تقدم الزحف اليابانى حتى وصل فى ثلاثة أشهر ونصف شهر إلى أبواب قارة أستراليا . ومنذ شهر أو أ كثر نشرت هذه المجلة مقالا ، حاول فيه كاتبه أن يقسم الميدان فى تلك الجهات التالية إلى قسمين : قارى ينتهى إلى الهند ، وجزرى غايته أستراليا ، ولم تصل القوات اليابانية بعد إلى باب الهند تماما ؛ ولكنها بعد احتلال عاصمة برما ، واستيلائها على دلتا نهر إبراوادى ، قد أصبحت وليس بينها وبين الهند سوى بضع مئات من الأميال ؛ ولا يد للقوات اليابانية لكى تصل إلى الهند ، أن تتجه نحو الغرب . ولكنها لا تستطيع أن تفعل ذلك حتى تخضع القوات المرابطة شمال رائجون ، وما بين رائجون ومندلاى .
وقد توهم بعض الكتاب أن اليابان تريد وقف الزحف على الهند ، لكى تتفرغ للزحف على أستراليا ؛ ولكن الوقوف عند برما أمر لا يرجع إلى إرادة اليابان وحدها ، بل للقوات المتحالفة فى هذا رأى أيضا .
فليست المسألة إذا مسألة رغبة اليابان فى الا كتفاء بقطع طريق برما ، ثم الوقوف موقف الدفاع ، بل هى أيضا مسألة رضى الحلفاء بهذه الحالة ، وعدولهم عن الهجوم .
على أنه ليس من المعقول أن تتخذ اليابان ذلك الموقف وهى تعلم أن الزمن يعمل لمصلحة أعدائها ، وأنها إذا لم تحاول الحصول على انتصار باهر سريع ، فان مر الزمان لا يدنيها من ذلك النصر ، ولا يقربها من تحقيق رغباتها .
وقد ساعد تطور الحرب فى المحيط الهادى وفى
الشرق الأقصى ، على الفصل بين هذين الميدانين ، بعد أن كانت بينهما صلات وروابط مباشرة . واستقل كل منهما بقيادته الخاصة ، وتولت بريطانيا أمر الميدان الهندى الصينى ، تمده بالرجال والعتاد . وتولت ولايات أمريكا المتحدة شئون الميدان الأسترالى ، وإمداده بالجند والذخائر والعدة الحربية . وقامت حكومة أستراليا بخطوة تنطوى على كثير من الجرأة النادرة ، بأن طلبت بنفسها إلى أمريكا تولية الجنرال ماك آرثور الأمريكى بطل القلبين ، رئاسة الجيوش المحاربة فى أستراليا ، على ما فى هذا من فضاضة لابد أن يحسها القواد الأستراليون . ولكن
حكومة أستراليا كانت أعلى نظرا من أن تتمسك بالمظاهر التافهة ، وكان قرارها هذا ينطوى على كثير من الحكمة ، فليس الأمر مقصورا على تولية قائد ناجح جرئ . أمر الدفاع عن القارة ، بل إن فى هذا ما يشعر الولايات المتحدة بأن هذا الميدان الآسترالى قد أصبح ميدانها ، وأن عليها ألا تألو جهدا فى إعداده وإمداده ، وهى وحدها التى تستطيع أن ترسل إلى هذا الميدان سبلا متدفقا لا يكاد ينتهى من القوات والعدة الحربية . لهذا كانت الخطوة التى خطتها أستراليا لا تنطوى على الجرأة فقط ، بل على الحكمة وحسن التبصر فى الأمور أيضا .
وهناك ظروف تجعل تقسيم الميدانين بين أمريكا وبريطانيا أمرا طبيعيا . ذلك أن الهند متصلة اتصالا وثيقا بالشرق الأوسط ، حيث توجد قوات بريطانية ومصالح بريطانية عديدة . وكثير من الامدادات البريطانية ترسل إلى المحيط الهندى ، منذ زمن طويل ، عن طريق المحيط الأطلسى الجنوبى ؛ ومع أن هذا الطريق لا يخلو من أخطار ، فأنه على كل حال طريق لابد من سلو كه . وقد سلكته السفن البريطانية إلى الشرق الأوسط ، وهى الآن تتخذه وسيلة لامداد الهند أيضا . والجزر البريطانية أقرب إلى الهند من الولايات المتحدة الأمريكية .
أما الميدان الاسترالى فهو أدنى إلى الولايات المتحدة ،
والطريق إليه أكثر أمنا ، لأن الامدادات تصل إليه عن طريق المحيط الهادي الجنوبى ، والمسافة بين أمريكا وبين أستراليا تبلغ نحو ثمانية آلاف من الأميال ، ولكن المسافة بينها وبين بريطانيا تزيد على أحد عشر ألفا من الأميال . وهذا الطريق الجنوبى شديد البعد عن الجزر اليابانية ، ولم تستطع غواصاتها وطائراتها أن تهدده تهديدا جديا ؛ وفى الطريق جزر كثيرة تابعة لبريطانيا ، أو فرنسا الحرة ، وفى طرفه الغربى جزر زيلنده الجديدة ، التى يمكن الاعتماد عليها فى حماية الشطر الغربى من هذا الطريق ، وإمداد السفن التى تسلكه بما قد تحتاج إليه من الوقود والزاد .
