يدين الله الإنسان أن يشعر في أعماق نفسه شعور الاحساس بالجن البشري وبوحدته معه وفنانه فيه وخدمة أفراده ومجموعه وأهدافه العليا .
وفي ضمائر بعض الناس أغوار عميقة رحبة في حبها الانسانية وشعورها بها وبوحدتها معها . كان قلوب الأمهات في شعورها بأبنائها
لاشك أن هذه القلوب تستمد من فيوض رب الرحمة والمون والحب ! ولا شك أن ضمائرنا تأخذ من ضميره تعالى وتنظر إليه دائما
وان استطيع أن أفسر التضحية الكاملة والغيرية والإيثار العجيب ، تلك الصفات التي مجدها في قلوب خدام الانسانية وأبائها وروادها ، إلا إذا قلت إن يد الله تعمل في هذه القلوب وتنتصل عن طريقها بخدمة الحياة وحفظ لبابها ، وتعمل أعمالها العظيمة للاصلاح عن سبيلها .
وإلا فما هذا الشعور العميق عند هؤلاء بالفناء في خدمة الجنس ؟ ! إنه من عالم غير ارضي . . وإلافا هي العدالة ، التي رضي البشر جميعهم الدعوة إليها منطلقة من تلك القلوب ، ولهجوا باسمها وطالبوا بإقامة الدول والمجموعات البشرية والعلاقات الدولية علي اسمها ؟ إنها إن لم تكن مستمدة من عدالة السموات فما هي إلا لفظ كملية فارغة يملؤها كل حاكم قوي بما يهوى
إن هذه القلوب ذات العمق والاتساع تشعر شعورا أكيدا ان كل ظلم او فساد يقع على انسان او مرفق من المرافق الصالحة لحياة الانسان إنما هو واقع عليها بالذات وتحس بلسعة الأفعى كلما أصاب الأفراد أو المجموع ظلم أو فساد
لا شك أن الله تعالى خلق هذا النوع من القلوب لحفظ المجتمع القاصر وإرشاده كما خلق غرائز الأمومة والأبوة لحفظ الطفولة وإرشادها
حدود الجنس :
ودائما يشعر هذا الصنف من الناس أن حدوده مع الله تعالى تكون حيث حدود الآخرين . . وان منطقة متاخمة ذاته لذواتهم يقف عليها حار من يقظ هو ذلك الذي يسمونه الضمير ، ومعه جرس التنبيه تدقه يد الله من داخل النفس فلا يسمع رنينه إلا حامله . . وهو حارس حريص على أن يرفع صوته دائما سواء استجيب له أم لم يستجب .
وحيث تتنادي أكثر ضمائر الإنسانية وتتقابل أصواتها على شيء ما فقم حدود الجنس كما أقامها الله ! .
مطلقة فهاصة بالجماعة :
والانسان الاجتماعي ينبغي ان تكون له عقلية وشعور وأمال تغابر ما يكون للفرد الأبد المتفرد مغابرة كامة . وليس الأمر في الانتساب إلى جماعة والعيش معها امر عنوان أو رابطة ظاهرية ، وإنما هو امر عميق في النفس لا امر خوف من الانتقادات أو قوانين العقوبات . . هو امر إحساس بالذات في مجتمعها او بالأحري امر احساس باجتمع في الذات ! وكل مصائب الاجتماع ناشئة من ترك ادوار النمو في الفرد بدون رقابة وتمهد رشيد يسهر على إنبات النفوس نباتنا اجتماعيا مسائلا ، لا نموا شيطانيا طاغيا ، وإن حياة الجماعة يجب أن يخضد الاشواك في أعواد الأفراد ، وتجمع تلك الاعواد كما تجمع طاقة الزهر في تنسيق وتصنيف ، لا تختلط معه أشوا كها الحادة المشرعة بأورافها الرقيقة الحريرية فتمزقها كمزيقا وتعكس المطلوب من جمال منظرها مجتمعلة إلى قبح منظرها مجتمعة ممزقة
أجل ، إن برائن الناس وأنيابهم في الأمم المنحطة التى لا تزال الفردية والانانية متغلغلة فيها عزق وجوههم وتقطع روابطهم فتبدو حياة اجتماعهم قبيحة الظواهر قبيحة البواطن ، ويشعر الانسان الحر العامي القلب بالمعاني السامية أن حياة التفرد والعزلة أجمل وأكمل وادعي إلي راحة الفكر وصيانة أمانات الحياة في النفس .
في الضرورة الصغرى
والناس لا يزالون في دورتهم الصغري حول نفوسهم وذواتهم وقومياتهم . . لا يزالون محكومين بأنانيتهم ورغباتهم الخاصة كما يحكم الاطفال بغرائزهم الدنيا وحدها . أما دورتهم الكبرى كجنس عظيم يعمر الأرض ويثيرها ويسخرها مسددا إلى هدف واحد فتلك لما يشعروا بها بعد . مع أنها من الغابات العظمي لخلقهم . .
