" البرسونالية " كلمة حديثة الاستعمال ؛ عمد إليها " رنوفييي " Renouvier لنعت مذهبه الفلسفي سنة ١٩٠٣ - ثم غمرها النسيان - وكذلك استعملها الاميريكيون اقتداء " بوولت وهيتمان Walt Whitman
وفي سنة ١٩٣٠ رجعت هذه الكلمة إلى الوجود لكي تكون نعتا للبحوث الاولى التى صدرت بمجلة "اسبري" Esprit (أو مجلة الفكر الفرنسية) والبحوث التى قام بها جمع من المفكرين ينتمون إلى هذه المجلة ، حول الازمة الساسية والفكرية التى نشأت يومئذ في أوروبا (1).
وأخذت هذه العبارة تتعثر في شتى المعانى . إلا أن لها اليوم معنى واضحا وهو : عالم الشخص ، عالم الانسان ؛ ومن المدهش أن المذهب البرسونالي لم يزدهر إلا فى القرن العشرين ؛ فى حين أن هذا المعنى سبق العصر الحديث بالدهور قبل الدهور .
البرسونالية ليست بمذهب قائم بذاته ، ولكنها نظرة فلسفية ، ترتكز اول ما ترتكز على الاعتراف بان الشخص الانسانى يملك ناصية أمر أو قل إن شئت ، مخير ، خلاق . وهي بعيدة كل البعد عن الرأى الشائع فى اعتبار العقل آلة تعمل عملا لا شعوريا : فهذا هو السد الذى يجمد سر التفكير ، وبعث على الاخلاد إلى الراحة الفكرية ، والابتعاد عن المغامرة
ذلك أن الشخص ليس " شيئا " جامدا ، بل هو ما يوجد فى الانسان متصفا بالحياة ، ولنضرب لك مثلا : هذا صديقى إلى جانبي ؛ هو يشعر بجسمه شعورا خاصا لا يمكن لي ان احس به ؛ إلا انى اتمكن من النظر الى هذا الجسم نظرا خارجيا ، فأتبين شكله ، وأمراضه ، وتغيراته ، وبالتالى فإنى اعتبره مادة ممكنة الدرس " فيزيولوجيا " وطبيا .
استطيع ان ادرس صديقى هذا من حيث هو موظف ، وتونسي وارسطقراطى ، ومسلم ، ولكنى عاطل عن أن أشعر بجسمه وذاته : لان جسمه وذاته يجعلان منه شخصا فريدا فى نوعه ، لا ثانى له . لانه " لا تتماثل نفسان من النفوس " على حد تعبير ابن سينا . فالتقط له صورة وألف صورة إن بدا لك ذلك ، فانك لن تظهره لنا شخصا حيا مفكرا ، مريدا . ولا يفهمن أحدكم انى اريد ان اظهر الشخص الانسانى فى صورة سر مغلق ، فهمه مستحيل ، ودرسه ضياع
فالانسان بمجرد وجوده فى هذا العالم يتولى الافصاح عن شخصيته بفعله الخلاق دوما لحالات متعددة " وقواعد وأنظمة شتى . لذلك كان درس الانسان امرا بعيد الغور ، لا يضعف كلما زدنا تعمقا فيه ، بل يزكو ويتشعب وينكشف عن عديد العناصر
الشخص اذن حيوية خلاقة ، هو قوة تدفع نفسها بنفسها ، فيثبت ذاته ويشعر بها في العمل والفعل ...
الانسان الحي ليس ذلك الذي يعيش عيش الجبان الحذور ، متنكبا خوض غمار المشاكل ومجابهة حتى يتعفن فى التقليد ، والالف والعادة ، والتقليد يعمى ، والعادة استسلام ؛ هو الضعف وهي الخيانة يسيطران على النفس
لذلك سيكون تاريخ الشخص (La personne) مسايرا لتاريخ الفلسفة المعناة بالشخصية ،(Persalisme La) وهذا التاريخ سيكون غير مقصور على الحياة الحسية وحسب ، بل سيتعدى إلى النظر فى الجهد الانساني
وإذا ما اتفقنا على ان الانسان ليس بشئ جامد يمكن اقتلاعه من بيئته ، بل هو نقطة انطلاق مركزية ، وظيفتها توجيه العالم الخارجي وتكييفه وتلوينه ، كان لزاما علينا تحليل هذا العالم ، كى يتسنى لنا درس محتوياته التى هى اجزاء من حقيقة واحدة لا تتجزأ .
الانسان خاضع للطبيعة التى يعيش فيها ، مزاجه وأفكاره وعواطفه متأثرة جميعها بالجو الذي يعيش فيه وكذلك بالمناخ والجغرافية و " وضعيته " على الارض .
لكن هل الشخص لعبة بين أيدى الطبيعة ؟ الانسان كائن طبيعي ، ولكنه كائن طبيعي يمتاز بالانسانية (1)؛ حتى انه هو الوحيد ، من بين جميع الكائنات الذى يشعر بهذا العالم الذى يغمره ، وهو الوحيد الذى يعمل على تغيره إلى عالم افضل مع أنه أضعف من جميع الحيوانات الضخمة .
فالشخص لا يقبل الطبيعة مسلما ، بل ينقلب إليها كافرا على نوامسها عاملا على تطويرها ؛ وبقدر قوته يكون صموده فى وجه المشاكل قويا ، مذللا الصعاب.
