الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الثقافة"

عشرة ايام فى العراق

Share

في الطريق بين القاهرة وبغداد :

غادرنا القاهرة في مساء يوم الخميس ٣ فبراير سنة ١٩٣٨ ، ووصلنا محطة القنطرة الغربية بعد العشاء ، وعبرنا قناة السويس في " اللنش " الجمارك ، وبعد التأشير على جوازات السفر ركبنا قطار فلسطين وذهبنا توا إلي عربة النوم ، وقبيل الفجر تحرك القطار وعند بزوع الشمس مررنا بمحطة العريش ، وفي الضحي وقف القطار على محطة اللد ، وعند الظهر وصلنا حيفا ، وكان أجمل ما بلغت النظر

في هذا الجزء من الزحلة بساتين البرتقال علي الجانبين

قمنا من حيفا بعد الساعة الواحدة بقليل في رتل من السيارات قاصدين بيروت في طريق معبدة توازي البحر كطريق الكورنيش ، يحف بها علي الجانب الأيمن الجبل يغطي سطحه مزارع القمح والشعير وأشجار الزيتون والبرتقال ، وبعد ساعة مررنا بمدينة عكا ، ثم ارتقينا إلي رأس الناقورة ، وهو موقع جميل على ربوة عالية في سفح الجبل تشرف على البحر ، وهو عبارة عن مركز الجمرك الفلسطينى بين سوريا وفلسطين ، ومن خلفه على مسافة قصيرة نقطة الجمرك السوري ، وبعد أن اجترنا مدينة صيدا دعانا السائق إلي الاستراحة في قهوة خلوية علي الطريق تطل على البحر يسمونها (خيزرانه) قدم لنا فيها مع القهوة طعاما شهيا من الخبز والسمك المقلي بزيت الزيتون ، نظير خمسة مصاري خمسة قروش مصرية . وكان وصولنا إلي ضواحي بيروت قبيل الغروب ، فتحولنا عنها إلي طريق الجبل قاصدين دمشق . ولم تمض إلا قليلا حتى خيم الظلام ، وبدت قري لبنان في سكون رهيب هاجعة على جوانب الوديان في ضوء فاتر ينبعث من مصابيح كهربائية قد عقدت رطوبة الجو حولها هالات متداخلة نصف شفافة حمراء وزرقاء ، ثم وقفت بنا السيارة أمام حانوت عند قمة

الطريق على ظهر البيدر للتزود بالبنزين ، فدلفت منها لأريح قدمي ، فواجهتني ريح شمالية باردة كانت تهب بشدة فيسمع لدويها بين الربي صوت كالقشيش ، فعدت أدراجي مسرعا وجسمى ينتفض فتدثرت فوق المعطف ببطانية من صوف . ثم أخذنا نهبط إلي شنورة بوادي البقيع في طريق زلق شديد الانحدار ، وعند أسفله وقفت السيارة أمام قهوة علي جانب الطريق تناولنا فيها قدحا من الشاي مع شطيرة ، هي عبارة عن رغيف رقيق ملفوف على جبنة ، يقال لها لبنه واحتسي بعض الرفاق كؤوسا من نبيذ أحمر يصنع في شتورة ، يعصرونه من عنب الوادي المشهور بجودة خمره من قديم الزمان

غادرنا شتورة والجو مكفهر ، والظلام حالك ، والمطر يهطل ، وكشاف السيارة يكاد ضوؤه لا يجلو الطريق أمامها إلا لبعض أمتار ، فبدأ علي السائق شدة الاهتمام ، فأمسك عن الكلام ، واعتدل في جلسته واستجمع كل حواسه ، وانطلق بالسيارة لا يلومي علي شيء ، يرتقي الجبال كالسهم ، ويهوي إلي الوديان في سرعة البرق ، ونحن في قبضة يده ، لا حيلة لنا ولا قوة

