الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 252الرجوع إلى "الثقافة"

عصابة البيت الأحمر

Share

شر فى القراد وانتشر الموت الزاحف داخل المعمل وخارجه

وصل الفائت : البيت الأحمر معمل علمى فى وشنجتن ، والعصابة التى فيه جماعة من العلماء الأطباء تشخصهم حكومة الولايات المتحدة ، يبحثون الأدواء حيث ما ظهرت فى الولايات . ودين الجميع الموت فى سبيل الواجب .

وأحد هذه العصابة الدكتور (( اسبنسر )) ، أشخصته الحكومة إلى الغرب ، إلى ولاية ، (( منتانا )) إلى حيث الوادى الجميل وادى (( بطروط )) ، وهى حمى خافية تصيب الناس فتقتلهم .

حزم (( اسبنسر )) أمتعته وزوجه وطفلين له ، وركب القطار فبلغ بلدة (( هملتن )) فى تلك الولاية بجوار ذاك الوادى .

واستقبلهم هناك (( بركر )) ، وهو دكتور فى علم الحشرات . وبدأ الرجلان يتحسسان سبيلا لبحث هذه الحمى .

وكان المعروف أن الحمى لا تصيب الرجل إلا لإذا عضته قرادة . وكان سبقها إلى فحص مسئولية القراد علماء آخرون ، أثبتوا أن القراد هو المسئول ، واستخلصوا منه مكروب هذه الحمى ، وربوه فى خنازير غينية ، ونقلوه من خنزير إلى خنزير ، ثم إلى القرود .

ووصل (( اسبنسر )) و (( بركر )) و (( وجانتجر )) . وصلوا جميعا بعد التجارب إلى الحقيقة الآتية :

أن القراد على الشجر ينضمر فى الشتاء ويجف كثيرا ، فإذا سحقوه وحقنوا مسحوقه فى خنازير غينية سليمة لم يصبها منه شىء . ولكنهم إذا هم وضعوا هذا القراد حيا على جلد حيوان فشرب من دمه وانتعش وانتفخ وامتلأ ، ثم سحق وحقن مسحوقه فى الخنازير السليمة أصابتها الحمى فماتت .

والآن اقرأ :

ولم يكونوا يعلمون كيف تنفعهم هذه التجارب ، ولكنهم أجروها مرارا وتكرارا ، وأتبعوا بعضها

بعضا فى غير منطق ظاهر ، وهم فى كل هذا يحسون أنهم إنما يفعلون شيئا ذا خطر وذا بال . وظل (( بر كر )) يحلم بأمله القديم عن مسح الوديان التى يسكنها القراد . وظل (( اسبنسر )) لا يرى فى هذا المسح نفعا . وظل كلاهما كمثل الغريق يمد يده إلى كل عائمة على الماء ولو قشة ، عسى أن تكون بها النجاة .

وكان العالم الميكروبى الشهير (( ربكنس )) قد سبق فأشع لهم فى هذا الظلام شماعة صغيرة تضىء بعض نواحيه . كان قد سبق فأثبت أن المخلوق الذى تصيبه هذا الحمى فيكون من حظه الجميل الخلاص منها يصبح من بعدها وهو محصن منها فلا تصيبه مرة أخرى . أثبت هذا قبيل لقاء حتفه فى بلاد المكسيك حيث ذهب ليكافح التيفوس المكسيكى فكفحه فقتله .

ذلك أن (( ربكنس )) جاء بقرد كاد يموت بالحمى ، وجاء بخنازير عينية أعفاها الله من الموت بهذه الحمى ، وكان من حقها أن تموت . جاء بهذا القرد وهذه الخنازير فحقنها بمقادير من ميكروب الحمى تضيق بها حتما جلودها ، ومع هذا بقيت حية سليمة لم يطرف لها عين أو يتغير لها مزاج .

