صدر مرسوم بحل البرلمان ودعوة البرلمان الجديد للاجتماع في ينابر المقبل . وهكذا تشهد البلاد بعد أسابيع قليلة معركة انتخابية عامة تشترك فيها الأحزاب جميعاً - فالمفهوم أنها لن تقاطعها أية هيئة من الهيئات السياسية كما حدث في بعض الانتخابات السابقة - ويشترك فيها كذلك كثير من المستقلين ومن هواة السياسة المغامرين .
ومن الطبيعي في كل أمة تقوم فيها الحياة النيابية على أسس ديمقراطية سليمة ، أن يرجع إلى الأمة - وهي مصدر السلطات جميعاً - لتعرف رأيها كلما جد من الأمور والأحداث ما يدعو لذلك ، وكلما بدا تباعد ظاهر بين الرأي العام وممثليه في بعض الاتجاهات . بل إن كثيراً من الحكومات لتلجأ إلى استفتاء الرأي العام في كثير
من الظروف مع تثبتها من ميوله قطعاً للشك وزيادة في التثبت ، واستعانة بتأييده على المضي فيما تنهجه من خطة .
وقد حرصت الدساتير جميعاً على أن تجعل انتخاب النواب وموقوتاً بفترة قصيرة من الزمن لتتيح للأمة الحكم على أعمالهم ، وإعادة النظر فيمن تراهم أقرب لتحقيق رغباتها وأجدر بنيل ثقتها .
فالانتخابات العامة هي فرصة الأمة للحكم على رجالها العموميين ، ووسيلتها المباشرة لتوجيه سياستها العامة في الطريق الذي ترتضيه .
وهي على هذا الأساس من مقومات الحياة النيابية الصحيحة ، بل هي عامل هام من عوامل تربية الشعب على الاهتمام بالشئون العامة وممارسة سلطته العليا ، والفصل في
الخلافات التي تقوم بين أحزابه وهيئاته ، فيطمئن الجميع لحكمها ، وبهذا تهدأ حدة النزاع وتخف عوامل الفرقة ؛ وسيستمع الشعب لأقوال المرشحين وما يعدونه به من وعود لإصلاح حاله وتحقيق رغباته ، وسيبتغون له الوسيلة لكسب ثقته والظفر بصوته ، وسيقول في النهاية كلمته .
ولكن ليذكر الشعب أن هذه الكلمة ستكون حكما عليه ، كما هي حكم على من رشحوا أنفسهم أمامه .
ستكون هذه الكلمة امتحاناً للشعب بين مدى استنارته وتقديره للأمور ورعاية لمصالحه العامة ، وتمييزه بين الصادقين في خدمته والمخادعين الذين يشترون ثقته بالقول المموء والحديث الخلاب ، ثم لا يلبثون بعد أن ينهضوا على أكتافه أن يزوروا عنه ويولوه ظهورهم ،
ولا يشغلوا أنفسهم بغير منفعتهم الخاصة ، وخدمة أنفسهم وذويهم . فليكن الشعب يقظاً بصيراً ، وليرجع كل فرد إلى أهل ثقته من ذوي الإيمان الصادق والضمير الحي والنظر الثاقب ، ويراجعهم فيمن يوليه ثقته من المرشحين ، ومن يحمله أمانة تمثيله ، والتعبير عن رأيه ؛ وليستعرض سيرته الخاصة والعامة ، وينظر إلى أعماله قبل أن تسحره أقواله فإن وجده رجلا عف اليد واللسان ، قوي القلب والجنان ،
صادق الحس ، طاهر الوجدان ، يقدم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة ، ويخاف الله قبل أن يخشى الناس ؛ إذا وجده رجل جد وعمل لا رجل لعب وكسل ، ورجل عدل وإنصاف لا رجل مجاملة ومداراة ؛ إذا وجده حراً صريحاً لا منافقاً مداوراً ، قوياً لا يخشى في الحق لومة لائم ، كريم النفس يجود للناس بماله ووقته ، ويسعى لخدمتهم راضياً مستبشراً لا مستغلا متاجراً ، فليوله ثقته ، وليمنحه صوته ،
وإلا فليرفضه مهما كانت المؤثرات ، ومهما استخدمت معه المغريات .
