لا تزال الإنسانية تقاسي كثيرا من الآلام في العصور المتعاقبة ، لأنها تخطئ خطأ متكررا من نوع واحد ، بغير أن تتعظ بما يقع لها من الآلم ، فهي دائبة في سبيلها لا تتجنب الخطأ الذي جر عليها تلك الآلام
ولعل السر في هذا هو أن الجيل الذي يقاسي الآلام من جراء أخطائه يفني ويمضي عن هذا العالم ، ثم يجيء جيل آخر بعده لم يقاس تلك الآلام فهو يجرب الحياة من جديد ، ويقع في الأخطاء من جديد ، ويقاسي الآلام ثم يمضي كما مضي من قبله دافنا حسرته في قلبه .
وقد يسمع الجيل الناشئ بعبر الماضي ، وقد تمر على قلبه خواطر من رغبة الإصلاح وتنكب الطريق الشائكة ، ولكنه لا يلبث أن يندفع مع البواعث النفسية الهوجاء ، ويطيع الغرائز العمياء التي تجرفه في سبيلها ، فإذا به يعود إلى كل أخطاء الماضي وآلامه رغم تجارب الأجيال
الكثيرة ، ونصائح الذين جربوا الآلام من قبله . وهذا المثل واضح في سلوك ساسة الدول منذ دون التاريخ سجلاته إلى آخر الحرب الماضية . ولكن الجيل الحاضر من ساسة الدول قد جربوا حربين عظيمتين في حياتهم ، فهم جديرون بأن يكونوا أكثر تحريا للحقائق ، وأكثر تبصرا في الأمور .
ولعل أكبر باعث على الخطأ في السياسة الدولية . ان زعماء الأمم يميلون دائما في اعقاب الحروب إلي إرجاع الأحوال إلي ما كانت عليه قبلها .
حقا إنهم يغيرون ويبدلون في الحدود ويحدثون آثارا كثيرة في نظم البلاد المختلفة ، ويقررون مبادئ متباينة . ولكنهم دائما يميلون إلي العودة إلي الماضي فيما يتعلق بالأسس الكبرى العزيزة عليهم . وهذا في رأينا هو موضع الخطأ كله لأنهم يستندون إلي قوة الانتصار الجارفة ، ويستطيعون
ان يقبلوا ما يبدو لهم في فترة ما بعد الحرب ، حتى إذا مر الزمن وخبت فورة الحروب ، وفتر زهو الانتصار ، عادت الطبيعة فأثبتت وجودها ، فإذا بالساسة يبصرون انهيار الصرح الذي اقاموه تحت أعينهم ، وهم لا يقدرون على إعادة بنائه إلا إذا ارادوا ان يعيدوا الحرب جذعة لإنفاذ إرادتهم بالقوة .
وقد حدث شئ مثل هذا منذ أكثر من قرن عقب الحروب النابوليونية . فإن ساسة أوربا تعمدوا ان يعيدوا أوربا إلي ما كانت عليه قبل الثورة الفرنسية ، واستطاعوا ان ينفذوا خطتهم قسرا ، لان القوة كانت في أيديهم عقب النصر الباهر الذي أحرزته الحيوش المتحالفة ضد نابليون . ثم ماذا ؟ لقد مضي أكثر القرن التاسع عشر في محاولات عدة لتحقيق النظام الطبيعي الذي تجاهله الساسة ، فإذا بذلك القرن يشهد النرويج تعود فتنفصل عن السويد ، والبلجيك تنفصل عن هولنده ، وأسبانيا تنفصل عن البرتغال ؛ وإذا به يري الملكية في فرنسا تتحول إلي جمهورية ؛ ويري دولا صغيرة تزول من الوجود بعد أن أقامها الساسة وضعا وتعسفا ، ثم دول اخرى تتجمع وتتوحد بعد ان كانت ممزقة إلي عدة ) إمارات ، وهكذا . ولسنا ندري هل كان في استطاعة الساسة عقب حروب نابليون ان يكونوا أبعد نظرا ؟ ! ولكن الذي ندريه حقا ان القرن التاسع عشر قد مضي بتجاربه المرة ، وأقبل القرن العشرين بتجارب اخري تحمل نفس عناصر الخطأ الذي ارتكب في القرن السابق .
