الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 401الرجوع إلى "الثقافة"

عصر الحيرة

Share

لا يخطئ من يسمي عصرنا هذا في مصر عصر الحيرة، فإننا جميعا لا نعرف الاستقرار على بر، بل نضرب في لجة مضطربة يحيط بها ظلام من فوقه ظلام، إذا أخرج الإنسان يده لم يكد يراها. ولست أدري إذا كانت هذه الحيرة مما يأسف له الإنسان، او هي مما يشترط له، لأن الحيرة تمتد إلي كل شئ، حتى إننا لا نستطيع أن نصدر حكما قاطعا في أمر من الأمور.

لقد مر علينا عهد كان أهل الشرق ينعمون فيه في نوع من الخمول، لا يعرفون فيه مثل هذه الحيرة؛ فقد كانوا قانعين بما عندهم من تقاليد ومن عقائد، وكانوا قانعين بما أتيح لهم في حياتهم من قسمة. كانوا يرون أنهم خير أهل الأرض، وأن أمصارهم أمهات القرى، وانه ليس في الإمكان أبدع مما كان. حتى لقد كانوا يرون الخروج عن مألوفهم بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار ولكنهم كانوا بذلك يعيشون في عالم من الأوهام، لم يلبثوا أن يصحوا منه على أصوات عجيبة لم يسبق لهم عهد بها، وعلى مناظر غريبة لم تقع أعينهم من قبل على مثلها؛ فبدأ الشك بتسرب إليهم، وصاروا يتعجبون مما سمعوا ومما رأوا ثم أحسوا أن هذا الذي طرأ عليهم قد جلب معه سيادة أجنبية، وأنهم قد أصبحوا تبعا، وقد تفلت من أيديهم ما كان فيها من سيادة ومن مال ومن جاه، بعد ان تحولت السيادة، وتسرب الجاه والمال إلي أيدي هؤلاء الغرباء الذين جاءوا إليهم من وراء البحار.

وبدأوا عند ذلك بتساءلون: أنستطيع أن نكون مثل هؤلاء؟ ومنذ ذلك الحين دخلت إلي قلوبهم الحيرة، وما زالت تزداد بهم كلما اطلعوا على جديد لم يكن لهم به عهد، وكلما عرفوا من أمور أنفسهم ما كانوا من قبل يجهلون.

فهم اليوم يتألمون لأنهم فقدوا ذلك الوهم الذي استقروا عليه حينا من الدهر، واطمأنوا إلى هدهدته، ويتألمون لأنهم لا يجدون السبيل واضحة إلي تغيير حالهم، والأخذ بما أخذ به الناس الذين أتوا من وراء البحار.

فنحن في مصر مثلا قد تنبهنا في هذه الأيام إلي أن بلادنا فقيرة، وإلى أن شعب مصر مريض وجاهل، وقمنا نصيح ونصيح شاكين من هذه الأعداء التي قعدت بنا عن بلوغ ما نتمني من الحياة بين الأمم. ولكنا عجزنا كل العجز عن الاهتداء إلي طريق محاربة الأعداء، واكتفينا بأن نتحدث عن الحرب التي نزمع أن نشنها عليها. ففي كل يوم نسمع إعلان الحرب، ولكنا لا نري عدة ولا خطة، ولا نبصر سوى الحيرة التي تدلنا على مقدار ما عندنا من الألم، ومن حسن النية في التخلص من الأعداء ومحاربتها.

وقد تنبهنا كذلك إلي أننا في حاجة إلي العلم والبحث، لأننا رأينا الأمم الأخرى تأتي بالعجزات من بحث علمائها، وتأتي العجب العاجب من مهارة صناعها وأصحاب الفنون فيها.

وحاولنا أن نقلد، فصرفنا الأموال لتخريج العلماء، وبعثنا منهم طوائف إلي ما وراء البحر، وعاد هؤلاء إلينا بألنقابهم ودرجاتهم، ثم قعدوا على الكراسي كما قعد من قبلهم بنو العباس.

ولا نزال في حيرة من أمرنا لا ندري هل نستطيع يوما أن نبلغ شأن من بحثوا، أم أن هناك شيئا لا نعرفه يقعد بنا عن بلوغ المرتبة التي بلغها العلم في البلاد الآخرى.

وكان من أعجب ما حير ألبابنا أننا في أثناء هذه الحرب الطاحنة احتجنا إلى كل ما هو ضروري من المصنوعات، وكنا نرجو ان يهب من عندنا من أهل الصناعات وأصحاب الفنون فيملأوا علينا البلاد إنتاجا، وينتهزوها فرصة لإنماء الصناعة في وادي النيل، فماذا وجدنا؟ وجدنا الأموال تنتج لما نسيجا مهلهلا نكاد نلبسه حتى يبلى، ووجدنا المسابك تخرج لنا (عدد) مواقد البترول، إذا

اصابتها النيران انفجرت وسالت، ووجدنا مصانع الخزف تقذف علينا كل معوج قبيح من الأواني التي لا تتحمل سخونة ولا برودة بل تنفلق من كل عنف في الحر والبرد.