هذا واجب كل فرد من أفراد الشعب . والمثقفون
المستنيرون عليهم في هذا واجب مزدوج ؛ واجبهم في حسن استخدام حقهم في التصويت ، وواجبهم في إرشاد جمهور الشعب الذي تخفي عنه كثير من حقائق الأمور ،
والذي تستغل سريرته الطاهرة ونيته الطيبة ، فتشوه له الحقائق ، وتموه له الأمور ، ويخدع بالدعاوة والأكاذيب الماكرة ، ويحاط بالدعاة المأجورين يختلسون منه ثقته .
فواجب الشباب المثقف أن يحول بين الشعب وبين تلك العوامل المفسدة ، وأن يبث نفسه في أوساطه هادياً مرشداً ، واعياً إلى الحق هاتكا حجب الخداع والنفاق والدعارة المأجورة .
ويؤخذ ممن تتناقله الألسنة من الأحاديث ، أن الأحزاب التي تتولى الحكم قد تفاهمت فيما بينها على أن تخص كل حزب منها بعدد من الدوائر لا تنافسه فيها الأحزاب الأخرى ، وبهذا يمكن اعتبار هذه الأحزاب جبهة واحدة أمام من قد يخاصمها من الهيئات السياسية الخارجة عن الحكم . وهذا التفاهم طبيعى بين أحزاب مثقفة متعاونة .
وسيخفف هذا التفاهم من حدة الحركة ويوحد ميدان التنافس .
والواقع أننا إذا استعرضنا برامج أحزابنا جميعاً لم نجد بينها تفاوتاً واضحاً ؛ فأحزابنا لا تقوم على أساس مذهب تفكيري خاص يميز كلا منها ، كالمحافظة والتجديد ،
والاعتدال أو التطرف ، أو آراء اجتماعية خاصة كمذهب الحرية والاشتراكية وما إلى ذلك ؛ ولا تقوم على أساس فروق الطبقات كأحزاب الأعيان ورجال الأهمال والعمال .
لا تقوم أحزابنا على أساس من هذه الآسس ، ولا يستطيع الدارس لطبيعة أحزابنا أن يتبين بينها وجها للخلاف في المبادئ والغايات ، فكلها تسعي لخدمه مصر في الداخل والخارج ، وكلها تسعي للإصلاح . وفي كل منها المحافظ والمعتدل والمتطرف ، وفي كل منها أعضاء من كل الطبقات ؛ وإنما كان الخلاف بينها في الواقع خلافاً في
مواهب القائمين على أمورها وصفاتهم الشخصية ، وقد تتباور هذه الصفات يوماً لتصير ميزة يمتاز بها كل من هذه الأحزاب ولوناً يصبغ به .
وما دامت المعركة الانتخابية الحالية ليست معركة مبادئ ولا صراع مذاهب تفكير ، وإنما هي معركه كفايات خاصة ومزايا شخصية ، فخير ما تستطيع به الاحزاب أن تريح المعركة أن تقدم للترشيح أو في عناصرها العامة ، وأفضل أعضائها خلقاً واستعداداً ، وأكثرهم تشبعاً
بالروح العام ، وألا تخضع في الترشيح لعوامل العصبية والعراقة في الحزبية وما إلى ذلك . وكل محب لمصر يرجو أن تنتهي هذه المعركة باختيار نواب أكفاء صادقي الرغبة في خدمة الأمة والنهوض بها .
وأن تمر بسلامة دون أن تثير أحقاداً جديدة ، أو تخلق أسبابا للفرقة ، والله يهدي إلي سواء السبيل .

