الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 250 الرجوع إلى "الثقافة"

عصابة البيت الأحمر, عصابة البيت الأحمر

Share

شر في القراد الجدي مفتاح الفرج

وصل الثالث : البيت الأحمر معمل علمى في وشنجتن ، والعصابة التى فيه جماعة من العلماء الأطباء تشخصهم حكومة الولايات المتحدة ، يبحثون الأدواء حيث ما ظهرت في الولايات . ودين الجميع الموت في سبيل الواجب .

وأحد هذه العصابة الدكتور استبنسر " أشخصته  الحكومة إلى الغرب ، إلي ولاية " متتانا إلى حيث الوادي الجميل وادي بطروط ، وبه حمي خافية تصيب الناس فتقتلهم .

عزم " استبنسر أمتعته وزوجه وطفلين له ، وركب القطار فبلغ بلدته تحميلن ، في تلك الولاية بجوار ذاك الوادي .

واستقبلهم هناك ، بركر وهو دكتور في علم الحشرات وبدأ الرجلان يتحسسان سبيلا لبحث هذه الحمي .

وكان المعروف أن الحمي لا تصيب الرجل  إلا إذ ا عضته قرادة . وكان سبقهما إلى فحص مسئولية القراد علماء آخرون ، أثبتوا أن القراد هو المسئول ، واستخلصوا منه مكروب هذه الحمى ، وربوه في خنازير عينية ، ونقلوه من خنزير إلى خنزير ، ثم الى القرود .

وخطر على بال " بركر " أنه لابد أن يكون في هذا الوادي الوباء ، وادي بطروط حيوان قراد ، كالفأر والسنجاب ، يحمل الوباء في دمه . وان القراد الذي يعيش على جلد تلك القوارض يشرب من دمها فيشرب من وبائها ثم هو بالعض ينقل هذا الوباء إلى الإنسان الذي يجازف بالذهاب إلى ذلك الوادي .

والآن اقرأ

وأخذ " اسبنتسر " يهيء دار المدرسة القديمة التي وجدها لتكون معملا ، بينا صعد " بركر " الحشري إلى الجبال يجمع القراد ، ويعينه على جمعه ) هنري كاوان " وكان كاوان cowan"  رجلا ضخم الجسم اشبه شئ

بالدب العظيم ، وكان لا يخيفه شئ أبدا . وأعان " بركر " غير " كاوان " رجل يدعي " سلسبرى ، وكان يعتنق دين المسيحية العلمية ، وهو دين يشبه الدين المسيحي في مجمل تعاليمه ، إلا أنه يعلم أن لا حقيقة في الوجود الإنساني غير الإنسان . فالعقل هو الحقيقة التي لا مرية فيها ، والفكر الصادر عنه هو الشئ الحق الموجود الدائم أبدا ، أما الجسم وغيره من المرئيات والمحسوسات فهي من خلق الإحساس ومن ترجمة الفكر ، فلا وجود لها إلا في الفكر وبالفكر ، وليس لها كينونة ذاتية أصلا . وقد تعلم " سلسبري من دينه هذا أن لا يؤمن بالموت .

صعد هؤلاء الرجال الثلاثة إلي الجبل ، إلي ذلك الوادي الضيق السحيق ، وادي " بلدجت  وادي الموت ، يجمعون القراد .

صعدوا الجبل بين كثيف من الشجر ، من شائك وغير شائك ، وحملوا معهم رايات من فسيلة بيضاء لوحوا بها أمامهم لتقيهم مس الأغصان وما حملت ، ورويدا رويدا ذهبوا في وادي الموت صعدا . وعلى الأغصان من حولهم اجتمع القراد يترقب ، وكان سما من ثومة  الشتاء لامسته شمس الربيع ، ويصحوبه سما فيه إحساس بالجوع وتعطش للدماء . وتعلق القراد على الأغصان برجليه الوسطيين ، واطلق ارجله الأخرى من قدام ومن خلف ، يلعب بها في الفضاء ، متربصا حتى يري شيئا متحركا فيسقط عليه . ومضي الرجال الثلاثة يلوحون بالرايات البيضاء أمامهم فيتساقط عليها القراد حتى غطاها

وخلعوا كل حين وحين أقمصتهم حتى سلز بري " الذي كان لا يؤمن بالموت - خلعوها ليروا هل حط شيء من القراد عليها . وفحص بعضهم جلود بعض وهم عرايا . ورجعوا إلي " اسبنسر " كل مساء بأكوام حية تتلوي من قراد في أحقاق من ورق . وتعروا كل ليلة من كل ما سترهم من لباس يتفحصون جلودهم قبل الرقاد