إنه من المحقق أن عقارب الساعة لا تعود إلي الوراء . ومحاولة الرجوع إلى سياسة ما قبل الحرب مقضي عليها بالفشل ، لأنها تعاكس المبدأ الطبيعي الذي لا يقهر ، وهو أن الحياة تسير في سبيلها دائبة نحو المدى المقدر لها ، وهي دائما تتطور وتتغير
فإذا نحن نظرنا إلي مستقبل بلادنا ومستقبل جيراننا
من بلاد الشرق الأدنى على ضوء هذه الآراء ، كان من الضروري أن ننبه منذ الآن إلي أن محاولة الرجوع إلي الماضي لا تؤدي إلي غير الآلام ، ثم الخذلان .
وقد تحدثنا من قبل عن فلسطين حديثا مكررا ، ولكنا مع ذلك نري في خطورة الموضوع ما يحملنا على ان ننظر إليه من زاوية اخري علي ضوء هذه الآراء التي نشير إليها .
لقد تغيرت ظروف الشرق الأدنى ، وتغيرت ظروف الشعوب العربية المحيطة بالبحر الأبيض المتوسط ، وهذا التغير يستلزم تبديلا في السياسة التي تتبع نحو هذا الشرق الأدنى . فإذا تجمدت نظرة الساسة وتحجرت حتى بقيت ثابتة على الفكرة الصهبونية ، التى نودي بها منذ كانت الدولة العثمانية القديمة هي المسيطرة على هذا الجانب من العالم ، إذا تجمدت النظرة السياسية علي هذه الفكرة الصهيونية الرجعية ، كانت جهود الساسة بمثابة مقاومة للطبيعة ، وتعسف قائم على القوة والبطش . وكل تصرف قائم على النسف في مقاومة الطبيعة لا يقدر له البقاء إلا قليلا .
ولندع ذكر فلسطين مؤقتا ، ولنبحث عن مستقبل مصر على ضوء هذه النظرة أيضا .
إن سياسة العودة إلي " ما قبل الحرب " بالنسبة لمصر تكون تجاهلا لكل ما طرأ على موقفنا من التغير في هذه السنوات الملأي بالجليل من الأحداث . لقد تغيرت ظروف الشرق الأدنى تغيرا جوهريا ، وتغيرت ظروف مصر كذلك تغيرا جوهريا ، ولا شك أن هذا التغير يستلزم وضعا جديدا للعلاقات الدولية التي تربط مصر بجيرانها وبحليفتها وبدول العالم الاخري . ويحسن بنا ان نشير في إجمال إلي أهم عناصر التغير التي طرأت على موقفنا ، لكى ندرك إلي أي مدى ينبغي أن تقوم العلاقات الجديدة على أسس جديدة
عندما أبرمت معاهدة التحالف بين مصر وبريطانيا ، كانت تجربة التعاهد لا تزال جديدة على الدولتين جميعا . فكان من الطبيعي أن تحترس بريطانيا ، وان تنظر دائما في حذر إلي الجانب الآخر من التعاقد ، وكان من الطبيعبي كذلك أن تحترس مصر ، وان تنظر دائما في حذر لتعرف مواطئ أقدامها في الطريق الجديد . ولكن المعاهدة مرت بالتجربة القاسية عدة سنوات متعاقبة ؛ ويمكن أن نؤكد أنها قد اجتازت طور التجربة ، وأثبتت ان علاقة التعاهد بين ندين حرين هي أدوم وأثبت علاقة دولية . ويمكن كذلك أن نؤكد أن مصر ، قد برهنت في أثناء الظروف العصيبة في هذه السنين على انها جديرة بكل الشرف المنحدر إليها من أقدم عصور الفراعنة العظام إلى العرب الكرام ؟ إلي الفرسان الأماجد الذين رفعوا أعلام مصر كريمة فوق الأرضين والبحار . لقد برهنت مصر علي أنها تستطيع الوفاء بعهدها في أدق الظروف ورغم أكبر المخاوف . وما أجدر حليفتنا بعد هذه التجربة القوية أن تطمئن إلى شرف مصر ، وحسن نيتها ، وسمو نظرتها في الصداقة
وقد انجلت الحرب في إفريقيا عن تحطيم الدولة الإيطالية في طرابلس ، وزال بذلك عنصر هام جدا في سياستنا الدولية ، وينبغي ان يكون لذلك الاعتبار موضع خاص من تفكيرنا . فهذان الظرفان المتغيران يحتاجان منا إلى تحوير في نظرتنا السياسية الدولية ، ونعتقد أنهما يدعوان حليفتنا الكبرى كذلك إلى إعادة النظر في سياستها نحونا ، وفي شروط المعاهدة التي بيننا .
