شر في القراد وتعطلت الحركة في المعمل الحزين
وصل الفائت: البيت الأحمر معمل علمى في وشنجتن، والعصابة التي فيه جماعة من العلماء الأطباء تشجعهم حكومة الولايات المتحدة ، ويبحثون الأدواء حيث ما ظهرت في الولايات . ودين الجميع الموت في سبيل الواجب .
وأحد هذه العصابة الدكتور "اسبنسر" ، أشخصته الحكومة إلي الغرب ، إلى ولاية " منتانا" إلى حيث الوادي الجميل وادي "بطروط" وبه حمي خافية تصيب الناس فتقتلهم .
حزم " اسبنسر" أمتعته وزوجه وطفلين له ، وركب القطار فبلغ بلدة "هملتن" في تلك الولاية بجوار ذاك الوادي .
واستقبلهم هناك "بركر" وهو دكتور في علم الحشرات وبدأ الرجلان يتحسسان سبيلا لبحث هذه الحمي.
وكان المعروف أن الحمي لا تصيب الرجل إلا إذا عضته قرادة . وكان سبقهما إلى فحص مسئولية القراد علماء آخرون ، أثبتوا أن القراد هو المسئول ، واستخلصوا منه مكروب هذه الحمي ، وربوه في خنازير غينية ، ونقلوه من خنزير إلى خنزير ، ثم إلى القرود .
ووصل "اسبنسر" و "بركر" و"جانجر" ، وصلوا جميعا بعد التجارب إلي الحقيقة الآتية :
إن القراد على الشجر يضمر في الشتاء ويجف كثيرا ، فإذا سحقوه وحقنوا مسحوقه في خنازير غينية سليمة لم يصبها منه شيء . ولكنهم إذا هم وضعوا هذا القراد حيا على جلد حيوان فشرب من دمه فانتعش وانتفخ وامتلأ ، ثم سحق وحقن مسحوقه في الخنازير السليمة أصابتها الحمى فماتت . والآن اقرأ:
في مارس كانت هذه الفئة من الرجال تتحسس أسباب هذه الحمى في الظلام ، وتتعثر في طريقها إلي تلك الأسباب . وجاء مايو فصار ذاك التحسس الأول ، وذاك
التعثر ، ذكري ، ومرن هؤلاء الرجال على البحث فملكوا ناصيته ، وصاروا فيه ذوي خبرة وكفاية . وقاموا في ذلك المعمل - في تلك المدرسة القديمة - يتابعون بحوثهم في حر شديد ، فقد كان الجبل يحجب عنهم نسائم الصيف . واشتد عزمهم ، وظهر الجد على وجوههم ، وتوترت بالعمل أعصابهم ، وهاج البيت بهم وماج ، وكل هذا في توكيد الحقيقة التى وقعوا عليها : أن القراد الضامر الهامد الذي لا ضرر فيه ولا شر منه ، يرضع الرضعة من دم حيوان فينقلب شيئا يستعر فيه البلاء استعارا . وأكدوا هذه الحقيقة مرة بعد مرة
ولم تكن هذه الحقيقة باللازمة كل اللزوم لكشف أسباب هذه الحمى . فقد كان يكفيهم أن وقعوا على قراد فيه الداء . ولكن لذة الكشف وحب التثبت من الحقيقة كائنة ما كانت ، حملاهما على إثبات أن هذه الحقيقة التي وقعوا عليها مصادفة لم تكن فلتة من فلتات التجارب ، ولكنها نتيجة تؤدي إليها أسباب ، وأنها تتحقق ولو ألف مرة ما تحققت أسبابها.
وكان بين هذه الفئة " جاننجر " . فهذا لقبه . أما اسمه فكان " بيل" وهو لم يكن طبيبا ولا عالم حشر أو مكروب ، ومع هذا فلم يكن بأقلهم تحمسا لما يجري في هذا البيت ، لقد كان عامل معمل ، لا أقل ولا أكثر . وكان يكفل أمه من أجر يومه . ومع هذا فقد كان يقتصد القرش بعد القرش من هذا الأجر ، فيجمع هذه الفروش ليستعين بها علي الدراسة ليتحقق بها حلمه الجميل فيكون طبيبا . وكان لا يثلج صدره مثل الأمل أن سيكون يوما ما باحثا كبيرا مثل " اسبنسر " أو " بركر " . وفي انتظار هذا الأمل قام مع هذين الرجلين بغمس يديه عاريتين في القراد والخنازير ، حاسبا أن الحظ واتاه إذ يعمل مع هذين الرجلين الكبيرين - الكبيرين في نظره هو . والحق
أنه كان حظا قل أن يأتي طالب طب دارس . وقد علم "بيل" ذلك فأراد أن ينتفع بالفرصة أيما انتفاع .
وجاءهم يوم صائف كالذي يجيء هذه الولاية ، ولاية " "منتانا"، ولكن علي الرغم من حرارة الجو أحس بيل " بالرعدة تسري في جسده . وقصر عن العمل فلم يلاحقه بالذي عهد فيه من سرعة . وساعداه ثقلتا ، ورجلاه شاع فيهما التعب . أحس أنه في هذا اليوم ليس بالمساعد الذي قال عنه اسبنسر : " إن بيل جاننجر حمال أعمال لا يكل ، ومساعد معوان لا يخذلك أبدا "
وكره " بيل " أن يخبر "اسبنسر" بتلك الرعشات الخفيفة التي أحسها . فقبل ذلك بأيام كان يلتقط الاثنان القراد من جلود الخنازير الغينية بعد أن شبعت من دمائها ، وفي أثناء ذلك لمح " اسبنسر " "بيل " يرفع يده إلي رقبته يحك فيها دملا صغيرا لا يؤبه له ، فصاح به ؛ " حذار يا بيل ، واذكر في أي شيء غمسنا أيدينا " . ولكن القراد لا يصيب الإنسان ضرره إلا إذا هو حط على جسمه ، وأخذ يمتص من دمه . وعندها نظر " بيل إلي يده وقال لاسبنسر : " لا حذر ولا خوف يا دكتور إنى غسلت يدي وكان بيل قوي الجسم . كان نسخة مصغرة من " هنري كاوان " صاحب الجدى ، وحامله إلي المعمل .
