الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 314الرجوع إلى "الثقافة"

على باب عام جديد

Share

بالأمس وقفنا على باب العام " القمري " ، الذي ترمز به إلى العالم العربى والإسلامى . واليوم نقف على باب العام " الشمس " وللشمس مجال أوسع وأفق أبعد ، بحيث يشمل الشرق والغرب ، ويحتوى جميع الشعوب والملل والأجناس ، وقد أصبح واضحا لكل إنسان أن من العبث التفريق بين شرق وغرب ، وبين الجلود البيضاء والسمراء ، فإن وحدة الكون قد أصبحت حقيقة مائلة لكل من يستطيع أن يحس وأن يبصر . وأن المرض الفتاك إذا انتاب جزءا من جسم هذا الكوكب ، لم يقتصر أذاه على العضو المصاب ، بل تناول جميع الأعضاء والأشلاء . . وكأن هذا المخلوق البليد الذى يسمونه الإنسان لم يرد أن يعى هذا الدرس " الابتدائى " بل " الأولى " حتى يتلقاه عن أفدح الكوارث وأفظع الدوائب ، ولم يرد أن يحفظه حتى يكتب له مرارا على ألواح من نار وبمداد من الدم المهراق . ومع هذا كله - وبعد

كل هذا الويل والعذاب - هل تعلم الناس كيف يسلحون ذات بينهم ، وكيف يحلون الوفاق محل الخلاف والشقاق ؟ .

لقد انقضت خمسة أعوام وأربعة أشهر ، والعالم تظله سحابة قاتمة سوداء ، ملؤها الصواعق والعذاب ، وكانت سحابة محدودة المدى والأذى . فلم تزل تنمو وتكبر ، وتزداد حلكة وسوادا ، حتى أصبحت تلف كوكب الأرض كله ، وتغشى كل قطر من أقطاره . وكل بحر من بحاره .

وليس من الإسراف فى شىء أن نقول إن هذه الحرب قد طال أمدها ، وكثيرا ما نسمع الأقوال تتردد بأن الشعوب جميعا سئمت الحرب ، وليس فى هذا القول بأس كبير سوى أنه قد يفهم منه أن الحرب كانت فى يوم من الأيام شيئا أقبلت عليه الأمم برغبة وشهوة . وأنها الآن قد سئمت وملت ...

والحقيقة أن الحرب - عند كل من له مسكة من العقل - شئ مملول مسئوم منذ زمن بعيد . ولئن كانت بعض الأمم قد سبقت إليها ، فليس معنى هذا أنها قد

أقبلت عليها راغبة راضية ، بل قد دفعت إليها دفعا

فليس القول بأن الناس سئمت الحرب قولا ينطوى على الدقة والحكمة . بل الصواب أن يقال إن الشعوب التى اصطلت بهذه الحرب الضروس قد أخذت تحس أنها لن تستطيع احتمال أوارها مدة طويلة . وأنها إذا كانت قد احتملت كل هذا الويل والعذاب والحرمان ، فليس فى وسعها أن تظل محتملة إياه إلى ما شاء الله .

هذا الإحساس بأن الحرب قد طالت أكثر مما تستطيع الأمم احتماله ، إحساس موجود من غير شك ، ولا سبيل إلى جحوده وإنكاره . ولعله في ألمانيا أكثر وضوحا وظهورا ، وأشد استفحالا منه في أية دولة أخرى من الدول المحاربة . وحسبنا دليلا على هذا أن الشعب الألماني الخاضع لنظام دقيق صارم ، والذى من طبعه الخضوع والامتثال لقادته وزعمائه . قد وجد فيه من يدير المؤامرات لاغتيال الزعيم المعبود الذي أوشك أن يتخذ إلها من دون الله . وهذا الاختلال الشديد فى بنيان الأمة المنظمة . المدربة ، لم يكن شره مقصورا على المدنيين . بل تعداهم إلى رجال الجيش ، الذين ينتظر منهم أن يكونوا خاضعين لنظاما أكثر صرامة وأشد إحكاما ، ومع ذلك انصرفت طائفة من كبار قادة الجيش الألمانى عن الحرب وعن قتال العدو إلى تدبير المؤامرات للفتك بالقائد الأعلى والزعيم الأكبر .

وقد حوكم هؤلاء الضباط العظام بعد أن جردوا من رتبهم ونياشينهم وأعدموا بالشنق كما يعدم المجرمون الأشرار ، بدلا من أن يرموا بالرصاص ، كما يموت رجال الجيش ، ولا شك أن هذا الاجراء القاسى قد كان له أثره السىء فى نفوس رجال الجيش . ولو أنه جيش غير الجيش الألمانى ، الذى يتألف من جموع خاضعة طبيعة ، لما قامت له بعد تلك الحادثة قائمة ، ومع ذلك فليس بمستبعد ، عندما يكتب التاريخ تفاصيل ذلك الحادث - أن يتكشف لنا أن قد كان له من الأثر في نفوس الأمة والجيش أكثر مما نستطيع أن ندركه الآن .

ولم يكن المستغرب أن تثور جماعة من قادة الجيش الألمانى وأن تدبر المؤامرات للفتك بالقيادة العليا ، بل الغريب أن هذه الثورة لم تكن أوسع وأشمل مما كانت .

