يقولون : ان العظمة والاختلاف مقترنان متلازمان ! . . ويقصدون بهذا القول : ان العظيم من البشر لا بد ان يكون له انصار وخصوم ومؤيدون ومعارضون ، ويؤيدون مذهبهم هذا بما يقص التاريخ ، فللامام علي ومعاوية . . . وعبد الرحمن الداخل . . . مؤيدون ومناهضون وللمتنبي وابي العلاء . . وشوقي والشابي محبون ومبغضون . ولغير هؤلاء من عظماء البشرية شيعة واعداء .
والحق ، ان هذه القاعدة مطردة في قصص التاريخ ! لا يكاد يشذ عنها عظيم من عظماء بني آدم ، بل لم يشذ عنها الا شخص واحد ، تحصل على محبة الناس جميعا وعلى تاييدهم ، المطلق ، المفعم بالاكبار والشكر .
وشاءت الاقدار الا يكون هذا العظيم من الفلاسفة الذين كرسوا حياتهم على فحص الكتب ، والادمان على النظر فيها ، ثم البحث على ما في العالم من مشاكل غامضة يتطلب ايضاحها انهاك العقول ، وسبر النفوس بمخدر الصبر ، كما شاءت الاقدار الا يكون عظيمنا ، هذا . . محرزا على شهائد ممتازة ربما لا يستغرب من المتحصل عليها ، ان يصل في سلم العظمة الى اسمى درجة فيها ، ان صح ان درجات العظمة لها حد ! ! . بل اكتفت منه بالاحراز على شهادة ابتدائية ، من مدرسة ابتدائية . ولعل هذا ابلغ ضرب من ضروب سنة الكون في طريقة اعجاز البشر بالمفاجآت غير المنتظرة
شاب يحرز على شهادة ابتدائية ، يقود امة - بينها دكاترة في القانون وفي الطب
وفي الاداب - في وقت محدود من الزمن ، في وقت عصيب جدا ، ما هي المعجزة في زمننا هذا ان لم تكن هذه . . . ! ؟ ومن هو العظيم في ذلك الزمان القاتم الحرج ان لم يكن ذلكم الشاب العظيم ! ؟
ربما يقول قائل : ان المعجزة - في هذا الزمان هي - خرق الفضاء السماوي ومعرفة اسرار الكواكب والاقمار ، وان العظيم هو الذي " باض " القنابل التحطيمية وازال الغطاء عن بعض المجاهيل السماوية .
وهو قول صحيح ، واعتراض رشيد ، إذا كنا في امريكا او موسكو او حتى فرنسا ولندن ، اما اذا كنا في تونس الرازحة تحت الحكم الاجنبي في ذلك الزمان والتي زج بابطالها في السجون والمنافي والمحتشدات ، وحيل بين ابنائها الطلقاء وبين التفوه بكلمة الحرية . اما إذا كنا في تونس في ذلك الوقت فان المعجزة هي ان نجد قائدا يقود الامة ، وان يكون هذا القائد شابا محرزا على الشهادة الابتدائية ، في محيط مفعم ب " العلماء " الطلقاء .
ولعله من المفيد ان يعرف القارئ . ان عظيمنا هذا ، ولد في سنة اندلعت فيها أول حرب عالمية عرفتها البشرية في حياتها أي سنة ١٩١٤ ، ومات في آخر حرب عرفتها بلاده فى مقاومة الدخلاء أي دسمبر سنة ١٩٥٢ .
لعل ولادته في سنة حرب واستشهاده في سنة حرب يقوم دليلا على ان " حشاد " العظيم لم ترد به الاقدار ان يكون رجلا " عاديا " وانما ارادت ان يكون رجلا ممتازا . ولعل مما يعضد حجتي على عظمة فرحات الممتازة اختيار اولئك الذين تعفنت ضمائرهم ، وعمت بصائرهم , حتى فر من رائحتهم النتنة الرشد ، اختيارهم له دون سواه ليوجهوا له افواه رشاشاتهم ، ولعل شهرته العالمية ، تغنيني عن بيان شهادة معلميه فيه . وعن اجماعهم على كمون الذكاء والنبوغ والفطنة فيه . ولست اريد ان اتعرض الى كفاح حشاد العظيم لمنظمة " س . ج. ت . " واحداثه " فراغا " حولها . وتكوينه لمنظمات مستقلة تونسية صرفة ، تحتضن المسلم وغير المسلم على حد السواء . لست اتعرض الى هذا لان فرحات اشهر
من ان يعرف بوطنيته ، وانسانيته العصية عن التعصب الديني والجنسي ، فالله قد خلق الناس شعوبا وقبائل ليتعارفوا ، لا كتلا واجناسا ليتخاصموا ويتنابذوا ، فيتقاتلوا ! وقول الله هو شرعة فرحات في كفاحه . كما اريد ان اتحدث عن " فرحات الصياد " لان كل الذين عرفوه سواء معرفة شخصية او عن طريق الجرائد والمجلات مجمعون على ان فرحات متقن لكل صناعة احترفها ومخلص لها منتهى الاخلاص . يثبت اتقانه وبراعته لكل حرفة احترفها شهادة معلميه فيه وشهادة الذين رأوه يصطاد ، والمشرفين على الادارات التي عمل بها ، والمنتخبين الذين جددوا له البيعة بالامانة العامة للاتحاد العام التونسي للشغل والذين اختاروه عضوا في " المنظمة النقابية العالمية الحرة " ورجال " الاربعين " والزعماء الاحياء منهم والاموات ، وكل شخص من غير هؤلاء عرف فرحات ، من العامل البسيط الى الموظف السامي .
كل اولئك مجمعون على ان فرحات كان متقنا لكل حرفة احترفها ، وكل اولئك متفقون على ان فرحات كان مخلصا منتهى الاخلاص لوطنه ، محبا كل الحب لمواطنية صادقا كل الصدق فى اقواله وافعاله ، منكرا كل الانكار لذاته ، رائده المصلحة العامة في اصدق معانيها وانبلها ، وبالجملة ، فان كل الذين عرفوه متحدون على انه رحمه الله ، عاش عظيما ، ومات عظيما ، وسيبقى عظيما في القلوب الى ان يرث الله الارض ومن عليها .
حمادي الذوادي