ويجلس اسبنسر " إلي هذه الاحقاق وهي ملأي بهذا الحصاد الحي الزاحف المخوف الذي جمعه بركر " وأصحابه . وينظر إليها ويفكر : أكل هذا القراد فيه الموت ؟ أفي أي من هذا القراد الموت ؟

ووقعوا على حقيقة ذهبت بما كان اختطه " بركر " من مسح مناطق القراد من السماء في طائرة ، أو على الأقل أخرجت هذه الخطة من رؤوسهم لسنوات ، وأنهضتهم كما ينهض كلاب الصيد حزمة واحدة يتشممون في اعقاب صيد مكروبي من اعجب ما ابتدع خيال إنسان . ونتج كل هذا الامر عن صفة عريقة في " اسبنسر " هي نوع من كسل ، هي رغبة متأصلة فيه ان يحيد عن الطريق الطويلة ، ويخرم إلي غايته طريقا اقصر وأخصر .

وكان طريقه الطويلة أن يمتحن ما جمعه إخوانه من قراد ليري أيها يحمل أسباب الحمى ، وأن يمتحنه كله ومعنى هذا ان يأتي بكثير من الخنازير الغينية ، ثم يحلق بطونها ، ثم يجمع الجمعة من القراد الحي فيضعها على البطن المحلوق الواحد ويشدها إليه بشبكة من النحاس الأصفر ، يضمها إلي البطن شريط عظيم  من الأشرطة اللزجة اللاصقة . فأي عمل طويل متكرر متعب هذا .

ثم هو ينتظر من بعد هذا الأيام والأسابيع ، يتربص بالخنازير أن تظهر عليها أعراض الحمى .

أراد " اسبنسر " أن يختصر هذا الطريق الطويل فسأل نفسه كيف يكون الحال لو أنه وضع كل مجموعة من القراد يأته بها " بركر " في هاون ، وأعمل فيها يد الهاون حتى سحقها سحقا جميلا ، ثم أخذ من هذا الحساء الثخين عحقن فحقن منه الخنازير وقال لنفسه إن اختزالا كهذا يوفر نصف الوقت ، ولم يقل كما يقول الكسول إنه يوفر نصف المجهود ايضا . وكان سبق له ان اجري تجربة صغيرة أرته أن هذه الطريقة قد تكون أضمن وأوثق .

كان في خلق " اسبنسر " كسل الرجل الحلام

وكان يجمع هذا النرجسى ذو الكلم البطئ المديد ، كان يجمع إلي كسل الحالم ميلا إلي نقض المألوف من الأشياء ، والعمل بغير ما تعارف عليه الناس . فبدأ بعد سحق قراده وتحضير حسائه ، بأن حقن خنازيره الغينية بهذا الحساء ليعطيها الداء . ولم تكن هذه - علم الله - بالطريقة التي يعطى بها القراد المرض في الطبيعة لإنسان أو حيوان . واستقر " اسبنسر " إلي هذا العمل الراتب الممل فظل يحقن مائة حقنة في مائة خنزير غينى ، من احسبة مائة صنعها من مائة مجموعة من القراد جمعها " بركر " في أحقاق مائة من مائة بقعة موصوفة مرقومة يسكنها الموت إن قليلا وإن كثيرا في ذلك الوادي اللعين

حقن " اسبنسر " هذه الاحسية المائة ، وتربص بالخنازير أن تصيبها الحمى . فماذا كانت النتيجة .

كانت خيبة كاملة بديعة

لم يصب أحدا من هذه الخنازير حمي أو شبه حمى . مع أنه أجرى تحت جلودها الشئ الكثير من دماء قراد جيء به من نفس تلك البقاع الذي سبق ان جاءها الرجال عاما بعد عام ، فعادوا منها لتصبهم الرعدة بعد بضعة من أيام ، نذير أن الحمى دخلت إلي أجسامهم .

