- في الطريق بين القاهرة وبغداد :
في دمشق عدت من الغوطة إلي المدينة واتخذت طريقي إلي سوقي حميدية ، وهو شارع طويل مسقوف يقع بالقرب من" عمرجه " تقوم على جوانبه حوايت الأقمشة والحردوات ، فوجدته غاصا بالسيدات من جميع الطبقات يتنقتلن بين الدكاكين متفرجات منقبات ، ينتقين ملابس العيد ويساومن في الأسعار وبناهضن التجار ولا يشترين إلا بعد عناء . ولا تجد فرقا كبيرا بين معروضات سوق حميدية بدمشق ومعروضات الغورية أو الموسكى بمصر ، فأكثرها من البصائع الأوروبية التي تغمر أسواقنا وأسواق الشام والعراق على السواء . ونصيب المنسوجات الوطنية في هذه العروضات قليل لا يتعدى بعض أصناف الحرير الطبيعي من طابع دمشق وصنعها . والواقع أن الشرق بعد أن نبذ قديمة لم يجد في أن يستحدث لنفسه جديدا
بل اعتمد علي أوربا في كل شئ .
ومع شدة ازدحام السوق بالنساء وتكدسهن في الحوانيت فإني لم الحظ من جانبهن او من جانب التجار والمارة أي خروج على الآداب ، بل كن وكانوا في تعفف واحتشام.
ويقع في نهاية سوق حميدية الجامع الأموي ؛ بناء ضخم وجدران عالية وباب فخم ويتوسط الجامع صحن فسيح مكشوف بتسع لآلوف المصلين محيط به بوائك شاهقة تحملها صفوف من العمد العالية ، ويمتاز الأيوان القبلى بكثرة النقوش والزخارف ، قد كسبت جدرانه بالفيشاني والرخام الملون وفيه القبلة وأثير وكلاهما من الرخام المطعم وأرض
الإيوان مفروشة بالسجاد ، وبتوضأ المصلون من صنابير ربطت ببعض الأعمدة ، واقيم تحتها أحواض لتصريف المياه . والجامع مقصد الزائرين والمصلين والمتعبدين من أهل دمشق والجهات المجاورة ، لا تسمع فيه لغوا ولا نري فيه ما ينفر ، ولا تصطدم عند أبوابه بالمرضي والشحاذين ، كما هو الحال عندنا في أضرحة الأولياء والصالحين
خرجت من الجامع واتخذت طريقي في الحي المحيط به وهو كثير الشبه بحي سوق السلاح عندنا هندسة وعمارة : شوارعه ضيقة متعرجة وبيوته عتيقة بعضها كبير وبعضها صغير لا تختلف عن بعضها كثيرا ، فالباب ثقيل مصنوع من الخشب قطعة واحدة ، ركبت في وسطه سماعة كبيرة من النحاس وتحتها ثقب المفتاح وتقف السقاطة وأعلي الباب نافذة عليها شباك من قضبان حديدية غليظة . والمنزل من طابقين الأرضي قليل الفتحات والعلوي كثير النوافذ والشبابيك من " الشيش" من ورائه زجاج . ويوجد بالحي زوايا وخانات وأسلة كلها على النمط التركي القديم ، وقد أصلحت بلدية دمشق إحدي هذه الدور وجعلتها مقرا لدار الكتب ، كما أصبح غيرها مصانع للأحذية أو النسيج أو مخابز للعيش ، والحي على قدمه ، والنواء مسالكه ، وعدم استواء أرضه ، لا بأس بنظافته ، ومعظم سكانه الآن من الطبقة الفقيرة وتجوب أزقته عربات العيش ، والخضار حاملة البرتقال والكرنب والقرنبيط ، وهي من أنواع ذات حجم صغير رأيتها مزروعة في بساتين الغوطة.
وخبز دمشق جيد الطعم ، يصنعونه من القمح ، والرغيف منه مستطيل مسطح قليل السمك ، يحدثون به خروقا على طوله ، فيكون
أثم نضجا وأشهي طعما ، وفي العراق يصنعون الخبز بنفس الطريقة .