ولم تستطع اليابان بعد أن تضع قدمها فى بعض جزر هذا الطريق ، الممتلئ بالجزر . لأن اليابان تمشى خطوة خطوة فى توسعها ، ولا بد لها أن تقطع مرحلة واسعة جدا قبل أن تتمكن من إرسال قواتها إلى جزر زيلندة الجديدة أو ساموا ، أوفيجى أو نيوكاليدونيا ، البعيدة عن القواعد الأساسية لليابان بعدا شديدا ... ولا شك فى أن كلا الفريقين يسابق الزمن لكى يتمكن من السيطرة الحربية التامة على تلك الجزر وأمثالها ، وتحصينها تحصينا متينا ، وإمدادها بالطائرت البعيدة المدى ، لمنع عدوان الفريق الآخر عليها . ويمتاز الحلفاء فى هذا السباق بأن الجزر تابعة لهم ، وأن لهم فيها قوات قليلة ، يستطيعون أن يزيدوها متى توافرت لديهم العدة اللازمة . أما اليابان فلا يد لها من غزو تلك الجزر ، وتجهيز حملة ضخمة للاستيلاء عليها .
لذلك أصبح من الميسور على الولايات المتحدة أن ترسل قواتها فى الوقت الحاضر ، وإمداداتها عن هذا الطريق ، دون أن يعوقها عائق خطر ، سوى الغواصات التى تعمل بالقرب من سواحل أمريكا الشرقية والغربية . ويتوقف نجاح الولايات المتحدة فى إمداد أستراليا من هذا الطريق ، على عامل واحد ، وهو سرعة مصانعها فى إنتاج السفن
الكثيرة جدا التى لابد منها لنقل الامدادات فى تلك المسافة الهائلة من الماء . فاذا أصبح هذا الامر ممكنا جاز لنا أن نتوقع أن تصبح أستراليا حقيقة هى القلعة الحصينة التى تستطيع القوات المتحالفة أن تبدأ هجومها منها على القوات اليابانية ، وأن تحاول استرداد تلك الامبراطورية الجزرية العظيمة التى استولت عليها اليابان فى هذه الأشهر الثلاثة .
ومما ساعد على فصل الميدان الاسترالى عن الهندى ، فقدان جزر الهند الشرقية ، ووقوعها تحت سيطرة اليابان . لقد كان استيلاء اليابان على هذه الجزر خسارة فادحة للحلفاء لا شك فيها . فقد اشتملت هذه الجزر على ثروة زراعية ومعدنية طائلة ، ومنشآ ت هندسية واقتصادية كلفت حكومتها مئات الملايين من الجنيهات . وكثير من هذه المنشآت قد دمر تدميرا تاما لكى لا ينتفع به العدو ، ولم يكن يد من أن يدافع الحلفاء عن هذه الجزر دفاع المستغيث ، مع علمهم برجحان كفة عدوهم ، ونقص المدة الحربية اللازمة للدفاع عنها . وقلة الامل
فى نجاح هذا الدفاع ، والتضحيات الكثيرة التى لم يكن يد من بذلها . لأن إخلاء هذه الجزر وتركها للعدو من غير دفاع ، أمر مناف للطبع البشرى ، حتى ولو جاز أن تتطلبه الخطة الحربية الحكيمة .
وقد بدأت اليابان زحفها السريع على جزر الهند الشرقية ، منذ اليوم الأول من الحرب ، ولكنها سارت فى ذلك خطوة خطوة ، وانتقلت من جزيرة إلى جزيرة ؟ فبدأت بمهاجمة جزر الفلبين ، وهى المفتاح الشمالى للمجموعة كلها ، ونفذ الفائد الأمريكى فى تلك الجزر الخطة التى سبق الاتفاق عليها ، وهى أن يقاتل متراجعا ، حتى يعتصم بشبه جزيرة باطان ، وجزيرة كوريجيدور ، وبالسيطرة على هاتين ، استطاعت القوات الأمريكية أن تحرم اليابان استخدام ميناء مانيلا ، واتخاذها قاعدة للسفن وللامدادات .
لقد استرعى الأنظار هذا الدفاع الجليل الذى قام به الجنرال ماك أرثور فى ذلك الركن الصغير الخطير ، وفى الوقت الذى كانت الجيوش اليابانية فيه تنتقل من فتح إلى فتح ، ومن غزو إلى غزو جديد ، عجزت قواتها عجزا واضحا عن أن تزحزح تلك القوة الصغيرة عن أما كنها . وأن تجلبها عن معاقلها .