وأعجب من هذا أنهم أرادوا إصابة نفس تلك الخنازير من بعد ذلك بالحمى يأتون بمكروبها من مرباء في خنازير غينية ، حفظوه بها حيا ينقلونه من خنزير إلى ثان إلى ثالث في سلسلة طويلة لا تنتهي ابدا . فدخل هذا المكروب إلي دم الخنازير التي حقنت بالاحسية فلم يضرها شيئا ، وصمدت لهذا المكروب الذي لا يصمد له خنزير أبدا أفأكسبتها إذن تلك الأحسية حصانة ضد المكروب ؟ أو لا ، فما تفسير هذا ؟ وكيف تأتي للقراد ان يعجز دمه عن إصابة الخنازير بالحمى ، ثم هو بعد ذلك يحميها من المكروب الحي الذي لا تحتمي منه الخنازير ؟

وحسب " اسبنسر " ان هذه الطريقة التي أراد ان

يجذم بها إلى غايته اختصارا ، قد فشلت ، وهي قد فشلت حقا لولا " بركر " . و " اسبنسر " أول رجل يعترف بذلك . فقد كان " بركر " ذلك الرجل الحشري ، رجلا حسن التنظيم لأعماله . وكان دقيقا فيما يصنع ، كبير الحرص علي ما يجمع ، فكان من ذلك أنه لم يضيع ذاك القراد ، المائة من الأصناف ، بعد أن فرغ " أسبنسر ! من تجاربه الفاشلة . فقد كان قام إلي ما تبقى منها فرده إلى احقاقه بعناوينها ، ثم وضع الاحقاق في ثلاجة . لقد علم " بركز " أن تجربة " اسبنسر " قد فشلت ، والحق انه لم يكن به حاجة ان يحتفظ بما تبقى من القراد ، ولكن هكذا كان " بركر " لا يحب بطبيعته أن يرمي بشيء أبدا .

حدث بعد ذلك حادث الجدي الذي خلق من هذا الفشل نجاحا ، وأخرج من تلك الخيبة شيئا جديدا بديعا ذلك ان " كاوان " كان في الجبل هو و " إثار جريناب " - كانا في وادي الموت يجمعان القراد . فحدث أن سنح لهما جدي فأطلق عليه " كاوان " النار فأرداه . وليس في السجلات ما يستشف المرء منه إن كان هذا عن طلب طلبه " اسبنسر " منه ، أن يحمل إليه جديا من جديان هذا الوادي ، أو ان هذا كان لهوي قام عفو الساعة في نفسه ومهما يكن ، فقد دخل كاوان الضخم على " بركر " في العمل وقد حمل الجدي على عاتقيه العريضتين . وكان " بركر " طلاب قراد ، يطلبه من شتى الأصقاع وشتي الأوضاع .

وجلس " كاوان " وصاحبه " " جريناب " يلتقطان القراد من شعر هذا الجدي النافق . وكان هذا القراد من نفس القراد الذي جمعوه على الرايات لما لوحوا بها تحت الشجر ، بفارق واحد ، هو ان قراد هذا الجدي سمين منتفخ بسبب جرعات خمس جرعها من دم الجدي ، أما ذاك القراد الذي سقط من اغصان الشجر على الرايات

فكان قرادا مفرطحا جافا لا دم فيه إلا قليلا نادرا .

وأرادوا تجربة هذا القراد كما جربوا ذلك وكانت تجربة ترامت أنها من السخف بمكان ، فجديان الجبل لا تصاب بهذه الحمي المبقعة ، وليس في سجل كائنا ما كان أن مكروب هذه الحمى عثر عليه في دم جدي منها ومع هذا فقد شاء " بركر " أن يمتحن كل القراد أينما وجد ، على الشجر أو علي الطير أو في جلد حيوان .

ونري " أسبنسر " قائما علي هاون يطحن فيه ما جمع الآخران من قراد الجدي ، وسحقه حتى صار مرقا سائلا شهيا . . ولم يكن من سبب يدعو " اسبنسر " إلي اتخاذ حيطة غير عادية ، فلم يكن في باله ان هذا القراد قد يكون وبيئا ، وحقن هذا المرق في بطون خنازير .

ولم تمض ثلاثة أيام حتى بلغت حرارة هذه الخنازير أربعين ونصف درجة ، ثم إحدى  وأربعين درجة ، ثم ماتت جميعا .

