الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6 الرجوع إلى "الثقافة"

عشرة أيام فى العراق

Share

٥ - إلى النجف الأشرف:

في خرائب بابل

غادرنا بغداد بالسيارة قبل ظهر يوم الخميس ١٠ فبراير لزيارة خرائب بابل ، وكان معنا السيد تحسين إبراهيم ومفتش الآثار السيد حسين عوني فوصلناها بعد ساعتين ، واستقبلنا هناك مدير الحفائر العراقية ، وهو أستاذ ألماني عاش بمصر والشام زمنا . قال لما : لم يبق من بابل ، عروس المدائن ومفخرة الكلدانيين ، إلا هذه الأطلال . فقد تبارزرت فيضانات الفرات ، ومحاول المنقبين عن الكنوز على اكتساح ما سلم منها من يد الهدم والتخريب . وهذا هو حال يافي آثار العراق لم يبق منها إلا القليل . فالقصور والمعابد والهياكل كانت تعبي بالأجر ، لا بالحجر الصلد ، كما بني قدماء المصريين وكانت تقام وسط الوادي علي شواطئ الأنهار فنخرتها الرملية ، واكتسحها الطوفان . وانتقلنا إلي وسط التل فشاهدنا بقايا العبد وجزءا من طريق مبلطلة ، وبعض جدران عليها نقوش ، وتمثالا من الحجر يمثل أسدا

ورجلا يتصارعان ، قال عنه إنه أهم ما تحتويه هذه الآثار

وذهبنا من الخفائر إلي الحلة لتناول الغداء بمنزل عبد الجبار بك الراوي حاكم اللواء على بعد خمسة كيلومترات من بابل والخلة عاصمة الولاية ، موقعها على الفرات كموقع اسبابه على النيل . وهنا ودعنا صديقنا ورفيقنا في رحلتنا الدكتور محمد عبد المنعم بك رياض ونجله فؤاد عائدين إلى بغداد

في الكوفة

وتابعنا نحن السير إلي الكوفة ، فوصلنا أمامها بعد الغروب بقليل ، وعبرنا الفرات على جسر من القوارب ، وقابلنا على مدخل الجسر من جهة الكوفة رئيس البلدية ، قدنا لمنزلة حيث قدم لنا الشاي العجمي الممطر والسحلب التركي الفاخر . والتقينا في الدار بأحد أدباء الكوفة ، السيد محمد رضا الحساني ، وهو صاحب محلة أدبية تسمى "القادسية" تصدر أسبوعية بالكوفة

وعمارة الكوفة كعمارة الحلة ، إلا أنها أكبر اتساعا وعمرانا ، ويجري الفرات تحتها ، وموقعها فوقه جميل كموقع سوهاج على النيل .

في النجف

ثم قصدنا النجف فوصلناها بعد العشاء ونزلنا ضيوفا بدار سعادة الحاج عبد المحسن شلاش وزير مالية العراق الأسبق . واستقبلنا صاحب الدار وأنجاله استقبالا حافلا .

والدار من طابق واحد ، ولها فناء مكشوف تحيط به الحجر والمرافق . جلسا بجانب صاحب الدار في صدر سننظرة كبيرة على مقاعد وثرة ، وجلس في الجناج المقابل بعض أعيان النجف ؛ ثم وقد للترحيب بنا فاتقام النجف ، سعادة السيد صالح بك حمام وبعد أن استرحنا دعينا تلبيا الحيوان أسباب الأكول لحجرة الطعام ، ووضعت أمامنا على الخوان أصناف المأكول والمشروب . وأعجبني من بينها صنف من الأرز ممزوج بالحمص وعليه "خلطة" من اللحم المفروم والتوابل الدسمة والبهارات الحريفة .

وبعد العشاء دار الحديث حول المفاضلة بين التعليم قديمه وجديده ، فذكرنا الأزهر ، ومدارس النجف ، والجامعة المصرية .