وصلنا دمشق في أقل من ساعة ، وقد أجهدنا البرد وطول السفر ، ونزلنا بلوكاندة بني أمية ، فوجدنا بالبهو سعادة عطا بك الأيوبي رئيس حكومة سوريا السابق في الانتظار للترحيب بنا ، ولدعوتنا إلي العشاء معه بمنزله ، ولم يجد ثمه ما أيديناه من أعذار ، فشيمة أهل دمشق الكرم الفياض الذي لا يقبل الاعتذار ، فانتقلنا إلي داره بحي الصالحية ، حيث استقبلنا نجله السيد خالد وأنسباؤه من أسرة الجزايرلي الكبير باللطف والبشاشة ، ودعونا إلي قاعة الطعام وقد ازدان سقفها بنجوم من فضة على بساط من زرقة تمثل السماء ، ونقش على جدرانها صور الأزهار والأشجار والجبال وجداول الماء بأوضاع متناسقة جميلة ،

فبدت الحجرة في ضوء التربات كالبستان ، ثم أداروا علينا أطباق الطعام ألوانا وأشكالا من طيبات ما اشتهرت به دمشق الفيحاء من صنوف المأكول والمشروب . وبعد العشاء جلسنا في " الصالون " كما يجلس الأهل إلي الأهل والخلان إلي الخلان من غير كلفة ، نتجاذب أطراف الحديث في شتي النواحي ، فذكرنا مصر وتنابذ أحزابها ، وفلسطين ومحنتها ، وسوريا وتقسيمها ، وذكرنا العراق والحجاز واليمن ؛ وقد دل القوم بأحاديثهم على علم واسع بأحوال الشرق ومشاكله ، ومميزات الزعماء وما عرف عنهم من قوة أو ضعف

وبعد نصف الليل آوينا إلى اللوكاندة ، وفي الصباح كانت الشمس مشرقة ، والسماء صافية ، وميدان مرجه  يموج بالغادين والرائحين ، فدرت حوله للفرجة ، وجلست على قهوة في طرفه بالقرب من المحكمة أرقب القوم ، وقد اختلط الرجال بالنساء في الطرقات يتسابقون لقضاء الحاجات . وقد لفت نظري بنوع خاص لباس الرجال وتعدد أنواعه وألوانه : بدلة وطربوش ، أو جبة وطربوش قد لفت حوله عمامة ، أو قلطان وبلطو وعمامة ، أو قميص وسروال وحزام عريض وطربوش ، أو قفطان وكوفية وعقال ، وهكذا من شتي التراكيب . وأما النساء فقد كن أكثر اقتصادا في التباين ، فالدمشقية المسلمة تلبس الملاية وعلي وجهها " البيشة " والمسيحية تلبس الفستان مع السفور .

طلبت فنجانا من القهوة ، فأتاني القهوحي بالفنجان ومعه ترجيلة ، فاعترضت فاعتذر لأنه حسبني من أهل البلاد ؛ والتفت حولي فإذا كل زبائن القهوة يدخنون الترجيلة ، وسألته عن الثمن للاثنين فقال قرشان سوريان ٤ مليمات لا غير

والترجيلة الشيشة  كيف شائع بين جميع الطبقات في سوريا رجالا ونساء ، والدخان رخيص جدا في

الشام والعراق إذا قيس بالأثمان العالية التي يباع بها في مصر ، فالمائة سيجارة من أجود أصنافه تباع في العراق بسبعة قروش ، ولا تدخل بيتا من بيوت الأعيان ببغداد إلا وتجد على نضد التدخين كومة كبيرة من أنواع السجاير من أصناف الدخان التركي والعراقي ، وهي علي العموم أقل نكهة ومداة من السجاير المصرية

وميدان مرجة كميدان العتبة الخضراء عندنا ، تحيط به دور الحكومة والبوليس والبنوك وحوانيت التجارة

والحلوي ، وتخترقه خطوط التزام ، وتخرج منه الشوارع الرئيسية ، وفي طرفه الشمالي أقيم عمود تذكارا للحرية والاستقلال . ومن القهوة تري نهر بردي منحدرا من دمر في الشمال ، حتي إذا وصل إلي الميدان غاص تحته ، وعرض النهر كعرض الترعة الإسماعيلية أو أقل ، جريانه

سريع وماؤه عكر ، وعلي جانبية طريقان : الغربي يحف به الجبل ، والشرقي تحف به المدارس والمستشفيات وبيوت عليه القوم وبساتين أشجار الحور والمشمش