عند هذا صحا " اسبنسر " من احلامه صحوة مذعورة كما يذعر النائم . وأخذ العمل ، ذاك المدرسة القديمة ، يعج بخطط للتجارب غريبة لم يسمع بها أحد من قبل أبدا ، إن القراد المفرطح الذي لا دم فيه ، ذاك الذي سقط من الشجر ، لا ضرر منه للخنازير إذا هو حقن حساء فيها . أما القراد السمين الملئ بالدم ، ذاك الذي التقط من الجدي ، ففيه الموت كل الموت . وكلا القرادان من من نفس الوادي ، وادي الموت المخوف . فما هذا الذي فرق بينهما فجعل منهما أضدادا ؟

أيكون أن القراد تنام فيه أسباب الحمى عندما يتجمد بصقيع الشتاء في تلك البراري ؟ ثم ايكون ما يشربه القراد من الدم في هواء الربيع الدافي موقظا لتلك الأسباب النائمة في القراد ، فتنقلب من أشياء لا ضرر فيها ) أو حتى أشياء واقية من الداء ( إلي أشياء قاتلة مهلكة ؟

) البقية على صفحة ٢١ (

) بقية المنشور على صفحة ٨ (

فهذا ما دار برؤوس تلك الفئة من الرجال ، وما كان لتدور فيها نظرية سخيفة كهذه لولا جهلهم بعلم ماهم فيه ، ولولا أنهم في هذا الأمر بادئون ، وانهم في ظلام يتحسسون ، وأنهم بأغلال من ماضهم غير مغلولين

عندئذ عادت تظهر تلك القرارات الاولي التي احتجزها " بركر " بعد فشل التجارب الأولى ، بعد أن ثبت أنها لا تعطى الحمى للخنازير ، واحتجزها لغير غاية سوي أنه لا يحب تضييع شيء . فقام ) اسبنسر " مع آخر يدعي " جنتنجر " إلى الثلاجة ليأتي بشيء من هذا القراد وهو في أحقاقه مرفوعا معزولا حيث كان وضعه بركر " ومن حق من هذه الأحقاق أخرج كتلة من هذا القراد الذي لا ضرر فيه ، وفرش هذه الكتلة على بطون خنازير غينية ، وحبسها علي هذه البطون بشبكة من نحاس ابقاها في موضعها بشريط لزج لاصق ربطة حول هذه البطون . ومضت ثلاثة أيام شرب فيه هذا القراد الضامر من دم هذه الخنازير حتى ارتوي وتبعج ، وصار في حجم حبات البن قبل طحنها

وأخذ به اسبنسر " وصاحبه " جتنجر " يعملان من فوق هذه الخنازير التي صيراها مقاهي للقراد يشرب فيها الدم انتعاشا ، وعملا ويداهما عاريتان ، ولم لا . . الم يثبت لهما مما فشل من تجارب أن هذا القراد لا خطر فيه . وبأيديهما العاريتين بدا يلتقطان القراد من جلود هذه القوارض ، من جلود هذه الجنازير ، فتصيت ، فيسخران لصياتها ، لان الامر من السلامة والأمن بحيث يستخف معه الصيات . وبأيديهما العاريتين أخذا يسقطان هذا القراد ، وهو بالدم على  دق هاون ، ليسحقاه فيه بقليل من ماء مالح . ويمسك " جنتجر " وهو

ذو قوة عظيم ، يمسك بالخنازير الغينية على المنضدة واحدا واحدا ليمنعها من الحركة والتلوي ، بينا يقوم ) اسبنسر " عليها بمحقنة يرسل فيها من ذاك الحساء الذي صنعه من دم ذلك القراد .

وقد يبتسمان لصيات هذه الخنازير عندما يجري المحقن فيها ، فكيف تصيت والعاقبة أمن وسلام .

ولكن لا يمضي ثلاثة أيام حتى يصبح الأمن خوفا ، والسلام حربا ، وذلك الجلود الناعمة الملساء لتلك الحيوانات البائسة تخشن ، وأجسامها تتأجح نارا ، وأحجامها تصغر تحولا فكانما شحمها يذوب من فوق نار . ولا تمضي بضعة من أيام أخر حتى تموت جميعها ، وتموت موتة سريعة لم يسمع بمثلها أبدا .

وبهذه التجربة قلبوا نظريتهم تلك السخيفة البعيدة ، إلي حقيقة ثابتة جديدة : انك إذا أرضعت هذا القراد الضامر الضعيف اللطيف رضعة كبيرة من دم خنزير غيني سليم ، فان هذه الرضعة تحيلة فجأة إلى قراد غير ضعيف ولا لطيف ، وإنما إلي قراد يستعر فيه الشر استعارا

) يتبع

اشترك في نشرتنا البريدية