ويعتبر السيد شلاش من أكبر أغنياء العراق ، ومن أوسع أهل الشيعة جاها ونفوذا . بلبس القفطان والجبة

والعباءة ، وطربوشا حوله عمامة عباني على طريقة أشراف النجف ، وبلبس أولاده البدلة والسدارة ، يتكلم بتؤدة وحذر ، عاصر الحكم العتمني ، وزار الاستانة ، وغرس فالحكم وبالتجارة ، وادار مشروعات ناجحة ، وانشأ خطا لزلم الخيل بين الكوففة والنحف ، مسافة خمسة كيلومترات ، حدثنا أحد الرفقاء قال : لما كان السيد بشلاش وزيرا اللب إلى احتاجت الحكومة إلي مبلغ تدفعه لحرتبات الوطن في الشهر الأخير من السنة . ولما كان يبغض الاستداية من الأجنبي ، دفع هو البلغ المطلوب من جيبه الخاص ، وحرر به صكا على الحكومة .

وفي صباح اليوم الثاني نزلنا إلي سرداب المنزل للفرجة وتعتبر هذه السراديب من عجائب بيوت النجف وهم ينزلون إليها علي درج حلزوني ، وتكون من طابق واحد أو من طابقين ، وأحيانا من ثلاثة تحت الأرض ، ويقضي أهل الدار سحابة النهار في الصيف في السراديب غرارا من شدة القيظ ويهجرونها في الشتاء . ونظام السرداب كنظام الطابق الذي فوقه ، به حجر وصالات ومرافق ، وله فتحات للنور وللتهوية . وقيل لنا إن مدرسة السيد كاظم البزدي سردابا ينزل إليه بأربع وكانين درجة . والمنازل الجديدة لا يحفرون بها سراديب في الغالب اكتفاء " بالبدرومات " ووسائل التهوية الحديثة .

في المقام الشريف

ثم توجهنا راجلين لزيارة مقام سيدنا على كرم الله وجهه ، فدخلنا إلي حرم المقام من باب لخم في البناء الخارج ووجد غاصا بالزائرين والزائرات شأن جميع مرارا الشيعة في شهر المحرم من كل عام ، والمقام بناء فخم ضخم مربع الشكل تعلوه قبة من الذهب تتوهج في ضوء الشمس ، وعلى الركنين مئذنتان كالعروسين زينة وجمالا .

والجدران يكسوها ترابيع القيشاني الملون بأجمل الألوان ، يتألف منها صور الأزهار واشتباك الأغصان ، وأبواب المقام من صفائح الفضة وشبابيكه يغطيها الزجاج المعشق .ثم دخلنا الضريح ؛ الله أكبر ، أهذا قبر الإمام علي : أم معرض للفن . أم متحف للنفائس ؟ السقف من الخشب الثمين ، بالغ الصانع في زخرفته بالنقوش المذهبة والتكوينات الهندسية الرائعة ، وتدلت من السقف سلاسل الذهب تحمل ثبات البلور وفعاد الزجاج الملون من أنفس هدايا الملوك والسلاطين ، وغطيت العقود والأعمدة بقطع من المرايا بأشكال وأوضاع تلجمع بعريق ببهر الأنظار ، وعلي الجدران إطارات من ذهب وفضة داخلها آيات قرآنية وأحاديث نبوبة من أعمل ماكتبه خطاطو تركيا وفارس . وعلى الأرائك بيارق من الدمق الغالي طرزت حواشبها يخبوط الحرير والذهب . وعلى الأبواب والنوافذ ستائر مزركشة من أغلي أنواع المحمل ، وأرض المقام من الرخام المؤلؤدي العديم النظير ، أبيض ناصع البياض وأسود وأخضر ، مطعمة في بعضها بأشكال تسر الناظرين ، وفوقها مبسوط أخر أنواع السجاد نغوص فيها الأقدام . وفي الأركان تحف لا مثيل لها من صناديق وشمعدانات وثريات ومصاحف من الهدايا والبذور ، وعلي القبر الشريف

مقصورة من الفضة المموهة بالذهب أفرغ الصانع في نقشها وزخرفتها أسمي ما وصل إليه الفن العربي والفارسي من إبداع وابتكار .