ولسنا نستطيع أن ننظر في مستقبل مصر بغير ان ننظر إلى التطور العظيم الذي طرأ على علاقتها مع البلاد الشقيقة المجاورة لها . فقد تنبهت الأذهان إلي انه من الضروري زيادة الروابط بين الشعوب العربية ، واتخذت في سبيل ذلك خطوات عملية منذ حين . ولا يمكن ان
تتحقق هذه المحاولة بغير أن تدفع قبلها وتجر بعدها نتائج سياسية عظمي ، في علاقة مصر مع حليفتها ومع سائر بلاد العالم المرتبطة بها .
وقد جد في الأفق السياسي أمر آخر له أعظم الشأن في نفوسنا ، وذلك أنه قد حدث أخيرا أن قطعت تركيا علاقاتها السياسية مع ألمانيا . حقا لم تدخل تركيا في حرب ضد الألمان ، ولكن قطع العلاقات نفسه جدير بأن يزيل حاجزا كبيرا كان قائما بين مصر وبينها . إن بين مصر وتركيا علاقات كثيرة من المودة والتعاطف ، وبين الشعبين أواصر قربى من الخير أن تزداد قوة وقربا ؛ ولهذا نرى أن زوال الموانع التي كانت تعرقل الاتصال الكلي بين الدولتين الشقيقتين سيكون له أعظم الأثر في المستقبل .
فدولة تركيا تستطيع أن تتجه في سياستها الشرقية نحو تضامن أقوى مع الأمم العربية عامة ، ومع مصر خاصة ؟ وهي تستطيع بمقدرتها وبجدارة شعبها الذكى ان تكون عاملا قويا في حفظ السلام في الشرق الأدنى .
فإذا نحن اعتبرنا هذه الحقائق جميعها ، كان لنا ان ننادي بضرورة إعادة النظر في مركز مصر الدولي ، وبأنه قد آن لنا ان ننظر إلي المستقبل على ضوء الظروف الجديدة التي أصبحت لا تدع مجالا للنظرة القديمة ، التي كانت متأثرة بظروف تغيرت ، وصار الاحتفاظ بها اليوم جمودا لا تحمد عواقبه .
وإنه لمن المهم لنا أن نوضح لأنفسنا حقيقة نجعلها نصب أعيننا ، وان نصارح بها حليفتنا الكبرى معتمدين على الثقة التي ينبغي أن تكون بيننا .
ما هي المصالح التي تعنى حليفتنا بالاطمئنان عليها في مصر ؟ هذا سؤال خطير بغير شك . ولكن لاغنى لنا عن أن نضعه أمامنا في وضوح وصراحة ، إذا شئنا أن نقيم بناء المستقبل على أساس حقيقي . ونحن على يقين من أننا
نستطيع أن نصل إلى تفاهم تام على الأسس العامة التي تمس هذا الموضوع . إن مصر تستطيع أن تكون أمينة على مصالح صديقتها لانها تحس إحساسا عميقا بضرورة التعاهد معها وصداقتها .
وأول شئ يجب أن نزيل اللبس عنه ، هو أن مصر لن ترضي بأية صورة من صور الإشراف السياسي فمصر قد تفتح أبوابها للجميع ، وترحب بجهود الجميع الذين يفدون إليها من اطراف العالم ؛ وهي إنما تطمع في تنظيم العلاقات بين هؤلاء الضيوف وبينها على اساس العدل والكرامة ولكن مهما يكن من امر هذه العلاقات ، فقد اصبح سير مصر متجها بنفسه نحو مداه ، وليس ثمة من حاجة إلى قيام دولة من الدول بالهيمنة على توجيهه بأي نوع من أنواع الإشراف السياسي .
وهناك حقائق أخرى لا بد من الاعتداد بها في مواجهة الغد ؟ فإن مصر بحكم مركزها الجغرافي في العالم سوف تقوم بدور هام في تبادل الخدمات والمنافع مع الأمم الأخرى ؛ ولا يستطيع أحد أن ينكر أن شعبها العامل المجد جدير بأن يقدم للعالم خدمات لاحصر لها في أرض الوطن وبحره وجوه . فالغد يتطلب منا أن نقرر حقيقة موقفنا من حليفتنا على ضوء الظروف المحيطة بنا ، وعلى ضوء آمالنا وعلاقاتنا مع الشعوب المجاورة الشقيقة كلها ، وعلاقاتنا المحتومة مع أمم العالم التي لا غنى لها عن الاتصال بنا بحكم موقعنا الجغرافي الهام والشعب المصري لا يتطلب أكثر ولا أقل من أن يكون مستقبله جديرا بمصر الخالدة ، التى كانت أول منبع للضوء قبل أن تفتح شعوب هذا العالم له أعينها

