الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 322 الرجوع إلى "الرسالة"

عصر النار، صنع النار. الصخر المذاب. الحديد

Share

النار أنفس ما كان فى حيازة الإنسان فتخيل كيف تكون  الدنيا إذا انطفأ كل ما فيها من النيران، ولم يبق فيها من  يستطيع إيقادها!

إن منازلنا تصبح باردة لا تطاق فيها الحياة، ويصبح طعامنا غير  قابل للنضج، وتقف قطاراتنا وبواخرنا، وتمتنع عن العمل مصانعنا،  ولا يمكن صنع الكثير مما نأكله أو نشربه أو نلبسه أو نتولى  إدارته بأيدينا

إننا نعيش فى عصر جدير بأن يسمى حقاً (عصر النار) . ولقد بدأ عصر النار منذ آلاف كثيرة من السنين. وليس  على وجه الأرض قبيلة ليس لديها أسطورة عن نشوء النار للمرة  الأولى وصيرورتها فى حوزة الإنسان. ذلك بأنه ليس فى وسع مخلوق  غير الإنسان أن يصنع النار، وأن مقدرته على صنعها جعلته  فى مستوى أرفع كثيراً من مستوى الحيوان، وكل أسطورة  من هذه الأساطير تنص على أن النار كانت عند الآلهة، ويختلف  بعضها عن بعض فى بيان الطريق الذى حصل به الإنسان على النار،  فيروى اليونان أن بروميذيوس صعد إلى السماء وأوقد شعلته من  عربة الشمس، وسرق النار فنزل بها إلى الأرض. وقد كان  الآلهة لا يريدون أن يحصل الإنسان على النار، لأنهم يعلمون  أنه بعد حصوله عليها سيصبح كأنه واحد منهم، فهو بواسطتها  يستطيع تعرف أسرار الأرض والانتفاع بكنوزها، وكانوا لا يرون  أن يحبوه هذه المعجزة

ولا يعرف أحد حق المعرفة كيف عرف الإنسان سر صنع  النار. وربما كان السر رؤيته البرق يصيب الغابات الجافة  فيحرقها. وربما كان فيمن رأوا ذلك المشهد رجل أجرأ ممن عداه  فاحتفظ بجزء من النار السماوية عندما وجدها تحرق الغابة  بتعهده إياها وبتغذيتها بالوقود. فإن كان أحد قد فعل ذلك  فمما لا ريب فيه أن قبيلته تعده مخوفاً محترماً لأنه عرف أسرار  الآلهة. وقد كان فى كل قبيلة أناس من مهمتهم أن يتولوا حراسة  النار، فكانوا يتناوبون حراستها أناء الليل وأطراف النهار  ويغذونها ويتعهدونها كيلا تخمد فيخسر الناس هذه الهبة الغالية

من هبات الآلهة ويموت الإنسان برداً. والأرجح أن مئات  من السنين منذ اليوم الذى عرف فيه الإنسان كيف يحتفظ بالنار قد  مضت والإنسان منتفع بالنار دون أن يعرف كيف يحدثها. وكان  كل ما فى وسعه أن يبحث عنها حيث توقدها آلهة البرق  أو إله الغابة، فيحمل منها قبساً إلى كهفه وينعم به. ثم جاء  يوم صنع فيه الإنسان النار لنفسه، إما بسنه قطعة الخشب محددة  على لوحة صلبة من البلاط، وإما بدق حجرين من الصوان. وعلى  أى الفرضين فإن اللحظة التي استطاع فيها الإنسان صنع النار  كانت أعظم لحظة فى حياة الإنسان فى عهده الأول، فإن وجود  هذه القوة فى يده مكنه من المفتاح الذى يستطيع به استخراج  ما فى الأرض التى يسكنها من كنوز.

ولما كنا لا نعرف حقيقة الأسطورة التى تنبئ عن استكشاف  الإنسان النار لأول مرة، لأن هذا الاستكشاف أسبق كثيراً  من العهد التاريخى وعهد الأساطير فإننا سنروى القصة التى يعتقدها  أهل جزائر بولونيزيا عن رجل مخاطر جرىء تمكن من معرفة أسرار  العصى النارية وكيفية استعمالها فى مأوى إله النار. (يتبع) ع. ا

اشترك في نشرتنا البريدية