ثم زرنا في الحرم مكتبة الجامع ، وهي في حراسة أحد العلماء أرانا مصحفا مخطوطا قال إنه من نفائس المحفوظات ، كان قد كتب في صدر الإسلام برسم أحد الخلفاء .

ورأيت في الحرم بعض القرويين يحملون نعشا يطوفون به حول المقام . فسألت : وهل سيدفن هذا الميت في مقبرة النجف ؟ فهمس بعض الرفقاء في أذني قائلا : أفي له بهذا الشرف ؛ إنه فقير لا يملك الأتاوة التي تطلبها سقاية المقام الشريف لكي يؤذن له بالدفن.

قلت : وأين يدفن إذن ؟ قال : إن أهله يكتفون بنعمة القبض الذي ناله بهذا الطواف المبارك ، ثم ينقلونه إلي بلده إن قريبا أو بعيدا ليدفن فيه .

وفي الطريق أخبرني سائق السيارة بأن مقبرة النجف مقدسة لا يدفن فيها إلا كبار مجتهدي الشيعة وأصحاب الثروات الكبيرة الذين يقدرون على رفع الضريبة .ثم ذكر أن سمو أغا خان قد تبرع أخيرا بعشرين ألفا من الجنيهات نظير السماح له بدفن جثمان المرحومة والدته في المقبرة المطهرة .

ثم خرجنا إلي شوارع المدينة وزرنا بعض الأسواق ومعظمها مسقوف بألواح من الصاج ، والحوانيت صغيرة تباع فيها الحلوي والعطارة والأقمشة . ولاحظت بسقف أحد الأسواق خروفا كثيرة ، سألت عنها فقيل لنا إنها من بقايا المعركة التي دارت هنا إبان الثورة بين أهل النجف والانجليز .

التقيت في الشارع بشاب يرتدي بدلة قال إنه من المتخرجين في المدرسة الخديوية بالقاهرة . وبعد أن عرفني بنفسه قال : أرجو أن تكون مسرورا مما رأيت بالنجف . قلت : عظيم السرور . قال : إن بمصر قوما ينسبون إلينا نحن الشيعة أقوالا وأفعالا لا تنطبق على الدين . فطمأنته فقال أرجو أن تبلغ سلامي وتحياتي لأستاذي ناظر المدرسة كساب بك ، قلت : يصل إن شاء الله .

ثم تفرجنا على مدرسة السيد كاظم البزدي أحد مجتهدي الشيعة ، وهي عبارة عن زاوية ومسكن ومدرسة يقيم فيها المزيدون والمجاورون والعلماء على حسب نظام الأروقة

بالأزهر قديما ، واستقبلنا بها في خلوته السيد على السيد كاظم البزدي ابن منشيء المدرسة ، وسألته عن عدد الطلاب بها فقال : نحو مائة وخمسين .

ثم دعينا لزيارة جمعية الرابطة العلمية الأدبية بالنجف ، فدخلنا إلي دار كبيرة تشبه الخان ، اجتمع في حجرة فيها عدد كبير من الأعيان والأدباء فتبادلنا وأياهم التهاني بالعيد ، وشربنا الشاي ، وتناولنا الحلوي ، وتباري خطباؤهم في الترحيب بنا نثرا ونظما ، وأشادوا بعظمة مصر الشقيقة وفضلها على الشرق العربي ، ونادوا في الختام بحياة مصر والعراق والملكين العظمين فاروق وغازي ، وجاء دور سعادة العشماوي بك فألقى خطبة جامعة شاملة تناسب المقام طرب لها القوم وتحمسوا وهللوا . ورأيت على نضد بالحجرة بعض أعداد من جريدة تصدر بالنجف تسمي "الهاتف" لصاحبها السيد جعفر الخليلي، قرأت في صدر العدد ١١٠ منها مقالا تحت عنوان " الأدب الصادق والأدب الكاذب " للأديب الأستاذ حسين مروة .