الضرورة الكبرى :
انني أشعر أنه يجب أن تسقط اللغة والوطنية والقومية الان من حسابنا حين نتحدث في شان الايمان بالجنس . . وأن ننظر إلي الإنسانية الواحدة من أزلها إلي حاضرها ونتخيل مستقبلها لنراه وحدة جامعة تسير في دورة كبري يخطى مطردة في طريق تعلو وتسمو
وقد أخذت كل أمة تقريبا دورها التاريخي في حمل الشعلة على طريقتها الخاصة حتى ضعفت يدها عن حملها فتسلمتها أخرى حتى وصلت الحال الآن إلي أن الأمم جميعها توشك أن ترفع بأيديها مجتمعة شعلة الحضارة
ميرهد واحد :
وإننا حين نجرد الأشخاص الإنسانية من جلودها الملونة والسنتها المختلفة نجد جوهر واحدا في قلوبها وعقولها ؛ فالعواطف الشريفة والنوازع الخسيسة واحدة في الجميع ، والاستجابة لحجج الحق والعدل واحدة في عقول الجميع
وفي كل مكان وجدا زرعا إنسانيا متشابها في طباعه واجتماعه على المعاني للكلية التى تنظم حياته وفي نلبته لدواعي العلم والجد واللعب والحياة والمجد . وما وجد في مقادير ذلك من تفاوت فهو لا يضير وحدته ولا يمنع الاعتقاد بأنه من بذرة واحدة
نعم إن الله بذر بذور النوع الإنساني في بقاع الأرض المختلفة الطبيعة وجعلها تنبت متباعدة في عهد طويل حتى تكونت الإنسانية الحالية منوعة الظواهر بفعل الامكنة والتربية واختلاف اللغات وتنوعت أفكارها تبعا لذلك
فمن أراد بعد ذلك أن يمحو آثار ذلك كله فهو جاهل غائب . ولكنه يستطيع أن يجمعها على صفائها الكلية الشتركة وجوهرها الواحد ، ويقيم حياتها السياسية والاقتصادية على العدالة التي تدركها عقولها وضمائرها جميعا . ثم يترك امر تفرقها في الفرعيات بدون محاولات
فالناس لا يمكن جعلهم أمة واحدة في غير العدالة والمجال السياسي والاقتصادي ، لان غير ذلك مناقض لقوانين الفطرة في اختلاف الناس اختلاف كبيرا في الامزجة واللغات والالوان وسائر الفرعيات ؛ إذ ان خالقهم اراد تمايزهم وتنوعهم هكذا ليتعارفوا وتكثر معاني المعرفة بينهم تبعا لكثرة التفرع والتغاير والتميز والاختلاف ، ولانه نوعهم كما ينوع البستاني الحاذق الثمار والأزهار ، فذلك أجمل وأوقع وأدهي للتنشيط وكثرة المعلومات والأذواق . . أما التوحيد السياسي والاقتصادي في نطاق واسع مشترك ملحوظ فيه حق كل وواجباته سواء ا كانت " الوحدة " في ذلك النطاق الفرد أمة . . فذلك ممكن ما دام مدعما بوسائل القوة والسرعة والإخضاع للتنظيم واحترام السلامة الإجماعية واشتراك الجميع في إخضاع الثائر علي نظام الجميع
ومهما فعلت العامية في نفوس الساسة المتخلفين عن إدراك هذه الحقائق السامية في حياة الجنس والقاعدين عن الوصول إلى قيمة الفكر والخلق ، الذين يأبون أن يعترفوا مما توحى به حقائق العلم والإيمان وتسير الزمان ، ويقيمون الحدود المصطنعة بين القلوب والأفكار التي وحدها الله ، ويجعلون الفروق السطحية موانع وعقبات كأداء لا يمكن اجتيازها - مهما كان من ذلك ، فإن السيل الجارف والتيار الدافق النابع من عالم الفكر الإنساني والضمير الواحد ، سوف يجتاح ما اقاموا من سدود ويدمر ما صنعوا ويأكل ما كانوا يعملون !
وقد انبثقت البثوق في تلك السدود واتسعت الثغرات بما قدمته الكهرباء الساحرة والأثير الجامع والعلم ذو
الطبيعة الواحدة الموضوعية ، ومما قدمته الحروب القديمة والحديثة من مزج الدماء حتى يخرج منها لون جديد ترراه بصائر الأبناء بعد هلاك الآباء !
وإن أحداث القوة والدم وفتوحات الروح والعلم هي التي تستطيع دائما ان يجعل دائرة الجوهر الإنساني الواحد أساسا مشتركا لتلافي الضمير الواحد للأمم والأفراد ، على استنكار جرائم القوة والدم والاستكثار من فتوحات الروح والعلم

