(قل ما شئت من خير في الأدب العربي الحديث، وسمه كيف شئت. فهو أدب عالمي، وهو أدب حي. وإنك لتجد فيه شعراً غزير المادة وخيالاً خصباً في عنفه ولطفه، وإنك لتجد فيه قصصاً جذابة صادقة الإحساس جميلة التصوير.
(ولك أن تطلق على ثقافتنا ما يروقك من النعوت. ولك أن تحلي جيدها بما يعجبك من جميل الألقاب. فإنك لتقرأ فيها من الانتقاد دقيقة وتصيب من الفن جليلة.
(لك ما تشاء، ولكن، ناشدتك المولى، لا تنعت أدبنا الفكريّ ولا ثقافتنا بالعلمية، لأنك لا تجد في أدبنا تفكيراً بحتاً ولا في ثقافتنا علماً صرفاً. ولست بهاضم لحقوقهما إذا قلت أن أضعف ما فيهما التفكير وأقوى ما فيهما الخيال).
بهذا التصوير قدَّم الأديب السوريّ الأستاذ يوسف باسيل شلحت كتابه (علم الاجتماع الديني) ويتحدث فيه عن أكثر الأديان بدائية عند الُجلْف المتخلفين من قُطَّان استراليا والقبائل المتأخرة في بقاع العالم. وهي مقدمة أحسب أن فيها تجنياً كبيراً على الأدب العربي وليس أدل على ذلك من أن المؤلف ذيّل كتابه بقائمة مراجع عربية للأستاذة الدكتور هيكل باشا ونقولا الحد دوجرجي زيدان والريحاني وسواهم ممن كتبوا كتباً علمية نفيسة، فضلا عن أنه في مستهل كتابه إلى مؤلَّفيْ الدكتور
علي عبد الواحد وافي في علم الاجتماع وهما كتابان خيَران، وإلى باقي مؤلفات الجمعية الفلسفية المصرية.
وكتب الأستاذ شلحت توطئه عن علم الاجتماع انتقل إثرها إلى البحث عن تعريف (للديانة) فلم يضع لنا تعريفاً شاملاً، بل أشار إشارات عابرة إلى تعريفات وضعها بعض فلاسفة الفرنسيين والألمانيين ومعظمها سطحي. وهناك تعريف للديانة لم يشر إليه الأستاذ شلحت وقد أورده الأستاذ رايتًW.K.wrlght في كتابه (فلسفة الأديان) وهو: (إن الدين محاولة لإحراز القيم الاجتماعية المعترف بها وصيانتها عن طريق أداء أفعال معينة يُقصد بها الاستعانة بوسيط معين يختلف عن الذات الشخصية للفرد، وعن جميع الكائنات البشرية، مع الشعور بالاعتماد على هذا الوسيط) .
وأعتقد أن هذا التعريف أشمل ما وضُع، لأنه يستطيع أن يحتضن معظم الأديان المعروفة، فطرية وحضرية. ولا ريب في أن التواضع على تعريف معين أمر غير يسير، وقد أصاب الأستاذ سيلرز Selersعندما قال: (إن معظم الأشياء الفائقة القيمة يصعب تعريفها على حدٍ سواء).
وكتاب (علم الاجتماع الديني) من الروّاد في هذا الباب، ويكاد يكون أشمل كتاب صادفني باللغة العربية في علم فلسفة الأديان. غير أن المؤلف لُم يشر إلى الديانات البدائية سوى إشارة خاطفة، وقصر معظم كلامه على الحديث عن (الطوتمية(1)) .
وكنا نود أن يفيض في البحث في الأديان الأخرى الممّيزة عن شؤون الحياة (كالتودا) و (الباجاندا) و (الفيدا) و (المانا) لأن الإشارة الخاطفة إلى بعضها لا تكفي في مثل هذا المبحث.
وختم الأستاذ شلحت كتابه بفضل رائع عن مستقبل الديانات قال فيه (إن الديانة لن تظل على ما كانت عليه في الأعصر الأولى تقيد حركة الأفراد وتمنع عنهم سبل التفكير الحّر. فإن التطور الدينيّ يحملنا على الاعتقاد أن العقول متجهة إلى التخفيف من نير رجال الدين عن رقاب العباد وإلى التقليل من هول الدين في أعين الناس) . ولست أذهب إلى الاتفاق معه على هذا الرأي
ولكني أرى أن الإنسان متى أقلع عن الإثم لأنه إثم لا لأن الدين يحضه على؛ وإذا فعل الخير لأنه يرى أنه خير لا لأن الدين يحضه على ذلك، أصبح الإنسان في حالة دينية سامية، لأنه بتصرفه ذاك يجعل الدين جزءاً من حياته اليومية، شائعاً في جنبات روحه حتى ليعصى الفصل بين روح المرء ودينه. أما التظاهر بالدين والتباهي بالقداسة وممارسة الفرائض الدينية بطرق آلية، فهذا امتهان للدين أكثر إكراماً له.