ركبت الترام رقم ٣ فاجتاز سوقا للخضار والحبوب ، وخرج بنا إلي مكان يسعي الغوطة في ظاهر المدينة جهة الشرق ، وهو عبارة عن حقول وبسايين تمتد أطرافها إلي بادية الشام ، وتخترقها مجاري المياه الأنيسة من نهر بردي . ولبساتين الغوطة شهرة قديمة بحاصلاتها من أنواع الفواكه

الفاخرة ، من التين والمشمش والخوخ وأنواع النقل من اللوز والجوز والبندق ، وأنواع الحبوب من القمح والشعير . وفلاحو الغوطة يرتدون القفطان أو " المستري " والسروال ويلبسون الحذاء ويضعون فوق رءوسهم العمامة ، ويلتفون بالعباءة ، وأجسامهم مممتلئة ، ووجوههم مشرقة ، ويبدون في

صحة ورجولة . ولا يزالون في فلح الأرض علي طريقتهم القديمة : محراث صغير وفأس خفيفة . ولا تزال الخيل مطية الكثيرين منهم يتنقلون على ظهورها بين القري والمزارع . وقراهم صغيرة نظيفة لا تري حولها أكوام السياح ولا المستنقعات والبرك كما هو الحال عندنا بمصر وماشية القرية العالية الحصان والبقرة والماعز والآبل .

ركبت معي الترام من دمشق عجوز قروية ، وكانت تحمل في صرة معها دقيقا وحلوي ، وطسنا من النحاس ، وحذاء جديدا ، ثم نزلت أمام إحدي القري ، ونسيت الحذاء فتنبه لذلك أحد الركاب بعد قيام الترام ، وطلب من الكمساري ايقافه ، فأبي إلا في المحطة التالية ، ولما وصلنا إليها تطوع شاب لتوصيله لصاحبته ، فأثنت على مروءته ، فقال شيخ كان جالسا أمامي على المقعد هذا ولدي شاب صالح عول على توصيل الحذاء إليها مهما كلفه من مشقة ، فإنه لا يجوز يا صاحبي أن يتكدر خاطر هذه العجوز ونحن على أبواب العيد ، ولابد أنها داعية له بخير ، فالله سبحانه كريم يتقبل دعاءها ، فراقني من الرجل أريحيته ، وتبادلنا الحديث فذكرنا دمشق وجمال الغوطة وجودة أرضها ، ثم سألني : هل أنت من مصر ؟

قلت : نعم . وهل زرتها ،

قال : لا ، لم أزرها ، بل وصلت فقط إلي العريش زمن الحرب مع الجيش العثماني الذي توجه لغزو مصر ، وقد كنت وقتها جنديا . وعقب موقعة القنال ارتددنا إلي القدس ، ووجدنا جيش فيصل يدخلها فتحولنا عنها إلي دمشق حيث بقيت إلي الآن

قلت : كيف حال المحصولات هذه السنة ؟

قال : المحصولات يا أخي بخير والحمد لله ، ولكنا نعاني انخفاض الأسعار ، تبعا لهؤلاء . .  يعني الفرنسيين لهم في ابتزاز الأرزاق حيل الشياطين حتي كادت بيوتنا تخرب وأرضنا تبور؟

قلت : هل لم يتصد للدفاع عنكم زعماؤكم !

قال : زعماؤنا ! ! أين هم ؟ إنهم يا أخي لا يجرءون على الكلام : وهؤلاء الفرنسيون لا يضعون في الحكم إلا من كان على شاكلتهم : قبح الله مسلكهم

قلت : هل كنتم زمن الترك أسعد حالا !

قال : بكل توكيد رحم الله تلك الأيام إنها كانت أيام رخاء وعزة ، ولولا خروج مصطفي كمال على الدين لكنا دعوناه لحكم هذه البلاد !

قلت : ألستم ترغبون في الاستقلال

قال : اين الاستقلال ؛ إن استقلالنا ضاع منذ أن وطئت أرضنا أقدام هؤلاء الصفر والسود يعني الجنود الفرنسية والسنغالية، ولا ندري كيف ومتي يكون الخلاص . أدع لنا يا أخي . بخاطركم . ثم ودع ونزل

لها بقية

اشترك في نشرتنا البريدية