وبالطبع لم يخطر على بال (( اسبنسر )) أن يجرب هذا التحصين من الداء فى الرجال ، وكيف يخطر له أن يعطى الداء لأحد من الناس وهو يعلم أن الموت لا بد واقع فى ثمانية من كل عشرة منهم . وما حاجته إلى هذا وهو قد ثبت له أن هذا التحصين حقيقة لا شبهة فيها . أفلم يأت بهذا القراد الضامر الجاف الأمين الذى كان جمعه (( كاوان )) براياته البيضاء من تحت الشجر ، فسحقه ، ثم حقن سحيقه فى خنازير غينية ، فلم يصبها من الحمى شىء ، ولكنها اكتسبت من ذلك حصانة ضد هذه الحمى ظهرت فى تسعة وعشرين خنزيرا من مائة خنزير

حقنت بدم القراد المنتفخ المنتعش الذى استعر فيه مكروب الداء استعارا ؟!

ومع هذا ، وعلى الرغم من جرأته ، ثم يقو (( اسبنسر )) على تجربة هذه الحصانة فى رعاة الأبقار .

وذهب الصيف ، وحل الخريف ، فقلب (( اسبنسر )) وصاحبه (( بركر )) هذا العمل ، أو هذه المدرسة ذات الحجر الأربع وقد أدفأوها من برد الشتاء بحر المصابيح ، قلبوها إلى بيت للقراد من كل سن ، من قراد وليد ، ومن قراد مراهق ناشىء ، وبالغ كامل البلوغ ؛ واحتوى هذا البيت الملايين من القراد ، من قراد لا شر فيه ، وقراد بالواحدة فيه من جراثيم الداء ما يقع بالمائة من الرجال . وبهذا العدد العديد من القراد بدأوا تجربة هائلة ...

إن القرادة الضامرة تشرب من دم الخنزير الغينى فتنتفخ فتنقلب من قرادة لا ضرر منها إلى قرادة بها كل الشر وكل الموت . أفكان كل هذا الانقلاب لشربة من دم ؟ أفتنقلب القرادة الضامرة هذا الانقلاب إن هى شربت من غير دم الخنزير ، كأن شربت من دم حصان أو بقرة أو جدى أو سنجاب ؟ أم هى تنقلب بشربها دماء هذه الحيوانات إلى شىء أخف وألطف ، وقد يكون فيه حصانة من الداء ؟

وتدخل حجرة ملعونة ، فتجد حوائطها محجوبة بأرفف عليها أقفاص كبيرة قد لفت فى أقمشة بيضاء كالأكفان ، شدت عليها ثم حزمت من أعاليها . ففى هذه الأقفاص فقوا آلافا من القراد ، فخرج صفيرا لا يكاد يرى . ثم أعدوا هذا القراد الصغير بالداء يربطه على بطون أرانب وبيئة بقطع من الشاش ليمتص من دمائها .

ثم هم يحلون عن أقفاص ذاك القراد سراويلها البيضاء ،

ثم يغوصون بأيديهم وهى عارية فى تلك الأقفاص إلى قيعانها ، وهى من قماش سميك ، فيجمعون ما سقط عليها من بطون الأرانب من قراد ، بعد أن امتلأ من دمائها . وهم بعد هذا لا يقطعون أبدا بأنهم قد جمعوا كل هذا القراد فلم تفلت منه واحدة ...

وكان هذا القراد الصغير فى حجم رأس الدبوس ، وفى سرعة الريح . وفقد (( اسبنسر )) بين هذه المخاطر برودته وانئاده وكل ما عرف عنه وعن عصابته - رجال البيت الأحمر - من قلة هم وقلة مبالاة . فأخذ يحلم الليالى عن هذا القراد ، فيرى نفسه فى المنام وقد انقلبت من يده على منضدة المعمل صناديق مليئة به وهو منتفخ ربان ، ويرى نفسه وقد تفزع وأسرع يلم ما انتشر منه ، فلا يستطيع لمه كله . ثم يصحو وقد تصبب العرق من جسده .

والمصيبة أنه يصحو ليستأنف هذا الحلم صاحيا ، ويعود باليقظة إلى حقائق مبصرة ليست أخف وقعا من الأحلام .

