شر فى القراد ويحقن السم فى ذراعه ضنا بإخوانه
وصل الفائت: أثبت ((اسبنسر)) وأعوانه أن هذه الحمى - الحمى المبقعة - يوجد ميكروبها فى القراد . وأن القراد ناقلها إلى الحيوان والإنسان . وأن الميكروب الذى يربى فى القراد بالصناعة شر ألف مرة من هذا الذى يوجد فى الطبيعة .
واتجه ((اسبنسر)) إلى أن يصنع من القراد لقاحا واقيا ، وذلك بسحقه والوباء مستمر فى دمه ، وإضافة قليل من حامض الفينيك إلى الدم السحيق الناتج . على أن يحقن هذا من بعد ذلك فى الحيوان السليم ليحصنه من الداء .
والآن اقرأ :
قال اسبنسر: (( وددنا جميعا لو ننط فى الهواء ، ونصك قدمينا فرحا وشدة سرور )) .
فلم يكن مضى على ((اسبنسر)) شهر منذ عاد إلى هذه البلدة ، بلدة ((هملتن)) ، حتى كان هو وأصحابه قد قطعوا إلى غايتهم كل الشوط أو كادوا . ومضى عليهم أسبوع بالعمل ملئ ، وكلهم قائم حول ((اسبنسر)) يعينه على ما هو فيه ، وهو قائم إلى المنضدة يصنع أحسية مربعة من قراد وبئ ، بالدم ملئ . وكان فى القرادة الواحدة الصغيرة منه مقدار من الوباء يقضى على خمسة آلاف خنزير غينى ، وأخذ اسبنسر هذه الأحسية ، وهى دماء ، فصب عليها مقادير من الفينول ، أى حامض الفينيك ، لم تزد مقاديرها عن نصف فى المائة من تلك الأحسية ، وقد تكوكب حوله كل هذا النفر من أعوانه
ينظرون ماذا يكون . وفى لمحة تغير وجه هذه الأحسية ، فلم تعد به تلك الجهامة وتلك البشاعة . وفى الصباح راقت تلك الخبائص ورسب منها ما رسب بفعل الفينول . وفوق تلك الرواسب قام السائل صافيا كأنه الخمر حمرة لون ورقة مزاج . كان صفاء برئ المظهر حتى ما تحسب أن فيه كل هذا الشر وهذا الفناء .
ويجتمع ((اسبنسر)) و((بركر)) ، و((كلوان)) الضخم ، وسائر الأعوان ، يجتمعون على ثلة من الخنازير وهى تنتفض و تصيت . وتري المحقن يلمع فى يد ((اسبنسر)) ، وتسمع اصطكاك الحديد والزجاج . وإذا بهذا السائل الخمرى يذهب فى الخنازير - هذا الطعم الواقى ، أو المزعوم واقيا .
وتعود المحاقن من بعد ذلك إلى التماعها ، ويعود الحديد والزجاج إلى اصطكاكه ، وتذهب فى هذه الخنازير عينها مقادير من سائل وبىء كاشر. وتمضى فترة انتظار طولها أسبوعان ، ثم ...
قال أسبنسر: (( وعندئذ وددنا جميعا أن ننط فى الهواء حقا ونزأط فرحا )) .
وحق لهؤلاء الشياطين من العلماء أن يزأطوا ويفرحوا . وكيف لا يزأطون ويفرحون ، وهذه عشرة من الخنازير - من بعد إطعامها هذا الطعم الجديد ، هذا اللقاح الواقى - يدخل إلى جسم كل منها مقدار من الوباء المستعمر الذى أخذ طازجا من حيوان هو فى سبيل الموت بالحمى ، مقدار يكفى لا لقتل خنزير واحد ، بل ألف من الجنازير ، ثم هى تطل من بعد هذا صحيحة سليمة كأن لم يكن دخل إلى أجسامها شئ . وسلمت العشرة جميعها . ثم إلى جانب هذه العشرة كان اثنان من الخنازير نالا من نفس الوباء ما نالت تلك العشرة ، ونالاه فى نفس الوقت ، ولكنهما لم ينالا ما نالته من الطعم الواقى ؛ فهذان
الاثنان مالا على جنبيهما واستعرت فيهما الحمى .
بهذا حدث لأول مرة فى تاريخ هذه الحمى المبقعة أن استطاع العلماء أن يجدوا شيئا مأمونا يعطونه حيوانا ليحصنوه من هذه الحمى . وقد كانت السبيل الوحيدة للتحصن منها أن يصاب الحيوان بها ، فيشرف على الموت ، ثم يكون من حظه الطيب أن ينجو .