وانتقلت من حارة إلي اخري ومن زقاق إلي اخر حتي وقفت امام ضريح فوقه قبة وامامه حديقة صغيرة غير معتى بها فسألت : لمن يكون هذا الضريح ؟
فأجاب شيخ كان جالسا على دكة بالقرب من باب الضريح : هذا قبر السلطان صلاح الدين ، واشار بيده إلي إحدي قبتين حقيرتين منهدمتين
فأخذني دهشة ، وتوجهت إليه بالكلام : هل يرقد تحت هذه القبة الوضيعة البطل العظيم قاهر الصلبيين ؟ فأطرق الشيخ ، ودعاني للجلوس بجانبه ، وطلب لي قهوة وطيب خاطري ، وقال : يا بني ! ليت صلاح الدين لم يولد .
قلت : ولماذا ؟ هل لم تفكر حكومة هذه البلاد في تجديد القبة ؟
قال : كلا : كل حكومة تولت الحكم بهذه البلاد كان لها مشروع لتجديد الضريح وإقامته على الشكل اللائق بعظمة صلاح الدين ، ولكن لأسباب غير معروفة لم يتم تنفيذ أي مشروع منها .
قلت : عجبا : هل يرجع ذلك إلي قلة المال ، أو لاختلاف الآراء ؟
قال : لا هذا ولا ذاك ؛ وهل تختلف الآراء في القيام بمثل هذا الواجب ؟ ولكن ماذا أقول لك ؛ هناك يا أخي عوامل خفية تحول دون تنفيذ مشروع التجديد ثم أطرق برأسه ، وأشاح بوجهه وهو يتمتم بصوت خافت : سنتهدم القبة يوما ما على هذا الجثمان الطاهر ، وتتحول إلي خراب وتندثر معالمها ، ويختفي قبر صلاح الدين من الشام والدنيا معا . قلت : كذا ! فأجاب : هكذا .
إنصرفت عن الشيخ وأنا أتأمل في كلامه ، متمنيا علي الله أن يسوق لهذا الضريح في القريب العاجل أحد اغنياء المسلمين ليقيم عليه من فيض ماله قبة تكون بين القباب ارسخ اساسا وارفع بناء ، إعلاء لكلمة الحق والدين وتمجيدا للبطولة واعترافا بفضل صلاح الدين منقذ الإسلام من براثن الهمجية . ثم مازلت سائرا في هذه الناحية علي غير قصد حتى خرجت إلي طريق ينتهي إلي الجبل فعدت ادراجي إلي
ميدان مرجة مارا بشارع واسع تقوم على جانبيه الحوانيت والمساجد وعيادات الأطباء ويكثر فيه الباعة المتجولون يحملون أصناف الحلوي والمأكولات على صوان من نحاس ، ويقيم باعة الآحذية على أرصفة الشارع يعرضون انواعا جيدة الصنع رخيصة الثمن اشتري أحد الرفقاء زوجا منها من جلد أسود لامع بعشرين قرشا .
ودمشق أو الشام كما يسميها أهلها مدينة كبيرة خفيفة الروح ، جميلة الموقع ، جوها دافي في الشتاء ، حار في الصيف ،
وشوارعها نظيفة مبلطة ، تضاء ليلا بالكهرباء وأهلها ينعمون بملاحة الوجه ونظافة الملبس ، وجودة الصحة ، والنساء أصغر قد من الرجال وأسرع حركة ، والدمشفي شديد العصبة لدناء ودينه ، فلا تجد بينهم الدخيل والأجنبي إلا بقلة ظاهرة ، والتجارة في يد أهل البلاد ، وهي في كساد يسبب ضعف القدرة على الشراء الناشئ عن انخفاض قيمة النقد السوري لارتباطه بالفرنك الفرنسي ، ولا تجد صعوبة في التعامل بالجنية المصري الورق في الشام أو العراق
وقيمته نمو سبع ليرات سورية في الشام ودينار في العراق .
دخلت إحدي الكاتب وسألت عن نوع الكتب المصرية التي تقرا بالشام ، فقال الكتب : إن معظم الكتب الأدبية والدينية التى تطبع عصر نجد لها سوقا رائجة هنا ، وكذلك الكتب التي يخرجها لحجنة التأليف والترجمة والنشر . وكذلك رأيت جريدة الإهرام وبعض المجلات المصرية تباع على القهوات في ميدان مرجة . (لها بقية)