وقهر (( بركر )) فى القراد وما اتصل بالقراد ، وقضوا أشهرا يعنون بهذا القراد الصغير الذى أوبأوه من الأرانب ، ورأوه يخلع عن نفسه ذاك الجلد الأبيض الغريب ، وينسلخ عن عرائس ذات أرجل ثمان ، ثم يرون هذه العرائس يهبط عليها النوم عجيبا ، ثم تصحو فتغتذى من دم الأرانب مرة أخرى ، ثم تنسلخ مرة ثانية فتكون قرادا بالغا كامل البلوغ . وفى كل هذه الشهور رأوا الحمى تنام مأمونة ، ثم تصحو متوئبة بعد غذوة من دم ، ثم تعود إلى النوم فاليقظة فى كل هذه الأدوار من حياة القراد .

بلغ (( بركر )) الشأو من علم القراد . قال (( اسبنسر )) : (( ولكم قضيت ليالى أحلم أن القراد يزحف على جسمى

حتى غمره )) . ولكم قضوا أصباحا فى المعمل وقد ذعروا حتى تصبب العرق منهم لأنهم افتقدوا عشرات من القراد لا يعرفون أين ذهبت . ويعودون فى الأمساء إلى بيوتهم فيجدون القراد الحى الربان فى أثوابهم . وذات مساء وجد (( اسبنسر )) قرادة من هذا القراد المنذر فى بيته على طفل صغير من أطفاله .

وهنا لا بد أن أذكر أن الحكومة كانت تدفع لكلا الرجلين مرتبا طيبا - أربعة آلاف ريال فى العام . واستطاعا بهذا المرتب أن يعيشا عيشة طيبة رخية فى ذلك الوادى السعيد حيث العيش رغد رخيص . واستطاعا بالذى فضل منه أن يفعلا فعل الرجل الأحرم ، فأمنا على حياتهما تأمينا ذا عوض كبير . وهنا يتساءل السائل هل وصفا فى طلبهما إلى شركة التأمين عملهما مفصلا ؟ والجواب عن هذا غير مستطاع ، فليس فى السجلات ذكر له .

ومضيا فى تجاربهما فلم تزدهما الأيام إلا حنكة . ووقعا على جواب حاسم لسؤالهم الأول : إن القراد الضامر يستيقظ الشر فيه ويستعر الوباء النائم برضعات يرضعها من دم أى حيوان كان ما كان .

وعانوا أى معاناة فى تتبع كل القراد الذى ربطوه على جلود البقر والخيل والجديان ليشرب من دمائها حذر أن يفر بعضه . وكانت الجديان أعصى هذه الحيوانات لأنها أكثرها جوعا ، وأقلها مبالاة بالذى تأكل ، فكانت تصل بفمها إلى حيث القراد وما ربط به القراد ، وإلى الشريط اللاصق ، فتأكل كل هذا أكلا لما . حتى القراد لا ينجو منه إلا ما استطاع الهرب . وهرب منه ما هرب حتى فشا الوباء فى المعمل . وخدعوا الجديان عن طعامها بأن ربطوا القراد على رأسها بين قرونها ولكن حدث هذا متأخرا ، وبعد أن صار المعمل مرتعا للوباء ، فى داخله وفى خارجه .

حضر فى عصر يوم من أيام الآحاد ولد بواب المعمل ليرى أباه . وكان قد قيل للبواب العجوز من قبل ألا يأذن لابنه أن يلعب فى المعمل ، ولهذا جعل ابنه يلعب فى فناء المعمل فلا يتعداه إلى البناء .

ومضى أسبوع ، فإذا بالولد يتلهب من الحمى . وإذا به راقد والبقع تغمره . وإذا به يهذى . وإذا بالأنفاس تأتيه تلهفا ، ثم تقف ، ثم تعود فيتلقفها فى ضعف مرة أخرى . قال (( اسبنسر )) : (( لست أدرى كيف نجا هذا الولد ، فإنى لم أر أحدا قرب من الموت هذا القرب ، ثم عاش بعد ذلك )) .

وجاء الشتاء وخيم على هذا المعمل ، على هذه المدرسة العتيقة ، فتابعت تلك الجماعة تجاربها حتى صارت شياطين فيها ، وصاروا لا يفكرون إلا فى القراد ، ولا ينامون إلا على قراد ، ولا يصحون إلا على القراد . والنتيجة التى حصلوا عليها إلى هذا التاريخ أنهم أحاطوا أنفسهم بمجموعة للموت الزاحف لم يجتمع قط مثلها فى معمل واحد .

(يتبع)

اشترك في نشرتنا البريدية