هل تكمن وراء كتاب (( حياتى )) عقدة تنتظم كل أبوابه وتطيف بكل فقراته ؟ ماذا تكون هذه العقدة وكيف تلف نفس صاحبها ؟ كيف تبدو وكيف تختفى وماذا هى جذورها الأولى وأصولها العميقة فى النشأة والتربية والحياة ؟ .
ثم ماذا هى المشكلات الكبرى التى تحس ، بعد أن تقرأ الكتاب ، أنها تملأ ذهن مؤلفه ، وتطل من قريب أو بعيد ، وخالط حياته كلها ؟ . . وأين موضع هذه المشكلات ، وكيف وجدت سبيلها إلى أن تستبين خلال هذا العرض ؟ أتحدث عنها المؤلف فى يسر ووضوح أم غلبت عليه فتبدت من وراء الأحداث التى قصها والمواقف التى عرضها ؟ .
الواقع أنك تخرج من قراءة (( حياتى )) بعقدة واحدة وثلاث مشكلات كبرى . . أما العقدة فالحزن ، وأما المشكلات فالقديم والجديد ، والقدر ، والسعادة .
أما الحزن فلندع أستاذنا يتحدث عنه بألفاظه هو ( ص ٣٢٩ ) : (( . . يضاف إلى ذلك حالتى النفسية ، وهى أن تستجيب لداعى الحزن ، ولو صغيرا ، ولا نستجيب لداعى السرور ولو كان كبيرا ، إلا بقدر )) ولنستمع إلى هذا المعنى مرة أخرى بلون جديد (ص ٣٣٤ ) : " لو عرض لى عشر حوادث نسمع منها تستوجب السرور وواحدة تستوجب الهم ، لغلبت الواحدة التسع )) .
ترى ما مصدر هذه العقدة فى حياة ، تتبعها ، فترى أنها أقرب إلى الهدوء وأدنى إلى السعادة . . ليس فيها يتم ولا مسغبة ولا تأييم ، وليس فيها حادث أليم كبير ، ولا مفاجأة ضخمة ؟ .
الذين يعرفون أستاذنا من قرب يعرفون فيه هذا الحزن ممثلا فى لون من ألوان الوجوم ، أو الرغبة فى العزلة والحلوة إلى النفس . ولكنهم لا يعرفونه تغليبا لدواعى الأسى ، ولا استجابة لنداء الهم . . بل إن الذين يعرفونه من قرب قريب ، يعرفون طرافة مجلسه ، وحلاوة نكتته حين تكون النكتة ، وإصابته فيها المحز إن كان يقولها ، وتجاوبه معها وطربه لها إن كان يسمعها . . فما عقدة الحزن هذه التى يلح عليها كتاب (( حياتى )) !
أنا لا أجد مجالا للقول فى هذه الظاهرة الآن . . ولكني أكتفى أن أدلك على ما قال صاحبها فيها ، فهو يحاول أن يرد هذا الحزن فى الأوراق الأولى من الكتاب ( ص ١٠ ) إلى أنه (( كان رابع ولد ولد . ولم يكن أبى يحب كثرة الأولاد شعورا منه بالمسئولية ، ولما لقى من الحزن العميق فى وفاة أختى أبشع وفاة ، فقد كان لى أخت فى الثانية عشرة من عمرها قامت تعد القهوة للضيوف فهبت النار فيها . واشتعل جسمها وشعرها ، وحاولات أن تطفئ غمها أول الأمر فلم تنجح فصرخت ، ولكن لم يدركوها إلا وهى شعلة نار ، ثم فارقت الحياة بعد ساعات ، وكان ذلك وأنا حمل فى بطن أمى ، فتغذيت دما حزينا ورضعت بعد ولادتى لبنا حزيا ، واستقبلت عند ولادتى استقبالا حزينا ؛ فهل كان لذلك أثر فيها غلب على من الحزن فى حياتى . فلا أفرح كما يفر ح الناس ، ولا أبتهج بالحياة كما يبتهجون ! علم ذلك عند الله والراسخين فى العلم )) .
ثم هو مع الزمن يلقى حادثة أخرى أو حادثة أولى هى وفاة أخيه الأصغر ( ١١٣-١١٥ ) فيقول بعد أن يتحدث عن أثرها فى أهله وبيته : (( وأما أنا فقد وضع هذا الحادث على عينى منظارا أسود ، فلا أرى فى الدنيا إلا السواد ،
ولا أحب أن أسمع من الأصوات إلا صوت البكاء ...)) . ثم تكون الحادثة الثالثة بعد سنة وأشهر في وفاة أخيه الأكبر ، وهو لا يتجاوز الخامسة والثلاثين ( ص : ١١٦ - ١١٨ ) (( وكان الحزن شديدا ، وكانت المصبية قاسية ، وكانت النصال تتكسر على النصال . . ))
وبعد أفلا يبدو لك أن ليست هذه الحوادث وحدها على قداحتها هى التى نشرت سحابة الحزن فى هذه السماء الصافية ؟ أترى أن وراءها حادثات أخرى أم أنه جد الأب وتجهمه وصرامة المدرسة ودقتها ورقة مزاج الابن والتلميذ وحساسيته ؟!
