للثقافة فى باكستان صبغة استبدادية قديمة قدم الدين ، ويرجع تاريخ ظهورها الى تاريخ ظهور الشريعة المنزلة التى تعتبر الاساس الوحيد المقيد لاهداف مصير الانسان . وكلما رمى الدين الى اقامة نظام اجتماعي عادل ، صار من الحتمى المتأكد أن تستقى المبادىء المدبرة لشؤون الحياة مضمونها من الارادة الالهية كما بلغها داعى الأنبياء والكتب المقدسة ، وكما أولها الحكماء . فمهمة الماسكين لزمام التعليم الديني صادرة عن الهام الاهى ، وهى لا تتضمن فى ابقاء محتويات الثقافة وطرقها تحت نفوذها فحسب ، بل فى وقاية الحق من شائبة حرية التفكير الشيطانية .
ونعلم أن الخضوع لهيمنة النفوذ القائم كان دائما أمرا من أهم مقتضيات الدين . فلقد كان للملوك في العصر الوسيط نفوذ روحي حتى أصبحوا المصدر الوحيد لجميع الاحكام ، وكذلك المشرعين المطلقين لدولهم . فكان الذين يتئامرون على ملوكهم أو يثورون عليهم يعتبرون اخوان الشياطين ويعاقبون شديد العقاب . ولم يظل عهد الحرية في القرن الثامن عشر ، لان الفرد ، بعد ما تحرر ساعة ، لم يلبث ان سقط تحت نفوذ الدولة السائرة حسب برامج مضبوطة نتيجة للملابسات المتشعبة الناشئة عن التصنيع والتجارة فى هذا العهد العلمي الحديث .
شك أن تفاعل الامم فى القرن العشرين ناهض المفهوم القومى للدولة ، ولكن هذا التطور لم يرجع الى الفرد حريته التى نزعت منه ، حرية الاستعلام والتثقف . فلم تلبث هذه القومية العالمية ان صبغت بصبغة الشيوعية أو الديمقراطية ، حتى لجأت بلدان متعددة الى وسائل ضغط عجيبة كى نقى المواطنين شر المذاهب الفكرية الهدامة .
ويمكن اليوم أن نرى فى الشرق - هذه البلاد المتخلفة فى اقتصادها وغير المستقرة في سياستها - أربعة أنواع من النفوذ : الهيمنة الشيوعية فى الصين وشمال الفيتنام والعراق ، والهيمنة الديمقراطية فى تركيا وباكستان والفيليبين والهند الصينية ، والهيمنة الاوتوقراطية فى أفغانستان وايران والعربية السعودية ، والهيمنة الحيادية فى أندونيسيا وبرمانيا والهند والجمهورية العربية المتحدة . وفي جميع هذه البلدان تقريبا نرى طبقات أرسطقراطية
وصلت بنفسها الى دفة الحكم ، تفرض على الثقافة غايات تتماشي وطموحها السياسى ، وهم يؤكدون فى أن كل الاضطهادات هى وسيلة لحماية الطريق الوحيدة - لا الفضلى ولكن الوحيدة ! - التى تؤدى الى السلام
وهكذا نجد أربعة عوامل أساسية تجعل من جهازنا التربوى جهازا عقيما : عنيت بها العوامل التى ترجع الى السياسة والدين والمجتمع والاقتصاد . أما مصالح السلط الاجنبية فكان يقوم بها موظفون صغار أحسن مما يقوم بها رجال قادرون على الاضطلاع بمسؤوليات سياسية عظمى وذوو فكر واسع متفتح للبحث .
لقد كان من السهل أن نقلب هذه الثقة التى يضعها الطفل فى مولفى Maulvi وهو هرب دينى " الى انقياد خالص من شائبة النقد لآراء الاستاذ الذي يدرس المواد التى لا تمت الى شؤون الدين بصلة ، عندما يكون الطفل فى مستوى المدرسة الثانوية
فالعائلة فى باكستان تفرض على الطفل التسليم تسليما مطلقا باراء المعلم ، وكذلك المعلم يتظاهر بالنفوذ المطلق كي يضطلع بمسؤولياته الاجتماعية ازاء مجموعة تتخبط فى ظلمات الجهل . وهكذا صار الطفل لا يطمح الا الى تحصيل رتبة محترمة تعتبر وسيلة لبلوغ منصب فى الدولة ، دون أن يحاول اعمال الفكر فى المعلومات التى حفظها .