أنت ترى إذن أن علاقات الشخص بالطبيعة هي علاقات جدلية " ديالكتية" ولا تظنن ان هذا النضال ضد الطبيعة من سهل الامور ، بل هو كثيرا ما يفاجئ الانسان بالخيبة والوبال .
إني إذا قلت "الشخص" لست أعنى الفرد لاشك أن الانسان ، سواء أسميته شخصا أم فردا ، أناني بطبعه ، لا يبحث الا عن لذته الخاصة ، ولا يطلب إلا فائدته الضيقة ؛ ألم تر ، منذ بدء الخليفة ، أن أيام الحرب تفوق أيام السلم عدا ؟ ألم تر أن الحياة الاجتماعية تطاحن أبدى ، حتى ضاعت الصداقة والاخوة وضاع الوئام فى هذه الخيبة الداوية ؟
وإلى هذا المعنى اشار الفيلسوف الوجودى الالمانى "هيد قير" Heidegger والفيلسوف الوجودى الفرنسي "سارتر" sartre ؛ فمجرد وجود "الغير" اختلاس لحريتى وتضييق على .
وإنك لتثور على هذا النظام ، فتضجر ، فتسخط ؛ وما كانت ثورتك لتجديك فتيلا ، ولا ضجرك ولا سخطك
لذلك كان العالم ميدانا للتطاحن ، بل قل دع دعوة إلى التطاحن ، وإلى السير سيرا يتجاوز الوضعية الراهنة ؟
هذا هو السب الرئيسى الذى أورث الانسان غريزة " الدفاع الذاتى "
(Intinet D,auto) ومن هذه الغريزة نشأت الفردية (Individualisme) أعني الفردية الانانية ، ومالت نفس الانسان إلى العزلة وتاق الانسان إلى الدفاع عن نفسه ؛ وهذه العزلة وهذا الدفاع الأنانى نشأ عن المجتمع البرجوازى ، وازدهرا بالخصوص فى المجتمع الغربي ، ما بين القرنين الثامن عشر والتاسع عشر
فالفرد -L,individu- منطو على نفسه ، مدافع عن نفسه دفاعا أنانيا ، بائس ، مبتئس ، مستسلم ، جبان حذور
أما الشخص - La personne - فهو الانسان الذي تطهر من تلك الفردية وادرانها فبيض وجهه ، فبدأ للعالم بروح جديدة يستلهم الحياة شخصا جديدا فكر لا متفتح ونفسه راضية مطمئنة
لذلك كان العنصر الهام في "البرسونالية" أن لا يعيش الانسان بعيدا عن "الغير" ، بل يعيش بجانب الغير ويعيش للغير وبالغير ؛ وإنى لا أفجؤك إذا قلت لك الان إن المعنى الاصلى " للوجود " هو " الحب " لاني إذا نظرت إلى "غيري" نظري إلى "شئ" جامد ، فمعنى ذلك انى اعتبر " إنسانا غائبا أو قصبة جوفاء ، او صدقة فارغة ، بل قل ايضا آلة أستعملها حسب أهوائي وأغراضى .
وإذا نظرت إليه نظري إلى فاعل فمعنى ذلك أنى اعترف له بالحيوية ، والقدرة الفعالة ، والارادة الخلافة ، والنفس الزكية ؛ إني لا أعترف بما له من قيمة فحسب ، بل أثبت أن له كرامة ، وأنى مدين له بالاحترام على حد تعبير الفيلسوف الالمانى "كانت" Kant ؛ ومعنى هذا ، بالتالي ، انى أحبه " والحب اثبات لوجوده اثباتا قطعيا ، وإثبات لما للحياة من قيمة عظيمة . ولمعترض ان يقول : ان الافراد اذا ما انقلبوا إلى اشخاص لا يلبثون أن يكونوا عائلة ، او مجتمعا او جماعة دينية ، او وطنا ، وما هى إلا ان يقعوا من جديد فى مغبة الانانية
لا شك ان هذه سنة عالمنا ، هذا العالم الذى يبدو فيه الانسان "ممزقا" ... والوصول الى معرفة الشخص معرفة داخلية ضافية امر شديد الاشكال عسير ، وعلينا عزيز . ذلك ان عالمنا عالم محطم ، حسب تعبير الفيلسوف الوجودى الفرنسي "مارسيل" G.Marcel.
الا ان هذه الانانية قد تكون خلاقة هي ايضا اذا ما اريد بها الانطواء المنهاجى الوقتى ، فيها يرجع الشخص بفكره الى نفسه كما رجع ابو العتاهية من قبل (1) فيحاسبها ، ويصهرها ، فيخرج من تجربته الانطوائية هذه بنتيجة تكون له دليلا بالمعنى المنطقي ، يحتذيه ويسير عليه ، تاركا الباب مفتوحا لمراجعته وتنقيحه ، ما وجد الى مراجعته سبيلا ، وما دعت الحاجة الى تنقيحه .
وهكذا يعيش الشخص عيشة حية ، شعورية - لا أقول عاطفية متفتحة ، تفيد من كل تجربة ، وتتضخم بكل جديد ، فلا تجمد . فقيمة الشخص إذن فى اضطلاعه بافعال - سواء انجح أم خاب ، وفي قدرته ايضا على الافادة من تجربته ومراجعة اعماله وتقريراته . . فالشخص متصنع بطبعه مغامر جسور في جوهر (2) ؛ فهو ليس منعزلا فريدا هزيلا ، بل هو فى بيئة تجذبه ، وعالم يحيط به -