وتواجهك فى الكتاب إثر عقدة الحزن مشكلة القديم والجديد ، فأستاذنا أحمد أمين محافظ ، ما فى ذلك شك ، وقد اصطلح على هذه المحافظة البيت الذى نشأ بين جدرانه ، والأزهر الذى بدأ تعلمه فيه . وأخواله الذين يدرسون القرآن فيحسنون قراءه ، وأخوه الذى يتهجد حتى السحور ، وأخوانه وأمه المحجبات ، وغرف البيت التى تعج بكتب الأزهر وثقافته ... والأستاذ أحمد أمين ، إلى جانب ذلك ، متفتح العقل يقرأ للمحدثين ويسمع آراء الإلحاد ( ص ١٨ ) ويلتقى بجماعة من الناس ثقفوا الإجليزية ( ١٥٢-١٦٧ ) وجماعة ثانية ثقفوا الفرنسية ( ١٦٧ ) فيتحدث إليهم فيما يعلم ، ويستمع إليهم فيما يعلمون .
والأستاذ أحمد أمين معمم ، متدين ، طالب للعلم ، قاض ، مدرس يدرس أصول الفقه والمنطق . . ثم هو إلى ذلك ينتسب إلى نادى الجزيرة ، ويلبس (( الشورت )) و (( الجزمة )) البيضاء ، يغدو ويقفز ، حتى يعدو عليه التعب فيعاوده الوقار .
والأستاذ أحمد أمين متصوف النزعة يتصل بشيخ طريقة صوفية ، ويتصل بالطريقة النقشبندية ويعرف أذكارها وأورادها ، ويغلب شعوره الديني شعوره الوطني حتى ليسميه زملاؤه (( السنى )) ويجادل أستاذته فى معجزة نبع الماء من
بين أصابع النبى صلى الله عليه وسلم جدالا ينقلب إلى حدة وغضب . . ولكن أستاذنا إلى ذلك حر الفكر تطالعه النظريات المحدثة فيقبل عليها ويفيد منها ، ويتصل بنظرية النشوء والارتقاء فيقرأ (( شيلى شميل )) ويحاضر فى ذلك في مدرسة القضاء الشرعى ، وتوشك أن تذهب هذه المحاضرة بالمدرسة كلها لولا أن يتدارك الأمر ناظر المدرسة فيفسر المحاضرة بما يرضى ذوى السلطان .
ذلك كله يتعاقب على نفسه ، وهى نفس مرهفة ، ويتوالى على حسه وهو حس رقيق ، ويغزو عقله وهو عقل نير ، فيكون من هذه النشأة والتربية والاختلاط والثقافة وعمق الإيمان الأول . يكون من ذلك إنسان يصف نفسه بنفسه فيقول ( ص ١٨ ) : (( وإن رأيت دينا يسكن فى أعماق قلبي وإيمانا بالله لا تزلزله الفلسفة ، ولا تشكك فيه مطالعاتى فى كتب الملحدين . . . فمرجعه إلى تعاليم أبى وما شاهدته فى بيتى . . . "
آية هذا أنه تعاقب فى الولاية على أستاذنا أبوان : أما أبوه فى النسب فقد زرع فيه الدين والتصوف ، وأما أبوه فى الثقافة والحياة فقد (( أثر فى أثرا كبيرا من ناحية تحكيم العقل فى الدين ، فقد كنت إلى هذا العهد أحكم العواطف لا العقل ، ولا أسمح لنفسى بالجدل العقلى فى هذه الموضوعات ، فالدين فوق العقل ، فإن جاء فيه مالا يدركه العقل آمنا به ، لأن علم الله فوق علمنا ، وهو أعلم بما يصلحنا وما يضرنا ، وهو - يعنى المرحوم عاطف بركات - يأبى إلا تحكيم العقل والبحث عما لا نفهم حتى نفهم ، وكان له غرام بالبحث ، وصبر على الجدل ، وطول نفس فى المناقشة ، حتى ليفضل من يناقشه أن يسكت أخيرا ولو لم يقتنع ، من طول ما أدركه من التعب والعناء . . فكان من أثر هذا الجدال الدينى أنى أعملت عقلى فى تفاصيل الدين وجزئياته ، أما جوهر الدين من إيمان بالله وجلاله وعظيم قدرته فظل ساكنا فى أعماق قلبى لم ينل منه أى جدل ولم يتأثر بأى قراءة ، وكل ما في
الأمر أنى صرت أكثر تسامحا مع المخالفين ، وأوسع صدرا للمعارضين ( ص ١١٩ ) .