الباكستان بلد فتى ، يجتاز اليوم مرحلة انتقالية . فلا بد من البحث عن اجراءات تمكننا من حل عدة مشاكل ، منها :
كيف نعيد النظر فى النظام التربوى مع احترام الاتجاهات الفكرية الخاصة بالباكستان ؟
كيف نجعل الثقافة فى خدمة الحياة ؟
كيف نوفق بين التربية الابتدائية والتربية الثانوية والتربية العليا ؟
كيف ننمى الشعور الوطني بطريقة التربية ؟
وكيف نحيى شعور الحرية والمسؤولية فى نفوس التلاميذ ؟
كل هذه المشاكل تلفت انتباه المربين الذين يبحثون عن وجود حلول موافقة لها ، رغم ما يعلمون فيها من صعوبات وتشعبات .
ان التعليم فى باكستان أمر من مشمولات الدولة ، فالجامعات نفسها تعيش على منح حكومية ولا بد لها أن تقبل تدخل الحكومة في شؤونها . أجل ، لقد برزت للوجود لجنه تهتم بالاعانات والمنح أنشأتها الحكومة المركزية كي تدرس هذه المشكلة . ولكن يجب أن نترقب طويلا لنرى الجامعات تفوز بحرتها الكاملة فتصبح اذن طريقا حقيقية تؤدى الى حرية التفكير
ان مراقبة الحكومة للتربية والتعليم أمر لا مناص منه فى البلدان التى لا تزال خاضعة للطبقات الارسطقراطية المهيمنة على العقارات الشاسعة ، هذه البلدان التى عليها أن تخوض اليوم معركة الحضارة الصناعية . ولا تزدهر الحرية الفردية ولا تبرز مسؤولية المواطنين بانشاء مؤسسات تربوية ثقافية خاصة الا اذا ازدهرت صناعة متحررة . ومعلوم أن باكستان لا يزال بلدا ضعيفا صناعيا ولذلك لا يزال تمويل المؤسسات الحرة ضئيلا ، خصوصا فى الميدان الثقافي
ولقد باءت مساعى عدد من الجامعات بالفشل كجامعة بنجاب فى محاولتها للتحرر من ربقة الاعانات المالية الحكومية . وان الضغط المالى الذى تفرضه الدولة على الجامعات حال دون أن تضطلع هذه المعاهد بمهمة تنمية حرية الفكر والبحث التى لو تتحقق - قد تؤدى الى اصلاح نظام العلاقات الاجتماعية والاقتصادية أو تغييره .
ولم يفتأ باكستان ، منذ الاستقلال ، خاضعا لسلطة جماعة من أصحاب العقارات عمدوا الى الحد من التعليم الابتدائي ، والى جعل الثقافة في المعاهد والجامعات ثقافة نظرية فى جوهرها . وأن تغيير هذه السياسة قد يؤدى الى تنبيه الطبقات الشعبية فيجرهم أما الى ثورة صاخبة ضد أصحاب هذه الاملاك الشاسعة ، وأما الى تقريب الطبقة المثقفة ثقافة صناعية من دفة الحكم السياسي
وهكذا كلما برزت مشكلة تحوير التعليم لتوضع على بساط الدرس التجأ المسؤولون الى اعتبارات دينية كى يطمسوا وجه المشاكل الحقيقية المتعلقة بمقاومة الامية فى السواد الاعظم ، وتحسين المستوى الفنى ، وتطوير البحوث المتصلة بالعلوم الاجتماعية ، واعانة الطبقات الضعيفة على الالتحاق بالمعاهد الثانوية والعليا .
أما العقبات الاخرى التى تقف حجر عثرة فى طريق تحوير جدى ، فناشئة عن غموض أهداف الثقافة ، وعن عدم الاستقرار الذى نلاحظه في المواقف الفكرية : مشكلة النفوذ والحرية ، مشكلة المساواة في الميدان الثقافي ومشكلة تحديد الثقافة حتى نعلم هل هي دين أو فلسفة أو معرفة أو مجرد وسيلة للظفر بمهنة . كل هذه المسائل تبعث اليوم الاضطراب فى نفس الرجل العادى وفي نفس المثقف أيضا . ولكن كلاهما يعتقد أنها مسائل ستحل حتما في الابان
فالرجل العادى يزداد كل يوم تعلقا بانثقافة بل نلاحظ عند المثقفين وسواد الشعب على السواء وعيا عاما للتقدم الذى يجب تحقيقه ، وللمصلحة العامة .