حدث هذا منذ أيام ، واليوم يقوم " بيل جاننجر " في هذا اليوم الصائف ، فيجد أسنانه تصطك ، ومزاجه يختل ، وذراعه تتهدل ، وفكره يزداد وخامة وثقلا
وسأله " اسبنسر " : " أتجد الألم في عظامك " ؟ وألقي إليه سؤاله في غير اهتمام كمن يسأل عن شيء غير ذي بال . فضحك " بيل" وقال : " إن هو إلا عارض يزول غدا ". وأتي الليل ، وحاول " اسبنسر " أن ينام ،
فوجد النوم عزيزا عسيرا
وجاء الصباح فقام "بيل" يجر رجليه إلي المعمل جرا ، وقد أحمر وجهه احمرارا قاتما ، وعيناه كرهتا شمس يوليو ، ولم تقويا علي عنف وقدتها ، وفي هذا اليوم خيم الصمت على المعمل ، وتعطل العمل فيه والكلام ، فلم تسمع الأذن فيه ما اعتادت أن تسمع من حركة.
وتجمهر رجال المعمل حول " بيل" ، حول " بيل جاننجر" ووضعوا مقياس الحرارة في فمه . وأراد أن يبتسم لهم فسألوه الكف حتى يقرأوا حرارته . وقال اسبنسر : " والآن دعنا ننظر إلي رسغيك " . وحملوه بعد ذلك إلى البلدة ، بلدة " هملتن " فأنزلوه فيها في مستشفى صغير فوق صيدلية
ولم يكن من السهل عليهم أن يغروا " بيل" بالرقاد هناك . وفي تلك الليلة حاول اسبنسر أن ينام ، ولكنه لم تغمض له عين . وصاح " بيل " بينهم صيحة الأسد : " لعنة الله عليها . سأغالبها . سأغالبها حتى أميتها قبل أن تميتني " .
وزاد هياج " بيل" حتى لم يستطع أن يرده "اسبنسر" ، وحده . ولقي أهل البلدة بعضهم بعضا في الشارع عند الصيدلية ، ولوحوا بأصابعهم إلي المستشفى الصغير التي فوقها ، وقالوا : " ما كان لهذا الفتي ان يدخل البلدة بهذا الوباء . .
ويزأر " بيل": "أعطي هذا الأرنب الملعون " فقد كانت حرارته بلغت أربعين ونصف درجة ، وزادت . وأخذ يسخط ويلعن ما تخيل من قراد وخنازير .
وعاش في خرفه حياة المعمل من جديد ، فشرب المر منها . وطارد القراد الوبيء والقراد يفر منه . وعلي الرغم من مرضه لم يظهر عليه نقص من قوة أو عنف .
ويقف أهل البلدة علي سماع صياحه وزئيره فوق الصيدلية ، فيغضبون . . إن هذا حال لا يطاق . . هذا
حال يضر بالتجارة . . وكيف يؤذن ببيت للوباء يقام في قلب البلدة .
ومضت ست ليال لم يعرف فيها " اسبنسر " طعم النوم . لقد مزق قلبه أن يري " بيل " يبذل جهده ليستر علائم الخوف من وجهه ، ثم ينتهي جهده بالعودة إلي الخرف والهذيان
قال اسبنسر : " وظل بيل يجري التجارب في هذيانه كأنه بالمعمل حتى يومه الأخير" .
وعلي هذا لم يتأت لبيل أن يصير طبيبا بعد كل ما اقتصد من مال وأمل من آمال ، وإن كان الحظ قد خانه في هذا ، فقد أسعده بتذويقه لذة البحث مع "اسبنسر " وزميله "بركر"
ولم تنس حكومة الولايات " بيل" فقضت له بالذي يقضي به قانون الولايات ، فجعلت لأمه معاشا في الشهر خمسة عشر ريالا ، أم هي ثلاثون ؟ وقد أصابت الحكومة بما فعلت . فهذا الذي جعلته معاشا هو بالضبط ما كان " "بيل "يجريه على أمه في اليوم الذي غفل فيه فرفع يده الوبيئة إلي الدمل برقبته .
ولم يزد هذا في حب الناس " اسبنسر " وزميله "بركر " . وكيف يحبونهما وهذا ما يجري علي أيديهما . وهذا العمل الذي أنشآه ما أولاه أن يغلق . وكيف لا يغلق وهو لا يأمن أحد على حياته بالعمل فيه ؟ !
ووضع " اسبنسر " و "بركر" إنذارا على دار المعمل على دار تلك المدرسة العتيقة :
"إن من يدخل هذه الدار إنما يدخلها على مسئوليته " .
واستعاضوا عن "ببل" بمساعد آخر . وقل ضحكهم وقعدوا يزيدون خنازيرهم قتلا بما يحملون إلي جلودها من قراد رضيع من الدم حتى شبع وانتفخ واستيقظ الشر فيه .
) يتبع