كان هذا كله فى الحيوان ، فما بال الإنسان ؟ أفيجوز عليه من أمر التحصن بهذا اللقاح ما جاز على الحيوان ؟ ثم ألا يكون الطريق الأحزم أن يجربوا هذا الطعم الجديد فى القردة قبل أن يجربوه فى الإنسان ؟
نعم هذا ما يقضى به الحزم . ولكن ((اسبنسر)) لم يستطع صبرا . وغير هذا لم يكن عنده من القردة فرد واحد . وغير هذا ، فجو هذا الوادى ، وادى ((بطروط)) ، وشتاؤه جديران أن يقتلا القردة لو تيسرت له . وإذن لم يبق إلا تجربة دم هذا القراد الوبئ ، بعد أن عولج بالفينول ، فى الإنسان . ولكن من يضمن أنه آمن مأمون ؟ ومع هذا فالرأى عند ((اسبنسر)) أن يجربه فى الإنسان كان ما كان .
ثم يعود الفكر يقلب وجوه الرأى . إن الفينول الذى أضيف إلى دم القراد كان قليل المقدار ضعيف المفعول ، فهل قتل ما بالدم من وباء على الرغم من قلة مقداره وضعف مفعوله ؟ فى العلم حجج تدفع المرء أن يجيب بلا . وعدا هذا فالبحاث الآخرون الذين بحثوا أمر هذه الحمى ، وغيرهم من العلماء الذين درسوا التيفوس والشلل الطفلى وداء الكلب ، كلهم أجمعوا على أن مكروب المرض الذى يحقن فى الأجسام ليحصنها من الداء ، يجب ألا يكون ميتا كل الموت ، يجب أن يكون حيا . وهذا الطعم الجديد - حساء هذا القراد والفينول - قد حصن
الخنازير من الداء دون أن يقتلها . وما دام أنه يحصن ، فالوباء لا بد ما زال حيا فيه . فكيف إذن يؤمن وباء حى أن يحقن فى إنسان ؟ وما الضامن أن وباء حيا حقن فى خنزير فلم يضره ، يحقن من بعد ذلك فى إنسان فلا يكون منه سوء ؟
لم يكن لهذا ضامن ، ولا لهذا السؤال من جواب ، إلا التجربة .
من أجل هذا اعتزم ((اسبنسر)) أن يجرب
وفى صبيحة اليوم التاسع عشر من مايو عام ١٩٢٤، قام اسبنسر يطوى كم قميص ليكشف بها عن ذراع . فلمن كانت هذه الذراع ؟ أكانت ذراع عامل لا يؤبه به من عمال المراعى ؟ أم كانت ذراع صاحبه ((بركر)) ؟ أم صاحبه ((كاوان)) ؟ أم عون من أعوان المعمل ؟ لم تكن هذه ولا تلك ، ولكن كانت ذراع اسبنسر نفسه . ففى ذراعه هو رمى بحقنة فيها من الوباء ما لو توزع على خمسة آلاف من الخنازير لارتمت على جوانبها . أعنى كان بها هذا الوباء لو أن الفينول لم يضف إليها .
فإن يكن فيما صنع ((اسبنسر)) بطولة فهو آخر من يعترف بها ، فهذا الرجل الهادئ الساهم الحلام كان يستفزه الغضب كلما سمع أحدا يقول : إن فى الذى صنعه بطولة أو شبه بطولة . قال اسبنسر : ((كيف هذا ! إن الذى يحاول أن يجد خطرا فى الذى صنعت ، إنما يحاول أن يجد البلاهة فى عقلى ، والخطل فى حكمى وتقديرى )) .
والحق أن الذى لا يضر خنزيرا غينيا صغيرا فى حجم الكف لا يمكن أن يضر إنسانا كبيرا بالغا . أو على الأقل هذا ما ارتآه ((اسبنسر)) وتأكد منه .
قال ((اسبنسر)) : ((وعلى كل حال فقد كنت مروعا أخشى هذه الحمى وهى تجرى من حوالينا فى مرابيها من القراد والخنازير . فصار من الطبيعى أن أتمسك
بأى سبب ترجى به حمايتنا من هذا الداء اللعين ))
وعدا هذا، فهناك إخوانه من رجال البيت الأحمر ، أولئك الذين تعاههدوا عهدا صامتا على لقاء الموت إن كان لابد من الموت فى سبيل الواجب ، فهؤلاء ماذا كانوا يظنون به لو أنه جرب هذا اللقاح الواقى فى جلد غير جلد نفسه ؟
لقد سجل التاريخ فى هذا اليوم التاسع عشر من شهر مايو عام ١٩٢٤، سجل حدثا لم يسبق له مثيل فى التاريخ الإنسانى ؛ سجل لقاحا يصنع من جثة حشرة ملؤها الموت، ليحصن إنسانا من الموت . وأحس ((اسبنسر)) بالصحة والعافية بعد تلقيح نفسه بهذا اللقاح . ومضى على هذا التلقيح أربعة أيام ، فعاد يلقح نفسه بضعف ما لقحها به أولا. أى بمقدار يكفى ، لولا إضافة الفينول إليه ، لقتل عشرة آلاف خنزير غينى .