وسواء أيجحت تلك القوات الفليبية الامريكية فى الدفاع زمنا آخر ، أم اضطرت للجلاء أو التسليم ، بعد أن انقطعت عن كل إمداد ومعونة . فانها من غير شك قد أدت خدمة جليلة ، وأخرت الزحف اليابانى إلى الجنوب فترة من الزمن ,
وبرغم هذه المقاومة مضت اليابان فى فتح الجزر الأخرى ، بادئة بحزيرة يورنيو ، وهى أقرب الجزر إلى الفلبين ، ثم جزيرة سلبيس ، ثم أخذت تعد العدة لغزو
جاوء ، وهى أهم جزر الهند الشرقية وأعظمها خطرا ، واوسعها ثروة ؛ فاستولت أولا على جزيرة إلى الواقعة شرق جاوه مباشرة . وفى الوقت نفسه بسطت نفوذها - بعد سقوط سنفافورة - على جزيرة سومطرة ، وهددت جاوء من طرفها الغربى والشرقى فى آن واحد ؛ ثم وجهت إليها ثلاث إغارات فى ثلاثة مواضع مختلفة ، ولم تلبث أن ثبتت أقدامها فيها جميعا .
وقد اتبعت اليابان فى السيطرة على هذه الجزر طريقة واحدة ، فهى تكتفى أولا بالاستيلاء على الجزء المهم من كل جزيرة ثم لا تغتظر حتى يتم لها الاستيلاء عليها كلها ، لأن ذلك يتطلب مجهودا وزمنا طويلا ، بل تمضى لمهاجمة غيرها ، والسرعة هى مدار نجاحها ، وعمادها فى تقدمها . وقد وفقت فى هذه الخطة ، فاستطاعت أن يكون لها اليوم السيطرة التامة على جزر الهند الشرقية . مع أن فى كل جزيرة مواضع قليلة أو كثيرة لا تزال تقاوم مقاومة متفاوتة فى القوة والخطر . ولكن طلائع الأمور لا تدل على أن فى بعض تلك الجزر مقاومة عنيفة كمقاومة الجنرال ماك أرثور فى جزر الفلبين .
واليوم تسير اليابان فى مهاجمة جزيرة فينا الجديدة على نفس الخطة التى سلكتها فى الجزر الأخرى . وغينا الجديدة جزيرة عظيمة المساحة تبلغ نحو ثلثمائة ألف من الأميال المربعة ، وهى من أ كبر جزر العالم ، وتتصل اتصالا وثيقا بالجزر التى استولت عليها اليابان ، لا يفصلها عنها سوى مضابق ومساحات صغيرة من الماء . ولم يكن بد من أن يجئ دور هذه الجزيرة بعد أن تم لليابان السيطرة على جزر سلبيس وتيمور وغيرهما من الجزر المجاورة .
وهنالك مجموعة أخرى من الجزر تقع شمال غينا الجديدة ، وفى شمالها الشرقى ؛ وقد استطاعت اليابان أن تستولى عليها منذ بضعة أسابيع ، وكان هذا من غير شك تمهيدا لمهاجمة غينا الجديدة نفسها ، فان الاستيلاء على جزيرة بريطانيا الجديدة ، قد قرب اليابان من جزيرة غينا
الجديدة قربا شديدا . وقد استطاعت بعد ذلك أن تستولى على موقعين مهمين على الساحل الشمالى ، ولكن قواتها لا تزال بعيدة عن العاصمة الواقعة فى الناحية الجنوبية ، وهى بورت مورسى ، وبين الساحل الشمالى والجنوبى سلسلة من الجبال لا يسهل اجتيازها .
تنقسم جزيرة غينا الجديده من الوجهة السياسية قسمين : الغربى وهو تابع لهولنده ويعد جزا من ممتلكاتها فى الجزر الهندية الشرقية ، والشرقى وهو تحت الانتداب الاسترالى . والجانب الشرقى أجل خطارا من الغربى ، وموقعه الحربى بالنسبة لأستراليا من جهة ، ووجود العاصمة فيه من جهة أخرى ، وفائدة موانئه فى إمداد السفن والطائرات لغزو أستراليا ، كل هذا جعل هذا الجانب الشرقى هو الناحية التى تغير عليها اليابان أولا ، ماضية فى هذا على الخطة التى سلكتها من قبل فى الجزر الأخرى.
وليس من المستحيل أن تحاول اليابان إرسال قوة لاحتلال نقطة من سواحل أستراليا ، قبل أن يتم لها الاستيلاء على فينا الجديدة ؛ ولكن هذا العمل ينافى الخطة التى سارت عليها اليابان حتى اليوم . فان مفتاح أستراليا الحقيقى هو غينا الجديدة ، التى لا يفصلها عنها سوى بوغاز نوريس الذى لا يزيد اتسامه على مائة وخمسين ميلا ، وتكتنفه جزر صغيرة كثيرة العدد . ولا يستطيع أحد أن يتكهن بأن أستراليا ستدافع عن غينا الجديدة دفاعا تاما ، أو تكتفى بارهاق القوات اليابانية فترة من الزمن ، ثم تتراجع إلى القارة الاسترالية . وربما كان الرأى الثانى أرجح قليلا .
وقد كثرت الاغارات اليابانية على بورت دارون ، كما أخذت القوات الجوية الأمريكية والأسترالية تغير على السفن البايانية ، وعلى المطارات والموانئ التى احتلتها اليابان وجميع الشواهد ترينا أن معر كة أستراليا ستكون من أشد المعارك التى خاضتها اليابان إلى اليوم .

