شر فى القرار الجنة الخوانة
في ولاية وشنجتن ، غير بعيد من عاصمة الولايات المتحدة ، تجد بيتا قائما على جبل ، يطل على نهر يوتوماك , وهو النهر الشهير الذي يروي العاصمة . وهذا البيت بناء طويل قصير ، من الآحر الأحمر ، وهو قديم عتيق . ولكن له في قدمه وعتاقته روعة وجمالا . وهو في هذا القدم وهذه العتاقة فريد وحيد بين معامل العصر الحديث في فخامتها وجدتها .
ولقد تجد في غير هذا المعمل من معامل ، مكتشفات خرجت منها أبعد مدى وأمس بحياة الكثرة من الناس مما خرج من هذا المعمل . ولكني لم أجد في أي معمل ما وجدت في هذا من رجال سخروا في سبيل واجبهم بالموت سخرية راعتني فأدهشتني ، ولكنها كذلك فتنتنى . وما هؤلاء الرجال إلا رجالا عاميين بسطاء ، ولكنهم كفرق الحريق ، مرهفة آذانهم دائما لسماع دقة الناقوس لينهضوا لإطفاء الحريق هنا ، أو إطفائه هناك ، وهم في سبيل هذا عرضة لأن يستنشقوا من هذا الموت أو ذاك .
وعلل الموت التي يكافحونها ليست من كبريات العلل التي تبهر الخيال ، وليست هي مما ينذر السواد الكثير من الناس . وهي إذ تقتل لا تقتل في الغالب من ذوي الخطر والسلطان . ولكن بين رجال هذا المعمل بين عصبة هذا البيت الأحمر ، عهد مفهوم ، لا هو بالنشور ولا هو بالصريح المنطوق : أنه من الضروري ، بل من
المحبب المرغوب أيضا ، أن يعرض الباحث حياته للخطر في سبيل استكشاف أوبئة صغيرة لا تؤثر تأثيرا كبيرا في وفيات الأمة عند الإحصاء .
أما اسم هذا المعمل فهو المعمل الصحى Hygienie Laboratory ، وهو يتبع وزارة الصحة في الولايات المتحدة . ويجئ ربيع عام ١٩3٢ ، فيأتي من الوزارة أمر إلي أحد رجال هذا المعمل ، واسمه اسبنسر ، أن يتوجه من شرق الولايات إلي غربها - من ولاية وشنجتن ، حيث العاصمة ، على مقربة من المحيط الأطلسي ، إلى ولاية " متتانا " على مقربة من المحيط الهادي . ففي غرب هذه الولاية نهر يدعي بطروط Bitter Root. وفي وادي هذا النهر تفد وافدة فظيعة كل عام ، عندما ينبثق ربيع الأرض عن ربيع الحياة ، فتقتل نفرا من صيادي هذه الناحية ورعاة أبقارها شر قتلة . فإلى هذا الوادي أمر صاحبنا أن يرتحل ليكشف سر هذه الحمى المهلكة . وقد أسموها حمي جبال روكي Rocky Mountian tever نسبة إلي سلسلة من الجبال شهيرة تجري في تلك الولاية . وقد أسموها الحمى " المبقعة " لبقع تظهر على جلد صاحبها ، وأسموها كذلك الحمى السوداء
ولكن لماذا يرتحل اسبنسر، أو غير اسبنسر، إلي ذلك الوادي أو تلك الجبال ، فيضيع وقته سدي لحل مشكلة تلك الحمى ، وهي لا تقتل في العام من اهل هذا الوادي السعيد غير نفر قليل أكثرهم من رجال الجبال ؟ قال أحد أطباء هذا الوادي غاضبا : " وما خطر هذه الحمى حتى نبعث لبحثها البعثات ؟ إنها تقتل من الناس في العام عددا دون الذي يموت من الحصبة في مدينة بط " وبط هذه بلدة في نفس الولاية , ولاية " منتانا " .
وسخر أهل هذا الوادي السعيد ، وادي بطروط . أن يكون في هذه الحمى ما يزعج سلام واديهم او يفسد
رخاءه ، وهو جنة الشليك والأبقار .
