اطلعت فى العدد ٣١٩ من مجلة الثقافة على ما حققه الأستاذ أحمد عبد الباقي عن كتاب " الأحكام السلطانية" للماوردى والأحكام السلطانية لأبى يعلى الحنبلى . ورأيته بعجب من إطراء بعض المؤرخين اباء واقتصاد بعضهم فى مدحه
ولعل السبب فى ذلك أن بعض المؤرخين تغلبه العصبية فيسرف فى مدح المترجم من أصحابه فى المذهب ؛ فهذا مؤرخ الإسلام الحافظ الذهبى على جلالته فى التاريخ نرى الهوى المذهبى يحمله على العصبية المفرطة فى تراجم الحشوية فيطربهم ، وبغض من مخالفيهم إذا ترجم لهم - قال العلامة الشيخ محمد زاهد فى (ذيول تذكرة الحفاظ )وقد انتقده على خطته فى تراجم الناس ، الحافظ بن المرابط الغرناطى والتاج السبكى ، وذلك لبعده عن المعقول والعلوم النظرية واكتفائه بالرواية والسماع قبل النظر فى مبادىء العلوم ،
وكان شافعى الفروع حنبلى المعتقد (على مصطلحهم) لأان كثيرا من الحنابلة هم من المجسمة والمشبهة - وهذا الحافظ ابن حجر العسقلانى أمير المؤمنين فى الحديث فى عصره يقول عنه قاض القضاة ابن الشحنه : وكان كثير التبكيت فى تاريخه على مشايخة وأحبابه وأصحابه لاسيما الحنفية ، فإنه يظهر من زلانهم ونقائصهم التى لا يعرى عنها غالب الناس ما يقدر عليه ، ويغفل ذكر محاسنهم وفضائلهم إلا ما ألجأته الضرورة اليه ، فهو سالك فى حقهم ما سلكة الذهبى فى حقهم وحق الشافعية ، حتى قال السبكى : إنه لا ينبغى أن يؤخذ من كلامه ترجمة شافعى ولا حنفى ، وكذا لا ينبغى أن يؤخذ من كلام ابن حجر ترجمة حنفى متقدم ولا متأخر .
وابو يعلى الحنبلى المذكور لم يكن رأسخا فى علم أصول الدين كرسوخه فى الفقه ، فقد صنف (كتاب الأصول)
فأورد فيه لمامات شانت المذهب الحنبلى الذى ينتمى إليه على تضارب فى أقواله بين تشبيه وتنزيه . قال أبو محمد التميمي : لقد شان أبو يعلى المذهب الحنبلى شينا قبيحا لا يغسله ماء البحار إلى يوم القيامة ، على ما فى الكامل لابن الأثير وتاريخ ابى الفداء . وقال الحافظ ابن الجوزى الحنبلى فى كتابه (دفع شبه التشبيه) : ورأيت من أصحابنا من تكلم فى الأصول بما لا يصلح ، وانتذب للتصنيف منهم ثلاثة : أبو عبد الله بن حامد وصاحبه القاضي أبو يعلى وابن الزاغونى ، فصنفوا كتبا شانوا بها المذهب ، ورأيتهم قد نزلوا إلى مرتبة العوام فحملوا الصفات على مقتضى الحس الخ
فمن كان يذهب هذا المذهب فى المتقد لضعفه فى علم العقائد تراه يمجد أبا بعلى ويزكيه ويعدد له مآثر ومحامد كالذهبى حيث يقول : أبو يعلى . . . صاحب التصانيف وفقيد العصر ، كان إماما لا يدرك قراره ولا يشق غباره . وجميع الطائفة معترفون بفضله ومقترفون من بحره . . قاله فى العبر ، على ماجاء فى " شذرات الذهب فى أخبار من ذهب " لابن العماد .