والنجف الأشرف بلد لطيف تحس بقدسيته من هوائه وجوه وسيماء أهله . والمدينة تقع على ربوة في مدخل الصحراء يحيط بها سور وعمارتها حسنة ، وتعتبر أهم مراكز الشيعة يحجون إليها من أطراف العالم ويتسابقون في تقديم النذور والهدايا حدثنا بعضهم قال : إنه قد تجمع على مر السنين ثاني سدانة القام من هذه النذور والهدايا ، كنوز من ذيب وجواهر لا تقدر بثمن ، حاول

الأتراك في أخريات أيامهم بالعراق الاستيلاء عليها كلها أو بعضها لسد نفقات الحرب فلم يفلحوا .

في جامع الكوفة

رجعنا إلي الكوفة لمشاهده جمعها المشهور ، فبدا من بعيد كالحصن ، ودخلنا من الباب إن حصن كبير مكشوف تحيط به غرف صغيرة داخل الجدار قيل لنا إنها لإقامة الزوار أثناء المواسم ، وفي وسط الصحن مسجد غائر في الأرض ينزل إليه بدرج على طريقة السراديب قيل إن الصلاة تقام فيه وقت اشتداد الحر زمن الصيف ورأينا في وسط الجدار الغربي للجامع المكان الذي قتل فيه سيدنا على . قد أقيم عليه سياج من قضبان النحاس والفضة وبولغ في زخرفته بترابيع القيشاني الأزرق ، قد تزدحم أمامه المتبركون مطر في الرؤوس خاشعي الأبصار ، يكون ويتوجعون ، وتقدم الصفوف شيخ هرم كان يبكي ويشحب ويردد بصوت حزين نداء : (( أبا علي :))

إلي كربلاء

على باب جامع الكوفة ودعنا مضيفنا السيد شلاش وقام ثنا النجف شاكرين ، واتخذنا طريق الصحراء إلى كربلاء ، فوصلنا أطرافها بعد ساعة ونصف ساعة ورأينا من بعيد قبابها الذهبية تتألق في الأفق تحت أشعة الشمس، دخلنا المدينة عند الظهر ، فبدت حزينة كأنها في مأتم ،

وتقدمنا في مقام الحسين رضوان الله عليه خيل إلي ونحن في حرمه . وعلي أحمر برفرف علي قبته المذهبة وجموع الحجاج من حوله يتحبون ويولولون ويلطمون الخدود والصدور كأن القوم ما زالوا في مناحته ، يوم أن أهدر دمه الطاهر على أديم الصحراء في نفس المكان من ثلاثة عشر قرنا خلت .

لم نمكث طويلا بكربلاء واكتفينا بنظرة عاجلة . مدينة لا تختلف كثيرا عن النجف في عمارتها وأسواقها والمشهد الحسيني لا يختلف كذلك كثيرا عن جامع الكاظمية ببغداد في هندسته وزخرفته

حدثنا أحد الرفقاء أثناء الطريق في العودة إلي بغداد قال : بأن النجف وكربلاء من البلاد التي ليس لها مثيل في كل العراق ، من حيث تميز سكانها إلي طبقات ، واختصاص كل طبقة منها بامتيازات وتقاليد فطبقة السادة ، وهم سدنة الخرم بالتوارث ، يلبسون الطربوش ملفوفا حوله قطعة من قماش أخضر ، وطبقة الأشراف يلمسون الطربوش فيضا ملفوفا حوله قطعة من قماش فباني ( قماش أبيض مخطط بخطوط صفراء قاتمة ) . وطبقة العامة يلبسون العقال والكوفية ويتمتع السادة والأشراف والنفوذ والغني . ويقومون بخدمة المقام ، وتنظيم حركة الزيارات والحج ، ويعرفون الفارسية ، وتقوم العامة بالنجارة والأعمال الأخري

(يتبع)

اشترك في نشرتنا البريدية