الساذجين . فيهما أن المعنى والفكرة يتواريان ليفسحا المجال للصورة الإنسانية والحالة النفسية . صورة الإنسان الغريب المفرد تقربه الغربة من كل مخلوق ، ويرهفه الانفراد إلى الأنس بكل كائن ، وخلع الحياة عليه ومعاطفة القريب للقريب
وعلى هذا النحو ينبغي أن ننظر إلى الشعر ، على أساس ما يثير في نفوسنا من أحاسيس ، وما يرسم لخيالنا من صور ، وما يطلقنا من أعيان الفكر المحسوسة المحدودة ، ويصلنا بصور الإنسانية وبالحياة المكنونة . وذلك فيما اعتقد واجب شعراء الشباب
ولكن حذار أن نفهم من هذا ما يفهمه بعضهم من تلك الفوضى . إن الشعر - مع هذا - ليس تهيؤات مخبول ، ولا تهاويل مذهول . والحالات النفسية المطلوب تصويرها ، ليست هي خلط المجانين ، وتداخل الاستعارات وتراقص التعبيرات . إن بين الشعر وبين هذه التهيؤات والتهاويل لبعداً سحيقاً ، فإذا لم يكن بد من هذا البلاء فلا ، والشعر العربي القديم بحسيته وتجريده أقوم وأهدى ، وأخلد فناً
وإلى القراء بعض الأمثلة الحاسمة بين المعاني والأفكار ، وبين الحالات النفسية والصور الإنسانية في قطعة من مجموعة العرائس والشياطين ، للشاعر الإنجليزي الحديث (( هوسمان )) بعنوان (( إلى السوق أول مرة )) وليست هي بأغنى ما في هذه المجموعة من هذا الرصيد
النثر .فماذا تسمي هذا من صاحب الكتاب ؟ إن لم يكن تناقضا فهو على الأقل عدم دقة في الفهم والتفكير
ولعلك لاحظت أن صاحب الكتاب حين أراد أن يحكم بين الشعر والنثر في المنزلة بادعائه مواطن للقول لا تصلح إلا لأحدهما دون الآخر ، لم يتمم التقسيم من ناحية ، ولم يبين تلك المواطن من ناحية أخرى . لكن يظهر أنه ترك بقية التقسيم لفطنة القارئ ، وإن كان هو ليس عنده من الفطنة ما يتجنب به إبطال شهادة ثاني شاهديه ؛ أما مواطن كل من الشعر والنثر ، فقد عاد إلى تبيينها بقوله من صفحة ٢٦: (( قلنا أن الموضوعات هي التي تحدد نوع الصياغة ، فلنعد إلى ذلك بكلمة حاسمة فنقول : إذا كان موضوع القول متصلاً بالمشاعر والعواطف والقلوب كان الشعر أوجب ، لأن لغته أقدر على التأثير والإمتاع ، وإذا كان الموضوع متصلا بأعمال العقل والفهم والإدراك كان النثر أوجب ، لأن لغته أقدر على الشرح والإيضاح والإفهام والتبيين والإقناع )) . وتلاحظ أنه هنا قد عدل عن صيغة القصر إلى صيغة التفضيل ، فهو يبيح لكل من النثر والشعر أن ينوب عن صاحبه ، وإن لم يسد مسده ويغن غناءه ، لكنك تلاحظ أيضاً أن كلمته الحاسمة هذه ، وإن كانت أرخى زماماً من كلمته الأولى التي لم يسبق إليها ، قد أخرجت الشعر من مجال العقل وأخرجت النثر من مجال القلب من حيث السبق في الإجادة والصلاحية للتعبير ؛ فالسبق دائما للشعر في مجال القلب، وللنثر في مجال العقل من غير نظر إلى الشاعر ولا إلى الكاتب . أي أنه لم يعر شاعرية الشاعر ولا كاتبية الكاتب أي التفات ؛ فعنده أن المواضيع المتصلة بالقلب يجب أن يتناولها صاحبها بالشعر؛ فأن لم يكن شاعراً لم يكن له أمل في النبوغ. ومثل هذا يقول طبعاً في المواضيع المتصلة بالعقل . ولسنا ندري - ولا نظنه يدري - من أين له هذا الحكم النظري البحث ، وإن ادعي له الحسم . كما لا ندري ما رأيه في مثل معلقة الحارث بن حلزة ، وهي خطبة جدلية في قصيدة . لكن الأهم من هذا وذاك أنه وهو يبحث ويأتي بالحاسم من الرأي لم يرد داعياً لأن يحدد الاتصال بالمشاعر والعواطف والقلوب ما نوعه وما مداه ، إذ غير معقول أن يكون كل ما اتصل بالشعور أولى به الشعر ، ولا كل ما اتصل بالفهم
أولى به بالنثر ، وإن كان الثاني أقرب إلى المعقول من الأول . فالحارث بن حلزة ألقي خطبة شعرية والجدل منها أكبر النصيبين ، ولم يمنعه ذلك أن يذكر بها مدى الدهر . والخطب الوعظية أو الحماسية في الصدر الأول ، وبعد الصدر الأول، لها من القلب والشعور أكبر النصيبين ، ولم يمنعها ذلك أن تؤثر ويذكر بها أهلها مدى الدهر ، فأين هو ذلك الحسم الذي ادعاه صاحب الكتاب لكلمته تلك ؟ إنها كلمة مبهمة ، لا حسم فيها ولا فصل ، فهي مثل للتقصير في النظر، وعدم الدقة في التفكير وفي التعبير
على أننا سنفرض أن صاحب الكتاب أراد بذلك الذي سماه اتصالاً بالمشاعر والعواطف والقلوب ، على أقل تقدير علاقة الحب . فهل تظنه حتى في هذا كان أدنى إلى الدقة في بحثه والاحتراس في التعبير، فلم يسو بين النثر والشعر في هذا الباب ؟ إن كنت تظن هذا فاقرأ له ما كتب في صفحة ١٥٧ في فصل النسيب : (( وفي القرن الرابع يظهر الغزل في النثر ظهوراً رائعاً بحيث يمكن مقارنة الرسائل الغرامية بأقوى قصائد التشبيب، ولا يمكن الارتياب في قدره كتاب القرن الرابع على إجادة هذا الفن وتفوقهم فيه وتصرفهم في ضروبه تصرف المبدعين )) . فأين ذهبت إذن تلك الكلمة الحاسمة وذلك الرأي الذي لم يسبق صاحب الكتاب إليه ؟ أم هو مجرد كلام يثبت باسم البحث في صفحة ٢٦ وينفي باسم البحث أيضاً في صفحة ١٥٧؟ وإذ كان صاحب الكتاب لا يستطيع الاحتراس والتزام الدقة حتى في أضيق الدوائر وأظهرها وأقربها إلى ما ألف وألف الناس ، فمتى يرجى منه أن يقوم بما يوجبه البحث من الدقة والاحتراس والاحتياط ؟ ولا تنس أن عبارته هذه قد كتبها وهو يبحث عن خصائص النثر الفني في القرن الرابع ، أو هكذا على الأقل قد ترجم للباب الثاني من الجزء الأول من كتابه ، فلا يمكن أن يعتذر له عنها بالمبالغة أو بالتحمس كما يعتذر للناشئين ، لأن النثر الفني في القرن الرابع هو موضوع بحثه الأصيل ، وما عدا ذلك فهو ملحق به محشور فيه . فإذا كان هذا الرجل جاداً في بحثه، يعتقد بما يقول وما يقرر، فلماذا لا يطبقه ؟ وإن كان يطبقه فلماذا لا يتعلم كيف يحسن التطبيق ؟