كان الاستاذ - حتى السابع من أكتوبر المنصرم ، وهو اليوم الذى انتزعت فيه القوات العسكرية الباكستانية مقاليد الحكم من السياسيين الاقطاعيين يعتبر مجرد موظف يساهم فى تثبيت النظام الاجتماعى على عدم المساواة الاقتصادية . ولم تمض أشهر على حكومة الجنرال الرئيس محمد أيوب خان حتى نكونت لجنة للتربية الوطنية أسندت اليها مهمة تحوير السياسية التربوية في البلاد طبقا لاهداف الثورة . وفى الوقت نفسه تقريبا أسس الرئيس - عن
تدبر - لجانا مهمتها تحوير النظم الفلاحية والادارية ، فاذا ما قررت هاتان اللجنتان الاخيرتان محو الجمود الادارى وقررت تحديد الملكية العقارية ، فلا شك أن اللجنة الاولى أيضا ستحاول بعث روح جديدة فى الثقافة التى قد هدمت كيانها تقاليد قديمة عتيقة .
فليس للقوات العسكرية في البلاد أية صلة بمصالح طبقة الاقتطاعيين ورجال الدين ، لذلك هي قادرة على تجديد النظام الثقافى حسب حاجات مجتمعا الجديد . ومنذ أن فارق السياسيون الاقطاعيون مجتمعنا بعد ما كانوا يظنون أنهم يمثلون الشعب بأكمله ، صار من الممكن العمل على تطوير ادارتنا المستبدة الى ادارة أساسها القيمة الشخصية وهدفها السهر على مصالح الشعب ، ولكن هذا الهدف لا يتحقق الا بعد مراجعة أصلية لطرق التربية وغاياتها . فمن واجب المربى أن لا يكون آلة يبث الآراء الماقبلية ، بل أن يضطلع بمهمة مفكر اجتماعي ، يعطف دوما على تفهم حقيقة الآراء التى تتولد فى تفكيرنا الاجتماعى ويجتهد دوما في ايصالها الى عقول الشباب باعتبارها أساسا للمعرفة لا وسيلة دعاية .
لا تزال حتى اليوم معظم العلوم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والصحافية على الخصوص مطبوعة بطابع الجمود . أما مادة هذه المعارف النظرية التى تقدم الى الطلبة فى مختلف الميادين ، فقد كان يديرها ويحددها المسيرون الاجانب فيجعلونها موافقة لاهداف سياستهم ومصالحهم . وقد كانت كل هذه الميادين محدودة لا تصل الى مجال الحياة اليومية فى مستوى الفرد أو المجتمع خوفا من أن تصبح قاعات الدرس مصدرا للوعى السياسى.
فعلى طالب الغد أن يقبل على البحث الثابت المنظم كى يحل محل هذا السلك من الدراسات المسطرة طبق برنامج مقصود ، تعليما يكون ذا قيمة نثق بها فى بلادنا ، عليه أن يدرس العلوم السياسية والاقتصادية والصحافية التى ستصبح ، بفضل اجتهاده في التعرف على المجتمع الانسانى ، وسيلة لتحرير نفسه لا للضغط عليها ، وهكذا يتمكن من تحطيم الجواجز التى تفصل هذه الميادين العلمية بعضها عن بعض ، وعليه أيضا أن ينظر دوما فى حوادث التاريخ وفي ما تبديه الجماعات من ردود نفسانية ، وفى تأثير الجغرافيا على الاستراتيجية وفي معطيات الثقافة الفنية والاقتصادية كي يتسنى له شرح طرق تفكير المجتمعات الانسانية القائمة وطرق حياتها ، وكي يتمكن من ابداء نظريات جديدة لفهم التقدم الانسانى والمساهمة فى تطويره
لا شك أن تأثير هذا التحرر الثقافي سيكون عميقا في التفكير السياسى وفى مختلف المؤسسات فى البلاد . وبذلك تصبح مختلف المؤسسات والجامعات أكثر وعيا للمهمات والمشاكل ، فتنقص حدة الازمات بين مختلف الطبقات وتوضع أسس جهد انشائى عظيم ، غايته تجديد الاهداف السياسية والاجتماعية فى كنف المساواة الديمقراطية .