بالطبع يجد الواجد على سفح الوادي الغربي بيوتا من خشب سكنها بعض رعاة البقر ، ثم خلت من بعدهم فظلت أبوابها مفتوحة لا تجد لها مغلقا . وتهب الريح على تلك الأبواب فتصر صريرا يسمع فيه ذو الخيال الناضج نواحا تنوحه على أصحاب لها ذهب الزمان بهم ، وعفى النسيان على ذكرهم ، دهمتهم الحمى ، فما أسرع ما اسود لونهم وانطفأ باسوداده سراج حياتهم . ولكن أعداد هؤلاء كانت قليلة ، وخطرهم بين أهل الوادي مشكوك فيه . وإذن فما كل هذا الاهتمام بهذه الحمى !
ويجىء ربيع عام ١٩٢٢ ، فنرى اسينسر قائما في " وشنجتن " يحزم للسفر أجهزة صيده المكروب ، وزوجة له وطفلين صغيرين . إن الحمى المبقعة حمي علي ضيق نطاقها كريهة لعينة . ففي بعض السنوات كانت تقتل كل من تصيب . وفي عام ١٩١٢ أصابت رجلا من وزارة الطلحة ، من وزارة اسبنسر نفسه ، فقتلته ، وكان يتصيد أسبابها فى خليج سويت هوس Sweet House Creek ولدم هذا الرجل " مكلنتيك " Mc Clintic وفي كل عام كانت تصيب الحمى العشرة فيموت منهم على الأقل ثمانية . ولكن مع هذا فلم تصب الحمي في العادة أكثر من عشرة في العام الواحد . وإذن فما كل هذا الاهتمام بهذه الحمى ! وغير هذا كان في ولاية " منتانا " طبيب آخر يدعي " مكرى " يحاول أن يجد لمواطنيه فضلا وافيا من هذه الحمى فاستيقظ ذات يوم على عين حمراء وألم في العظام . لو لم تمض عشرة أيام حتى ذهب إلي حيث ذهب " مكلينتيك " إلي حيث لا يرجع الذاهبون . ومع هذا فمن بين أهل الوادي ،وادي بطروط ، قام رجال محترمون يقولون ليس في الحمى شئ يبرر كل هذا الصياح والضجيج , وأن في الصياح والضجيج ثمن هذه الحمى بشيء إلي التجارة وهي نافقة . وقالوا إن كل إنسان
يستطيع ضمان الأمان لنفسه ما تجنب بعض الوديان العميقة في السفح الغربي من الوادي . وفي هذا الذي قالوه علم صادق لا لغو فيه .
ويدخل القطار بلدة هملتن Hamilton ، وفيه " اسبنسر" ، الجراح المساعد سابقا ، والبحاثة اليوم ، ومعه زوجته وطفلاه . ونزل من القطار غلم تستلقة الطبول والمزامير صداحة ترحب به وتؤهل وكيف تتلقاه طبول ومزامير وما هو إلا صائد مكروب صغير حضر كالعادة يعبث في مرض قد لا يصيب في العام غير خمسة من الناس . وأي ناس ؟ أولئك الذين يضطرون إلى الذهاب إلي تلك الوديان العميقة اضطرارا ، أوهم " لغباوة فيهم ؛ يريدون أن يذهبوا إليها إصرارا .
ولا يلبث أولئك الناس أن يعودوا من تلك الوديان ، على السفح الغربي من الوادي ، حتى تظهر على اجسامهم بقع حمر أرجوانية . ولا تمضي بضعة أيام حتى ينقلب صراخ هذياتهم إلي حشرجة أنفاسهم ، ثم إلي سكونها فكأنما يد خفية أمسكت برقابهم فخنقتهم خنقا .
ومن أولئك الناس الذين ذهبوا إلى تلك الوديان " لغباوة فيهم " ، كان أخو الحاكم نفسه ، حاكم الولاية ولاية " منتانا " . ذهب هو وزوجه يصعدان تلك السفوح وقد علاها جمال الربيع ، وامتلأت جداولها بالماء حتى تعثر فيها ورغا ، وأخذت أشجارها وهي حور تمتص الحياة صاعدة لتتفتق في رأسها عن بزاعمها الخضر الأولى . وأصيب الرجل وزوجه في تلك الجنة الغناء ، وماتا في عشرة أيام .
فعلى هذه الجنة الخوانة هبط اسبنسر ، وهو حديث عهد بصيد المكروب ، حديث عهد بكفاح الموت . ودار في " هملتن " يبحث عن مكان ، على أي شكل كان ، ليتخذه معملا مؤقتا .
) يتبع (