كان هذا الصيف الصيف الثانى بعد ذاك الصيف الحار الذى مات فيه ((جاننجر)) ، ولعلك تذكر كيف مات ، ولعلك تذكر كيف عاش عيشة المعمل من جديد وهو فى خرف الموت ، وأخذ فيه يحلم الأحلام صائحا صارخا فى ذلك المستشفى فوق تلك الصيدلية الصغيرة فى البلدة ، بلدة ((هملتن)) . كان قد مضى على هذا سنتان . وتدخل المعمل فى هذا الصيف الثالث ، تدخل إلى تلك الحجرة التى خصصوها لتربية القراد ، فتجدها مليئة بأقفاص جديدة فى أثواب بيضاء ، تسكنها أرانب فيها الوباء مرغيا مزبدا ، وعلى جلودها آلاف القراد يرضع منها الدم والوباء معا. ولم يستطيعوا ضبط القراد ، فانتشر حيثما شاء له أن ينتشر . انتشر تحت السجاد وفى الشقوق ، وسرح إلى مناضد المعمل ، وذهب إلى حيث يجوز ولا يجوز . انتشر فى كل مكان .
ووجدوا القراد فى ملابسهم فى الإمساء عندما عادوا
إلى منازلهم . ولست أعلم كيف لم يصبهم الداء ، فلم تتبقع أرساغهم ولم تتوجع عظامهم ، وقد انغمسوا انغماسا فى صناعة اللقاح ، وتقديره وتقنينه ، من قراد يملؤه الوباء كاشرا متوثبا .
إن الرجل الوحيد الذى تحصن من بينهم باللقاح كان ((اسبنسر)) ، فلم لم يتلقح به سائرهم ؟ أكانوا فى شك من تحصينه أو خوف من إضراره ، فظنوا أن ((اسبنسر)) إنما نجا فى غفلة من غفلات الدهر وغفوة من غفوات الوباء ؟ لست أدرى جواب هذا ، وليس من يدرى ، فليس فى السجلات ذكر لهذا .
ولكن فى السجلات أن أحدهم ، ((هنرى كلوان)) ، صحا يوما على ألم فى الصميم من عظامه . نعم ((كلوان)) ، هذا الرجل الضخم ، صاحب الجدى . ذاك الرجل الذى كان أشبه بالدب العظيم منه بالرجل. هذا الرجل الذى عبث بهذا الحمى فى موطنها بوادى ((بطروط)) سنوات كاملة . هذا الرجل الذى ضحك من الرجال كلما أحجموا عن النزول بذاك الوادى . هذا الرجل الذى التقط القراد من فوق جسمه ألف مرة ، والتقطه ضاحكا . هذا الرجل يصحو على عظام وجيعة وعين أليمة ساخنة . لقد نسى ((كلوان)) العظيم الضخم ما صنع علم ((اسبنسر)) بهذا الوباء فى هذا
القراد، فصبره شرا ألف مرة من ذاك الذى تصنعه الطبيعة فى القراد بمواطنه من تلك الجبال . لعله نسى هذا ، أو لعله غفل عنه ، أو لم يتشرب به إيمانه !
وحسم القضاء ، فنزل ثقيلا على عاتقى هذا الرجل الضخم فهدهما ، وذهب عن هذا العالم يطلب صحبة زميله (( جانتجر)) وقد غاب عنه سنتين . فلندع الله أن يرحم ((كلوان)) وصاحبه ((جانتجر)) ، وأن يسكنهما، هما ومن سبقهما - مكلنتيك ومكرى ، وذاك اليابانى مساعد المعمل الذى قضى بمعهد روكفلر - أن يسكنهم جميعا فى جنته ، على السرور والغبطة ، فى ذاك الجانب الذى اختص به سبحانه ذاك النفر من صياد المكروب الألى قد يكون الحظ خانهم ساعة فأغفلهم عما كان يجب عليهم أن يأخذوا به من حيطة .
وبالطبع لم يمت (( كلوان )) حتى هرعت تلك الزمرة جميعها إلى لقاح (( اسبنسر )) فملأوا به جلودهم .
لعلهم ظنوا الأفن أولا فيما صنع (( اسبنسر )) ، فأحجموا عن لقاحه ، ولكن جاءت هذه الوفاة فغيرت رأيهم فى صاحبهم . فلعل صاحبهم لم يكن بعد مأفونا .
يتبع
