الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 180الرجوع إلى "الثقافة"

عظماء التاريخ :، ادوارد جنر، ( ١٧٤٩-١٨٣٣ )

Share

الناس جميعاً يعرفون أسماء أولئك القواد العظام ، والفاتحين المشهورين ، والطغاة الجشعين ، الذين ضحوا بحياة المئات والألوف والملايين من بني الانسان في ميادين الحروب في سبيل أطماعهم التي لا حد لها . ولكن قليلون الذين يعرفون حياة هذا المحسن العظيم إلي الانسانية ، الذي وقف كل حياته وجهوده لأنقاذ حياة الملايين من بني الانسان ، وأعني به الطبيب الانجليزي إدوارد جنر .

فهذا المكتشف العظيم " للتطعيم ضد الجدري ، الذي جاهد كثيرا في إظهار فائدة هذا الاكتشاف الكبير النفع ، عاش في الوقت نفسه الذي عاش فيه نابليون الأول ، الذي خاض كثيرا من المعارك الرهيبة الدامية . ولكن ليس شك في أن عدد النفوس التي أنقذها جنر من الموت باكتشافه هذا ، يفوق كثيراً العدد الذي أهلكه نابليون في المعارك المئة التى انتصر فيها على أعدائه .

وليس ثمة شك في أن جنر لم يتوصل إلي هذا الاكتشاف المفيد بغير الملاحظة الدقيقة التي يتميز بها عظماء  المخترعين والعلماء ، وجنر واحد من هؤلاء العظماء الخالدين الذين تفخر بهم انجلترا ، ويفخر بهم العالم بأجمعه ؛ فهو من الذين قدموا أجل خدمة للجنس البشري

وقد بدأ هذا الطبيب اللامع ملاحظاته الأولى لهذا الاكتشاف ، وما يزال طالبا في المدرسة . وكان يعرض هذه الملاحظات على بعض أقرانه ، فيسخرون منه ، أو يغضبون عليه ، ويهددونه بطرده من صحبتهم إذا هو

ظل يذكر أمامهم مثل هذه الأمور الغريبة المضحكة . ولكن ذلك لم يكن يزيده إلا تشبثاً بآرائه ، وثباتاً على عقيدته .

ثم ذهب إلي لندن ، وشاء حسن حظه أن تكون دراسته على يد استاذ حكيم ماهر ؛ فما إن رأي الأستاذ ملاحظات تلميذه ، حتى أدهشه منه هذا الذكاء النادر ، وهذه الاختبارات الكثيرة الفائدة . فراح يشجعه بكل وسيلة ممكنة على متابعة ملاحظاته واختباراته ، والسير إلي النهاية الممكنة . ومما كان يقول له مشجعاً العبارة التالية : " لا تفكر فقط ، بل اختبر أيضا ، وكن دائماً صبوراً ، ودقيقاً في اختباراتك "

فلما عاد إلي بيته ، بعد الانتهاء من الدراسة ، عكف على الدرس والاختبار ، حتى إنه اقتنع اقتناعاً راسخاً لا يتزعزع بالفائدة العظيمة التي تنجم عن التطعيم ، وحتي إنه بدأ اختباره - بعد الاقتناع - بإبنه نفسه ، فلقحه ثلاث مرات !

وقد شرع جنر باعلان فائدة هذه الوقاية المفيدة من هذا المرض الخطير بين الناس منذ سنة ١٧٧٥ ، وكان له من العمر ٢٦ سنة . وفي سنة ١٧٩٨ نشر النتائج الباهرة التى وصل إليها بواسطة اختباراته العديدة الدقيقة . ومنذ ذلك الحين بدأ هذا الاكتشاف الخطير ينتشر ويعم في العالم كله .

ولا بد لنا من أن نذكر أن هذا الطبيب اللامع والمكتشف العظيم قد لقى كثيرا من العقبات والعراقيل في سبيل اكتشافه هذا ، حتى إن كثيرا من زملائه الأطباء كانوا يصرون بشدة على عقم فائدته ، ويعارضون بشدة أيضا في استعماله بل تعميمه . وبلغ بهم ذلك إلي حد أن أحدهم رسمه رسما كاريكاتوريا مثله فيه دائبا على تحويل الآدميين إلي حيوانات . ونشر بعضهم فكرة سيئة بين الناس مؤداها أن الطفل الملقح ضد الجدري عند ما يكبر

تتحول هيئته إلي هيئة ثور ، وكذلك صوته يصبح أشبه بخوار الآبقار .

غير أن إدوارد جنر لم يبال بكل هذه العراقيل وهذه الاهانات والشتائم ، بل عدها كلها سخافات مضحكة لا تستحق منه أكثر من ابتسامة هازئة . وظل مثابراً على نشر اكتشافه وإظهار فائدته بنشاط لا يعرف الملل . حتى تكلل عمله العظيم بالنجاح الذي كان يقدره له ، وحتي أصبح اسمه على كل لسان وصار الجميع يحيون فيه أحد العظام المحسنين إلى الإنسانية .

وحتى مدينة لندن التي احتقرته في بادىء الأمر وعدته طبيبا قروياً غبيا أو مصاباً بداء عقلي شديد لم يسعها في النهاية إلا أن تجله وتبجل اسمه العظيم الخالد . فدعي إليها ليقوم بوظيفة فخرية بمبلغ عشرة آلاف جنيه في السنة ؟ ولكنه رفض هذا العمل الفخري قائلا بإباء وترفع : " لقد اخترت في فجر أيامي حياة العزلة والظلام ، اخترت قرارة

الوادي لا قمة الجبل ، والان وقد وصلت أيامي إلي مسائها لا يليق بي أن أحط من قدري وأتنازل إلى التشبه بأولئك الناس الحمقى اللذين يتصيدون الجاه والثروة " .

وقد توفي هذا الطبيب الانساني عن أربعة وثمانين عاما . وكانت تعزيته الوحيدة في ساعة الموت أنه استطاع وحده في حياته بواسطة اكتشافه الخطير أن ينقذ من النفوس البشرية من خطر الموت ، ما يعجز عنه كل أطباء العالم مجتمعين بواسطة عنايتهم وحذرهم .

وإنه لمن حق هذا الرجل الخالد علي الانسانية ومن واجب الوفاء له أن نعلم الشبيبة اسمه ونطلعهم على تاريخ حياته قبل أن نعلمهم أسماء اسكندر المكدوني ويوليوس قيصر ونابليون الأول يونابرت واضرابــهم ؛ فقد عمل هؤلاء على تضحية النفوس البشرية على مذابح اطماعهم وغرورهم . أما هو فقد ضحى بحياته في سبيل إنقاذ هذه النفوس .

اشترك في نشرتنا البريدية