والمشكلة الثانية بعد مشكلة (( القديم والجديد )) مشكلة ((القدر)) ويظهر أن هذا القدر يدبر كثيرا من الجدل والنقاش ، ويبعث كثيرا من الاهتمام والتفكير فى نفس أستاذنا وفى أعماقه الشاعرة واللاشعورية . . ولا يبدو أثر هذا التفكير سافرا دائما فى كتاب (( حياتى )) ولكنما تعبر عنه اللفظة وتصوره الإشارة ، وقد تدل عليه الجملة فى أقل الأحايين . واقرأ في ( ص ٦ ) هذه الفقرة المركزة :
(( وهكذا ألاعيب القدر : ظلم صراف البلدة أخرج أبى من سمخراط وأسكنه القاهرة حيث ولدت وتعلمت ، ولولا ذلك لنشأت فلاحا مع الفلاحين أزرع وأقلع ، ولكن تتوالد الأحداث توالدا عجيبا ، فقد ينتج أعظم خير من أعظم شر ، كما ينتج أعظم شر من أعظم خير ، ولا تستبين الأمور حتى يتم هذا التوالد ويظهر على مسرح الكون .. ))
ويظهر أنه كان لقصص جدته حول القدر ( ص ١٢ ) أثر من ذلك فى نفسه كما يبدو أن بعض الحادثات فى حياته قد فتحت له الحديث فى ذلك والخوض فيه ، مثل تثبيته فى بعض الوظائف ، ومثل قصة الباشا الذى أبى على خط الترام أن يمر أمام بيته ، وبخاصة حادث نجاته من سقوطه فى الماء ( ص ٢٤ ) (( وكم من أرواح نجت بمثل هذا وأرواح ضاعت بمثل هذا أيضا - وعلى كل ففلسفة الحوادث وفلسفة القدر غامضة عجيبة .
إن مشكلة القدر هذه تطل برأسها فى كثير مما كتب أستاذنا فى " حياتى " وغيره ، وهى تتخذ أحيانا شكلا آخر ، شكل الموت والحياة ، والخوف من الموت ، والتشكيك فى قيمة الحياة ، والصلة بين هذا العالم والعالم الآخر ، مما لا مجال للحديث عنه هنا عبر هذا الكتاب الواحد من كتبه الكثيرة .
مشكلة ثالثة تختفى وراء الأحداث وتظهر مع التأمل ، هى مشكلة (( السعادة )) .. قد تكون فرعا عن مشكلة
القدر ، وقد تكون وجها ثانيا لها ، ولكنها على كل حال مشكلة تبدو فى خلال الأحاديث المختلفة ، ولعلها أشد ما تكون بدوا حين قرن بيته الجديد إلى بيته القديم فى مطالب الحياة ( وكثرت مطالب الحياة لكل فرد وتنوعت .. فتصادمت وتخاصمت ، وكان ضحيتها سعادة البيت وهدوؤه ) وفى أثاث البيت ( وغزت المدنية المادية البيت ، فنور كهربائى و .. وأشكال وألوان من الأثاث ، ولكن هل زادت سعادة البيت بزيادتها ؟ ) وفى نشدان الزوجية والحياة الزوجية ( ١٧٠-١٨٦ ) .
أترى استطاع مؤلف (( حياتى )) أن يحقق السعادة التى يرجو ؟ ما مدى ذلك ؟ وما كان يعكر عليه من صفوه ؟ أليس التوفيق الذى أصابه فيما وسد إليه من أعمال كفيلا أن ينثر الزهور البيضاء فى طريقه ويملأ أفقه بعبير السعادة ؟ أم هى عقدة الحزن غلبت تشاؤمه على تفاؤله ؟
يبدو عسيرا أن نلمح جوابا فى (( حياتى )) فما من الله عليه به من توفيق فيما زاول من أعمال ( ٣٤٥ ) يشعرك بالطمأنينة والسعادة ، والاصطدام بالواقع والبيئة من حوله والعقبات فى طريقه ( ٣٤٤ ) تنتقص هذه السعادة .. ثم يلعب من وراء ذلك مزاج حاد دقيق دقيق يحمل الهم ويخاف العواقب ( ٣٤٤ ) ، شديد الحساسية للكلمة والفعل ، لا ينام الليل للكلمة النابية يسمعها أو تصدر عنه فى حق صديق ( ٣٤٤ ) . ما أشد ما يلقى أولئك الذين يعيشون فى عواطفهم الطاهرة .
هذه هى العقدة والشكلات الثلاث من ورائها .. أما العقدة فعقدة ذوى القلوب الكبيرة التى لا تسعد وفى النبع قذاة وفى النسيم ذرة غبار ، وعلى الزهر آثار ذبول .. وأما المشكلات فليست مشكلات فردية ، ولكنها مشكلات الإنسانية كلها ، والعقبة التى يقف عندها المفكرون والفلاسفة والمتأملون . ( القاهرة )