ومع هذا فقد كانت هذه الاقمشة المهلهلة، وتلك العدد الرقيقة، وهذه الأواني الشوهاء تباع لنا بالأضعاف المضاعفة من الاثمان، فلم نستفد من ذلك إلا أن تكدست الأموال عند صناع السوق السوداء وتجارها.

فنحن اليوم في حيرة: أنستطيع ما يستطيعه الناس في الصناعة، أم أن شيئا لانعرفه بقعد بنا عما يبلغه غيرنا.

ونحن في حيرة فوق هذا كله من أمر الحكم والسياسة؛ فقد عرفنا أن أداة الحكم في البلاد التمدينة تؤدي ما عليها من خدمة عامة في صمت، ويقوم كل موظف بالمسئولية الواقعة على عاتقه في أمانة؛ فإذا نظرنا إلي أنفسنا وجدنا أداة الحكم قد تراكم عليها تراب الأجيال، فلا هي بالقديمة المحضة، ولا هي بالحديثة حقا.

ولقد كان أهل مصر قانعين بأداة حكمهم القديم الذي كانوا يستسلمون له، لأنهم كانوا يعتقدون ان الله قد قسم لهم الخضوع فكانوا لا يزيدون على أن يسألوا الله "أن يولي من يصلح" ولكنا اليوم نتطلع إلي هذه الأداة في حيرة وأسف، ولا نريد ان نقنع بأن نسأل الله ان يولي من يصلح، بل نزعم أن من حقنا أن نشكو، وأن نشير بالإصلاح، وأن تلوم المقصرين، وأن نسقط الظالمين على حين أننا نري الاداة أمامنا تخبط وتقعر، ويعلو ضجيحها مما علاها من الصدأ والغبار، ولا نستطيع شيئا غير الشكوى. بل إننا نري أولى الأمر المسئولين يكتفون بالشكوى ولا يقلون عن سائر الناس حيرة. فلا يعرفون سبيل الإصلاح، ولا يظنون انهم يستطيعونه.

فنحن اليوم في حيرة لا تدري هل يقدر لما يوما ان نري اداة الحكم تتجه في وجهتها في نعومة ويسر وثقة، فتؤدي واجبها، وتقوم برعاية مصالح الناس في جد واهتمام،

أم أن هناك شيئا لا نعرفه يمنع تلك الأداة من السير السليم في وجهتها كما تسير أداة الحكم في بلاد غيرنا.

وأما السياسة فلا يتسع لها القلب الحائر بعد كل هذا التيه الذي نضل فيه، ولا نجد خيطا بهدينا بين تعاريجة وتلافيفه.

فقصاري القول فيها أننا نسير إلي غير وجهة. فأحزابنا تتبع مبدأ واحدا وهو "مخالفة رأي الآخرين" وقد تعودنا فيها أن نقنع بالألفاظ والمظاهر دون الحقائق العملية، مع أن السياسة أولا وآخرا لا تزيد على ان تكون رعاية الحقائق العملية ومصالح الحياة التي لا يغنى فيها زخرف القول.

فنحن في حيرة من أمر السياسة، فلا ندري إذا كنا نعرف غاياتنا، أم أننا نتجه مع تيار قوي في محيط واسع مظلم الآفاق. ويخيل إلي هذا الضعيف كاتب هذه السطور أن هذه الحيرة الشديدة التي نعانيها ناشئة من سبب واحد وهو نقص "الجد". واعتقد ان علاج كل هذه الحيرة يأتي من جانب واحد، وهو ان نأخذ "بالجد" فإذا استطعنا أن نأخذ أمورنا "جدا"، ونواجه الحقائق، ونصارح انفسنا بما تستطيع، وبما نحن في حاجة إلي استكماله مع التواضع وعدم الادعاء المنشمل، ولكن هذا أمر يكاد يكون مستحيلا علينا. ولا شك أن هناك سببا لا نعرفه يجعلنا لا نستطيع الجد ولا نحب مواجهة الحقائق، ولا نحب أن نصارح أنفسنا بما نستطيع، ومما نحن في حاجة إلي استكماله.

ولست أدري هل هناك وسيلة يمكن أن تعد حبل الند إلي هذا "الجد" ، أم أن كل حياتنا الاجتماعية لا تعمل سوى تخليد ما تعودناه على مر السنين.

وأعود في آخر هذا المقال الحزين فاسأل: هل هذه الحيرة موجودة حقا، أم هي في قلبي انا وحدي، وهي التي تجعلني أحسبها قائمة في الحياة حولي كما ينظر صاحب المنظار الأسود فيرى الكون كله مظلما؟

اشترك في نشرتنا البريدية