وأنها لم تنتظم الجيش كله بجميع صفوفه ورتبه . فلقد منيت القوات الألمانية بالانكسارات المتكررة فى العامين الماضيين ، واستهدفت المدن الألمانية إلى العقاب الصارم الذى تنزله بها قاذفات القنابل ليلا ونهارا ، في سبل من الغارات لا يكاد ينقطع . ولقد قيل إن الضباط المتآمرين فى ألمانيا قد بدأوا تآمرهم هذا بعد هزيمة ستالينجراد فى أوائل عام ١٩٤٣ فان كان هذا القول صحيحا دل على أن هؤلاء الضباط قد رزقوا من بعد النظر حظا غير قليل " . .

استقبلت ألمانيا عام ١٩٤٤ وهى محتفظة بمقدار غير قليل من الأسلاب والغنائم ، التى استولت عليها فى الأعوام السابقة . ولئن كانت قد فقدت إفريقية الشمالية ، والربع الجنوبى من إيطاليا ، واضطرت إلى التخلى عن معظم الأراضى الروسية التى غنمتها من قبل . فإنها - على الرغم من هذا كله - كانت لا تزال باسطة سلطانها على دول البحر البلطي ، وعلي بولنده ، ورومانيا ، وجميع دول البلقان ، ولها على فرنسا وبلجيكا وهولنده سلطان نافذ ، وحكومة دانمارقه وتروج خاضعة لها إلى درجة بعيدة .

وكان لها - إلى جانب هذا كله - " حلفاء " ساقتهم معها ، طائعين أو كارهين ، إلى ميدان الحرب : مثل فنلنده ورومانيا وبلاد الغجر وبلغاريا . بل كان هنالك دول محايدة مثل دولة السويد والترك كانت تتحامى أذى ألمانيا ، وتحاول أن تتقى شرها جهد الطاقة ..

ولو أن ألمانيا أرادت أن تلقى السلاح فى أول العام الماضى ، وأن تقبل الهزيمة بتلك الروح القوية التى تدل على الشجاعة الحقيقية . لأمكنها أن تقى نفسها وتقى العالم شرا كثيرا ولكن قادة ألمانيا شاءوا غير ذلك ، ولم يكن أمامهم سوى ميدانين اثنين الميدان الروسى والميدان الايطالي . فحشدوا فيهما صفوة الجيوش الألمانية ، ولكنهم اضطروا

للاحتفاظ بقوات غير قليلة فى غرب أوربا . خوفا من الغزو المنتظر .

وفى الأشهر الأولى من العام المنصرم تثبتت الجيوش الألمانية ثباتا محمودا ، وعلى الأخص فى الميدان الايطالى حيث عجزت جيوش الخلفاء عن اقتحام بلدة كاسينو والمضى وراءها ، وحيث وقفت القوة المحتشدة فى جنوب روما موقفها الحرج الذى دام بضعة أشهر ، دون أن تستطيع الاتصال بالجيش الجنوبى .

ولكن لم تمض الأشهر الخمسة الأولى من العام الماضى حتى استطاعت القوات الروسية أن تجلى آخر جندي ألمانى عن الأرض الروسية . وأخذت تنذر بالتوغل فيما وراء الحدود . وسادت فترة هدوء فى أوائل الربيع . وظلت تغشى جميع الميادين مدة من الزمن ، وكلنا يعلم أن بعد هذا الهدوء عاصفة عنيفة لابد لها أن تنفجر .

وقد بدأ الانفجار العنيف فى الميدان الايطالى ، حيث بدأ هجوم الخلفاء فى شهر مايو الماضي ، فلم تلبث جيوشهم أن اكتسحت حصن " كاسينو " المنيع . واتصلت قوات أنزيو المعزولة بالجيش الزاحف من الجنوب ، ثم سقطت روما فى أيدى الحلفاء ، ومضت الجيوش الفاتحة فى طريقها حتى تم لها فتح فلورنسا وبيزا وانهارت أمامها " الخطوط " مثل خط جوستاف وهتلر ، والخط الفوطى ، ووصلت قوات الأمم المتحدة إلى سهل لمبارديا ، حيث تقاتل إلى يومنا هذا .

على أن تقهقر الحيش الألمانى فى إيطاليا لا يكاد يقاس إلى جانب ما أصاب القوات الألمانية فى الميدان الشرقى . فقد وجه الروس فى أوائل الصيف هجوما عاما ، بدأ فى أقصى الشمال ثم لم يلبث أن شمل جميع الميدان الشرقى . . ولا بد لنا أن نلاحظ أن الميدان الشرقى لم يعد كما كان فيما مضى خطا يستند إلى البحر البلطى فى الشمال والبحر الأسود في الجنوب ، ومن ورائه خطوط الامداد الممتدة إلى قلب ألمانيا ، بل اتسع الميدان ، وأصبح معظمه في أرض غير

روسية ، والجزء الجنوبى منه يرتكز على رومانيا ، حيث يتعذر إمداده بالرجال والعتاد لصعوبة المواصلات . ولاشك أن هذا الجزء من الميدان الشرقى كان نقطة الضعف فى الميدان كله .

وكانت انكسارات الجيوش الألمانية على حدود دول البحر البلطي سريعة متتالية . وكانت تمتاز بأنها لم تكن مجرد تراجع أو تقهقر ، بل كان يصحبها تسليم كثير من القواد والجيوش ، حتى كان وقوع القواد الكبار فى الأسر ظاهرة تلفت الانظار ، وذهب الناس فى تأويلها مذاهب شتى .

ومهما يكن من شىء فقد حررت دول البحر البلطى فى استونيا ولانفيا ولتوانيا ، وفتحت الجيوش الروسية النصف الشرقى من بولنده . ووقفت على أبواب بروسيا الشرقية ، بل تجاوزت حدودها فى بعض المواضع ولكن هذا كله لا يكاد يقاس إلى جانب توغل الجيوش الروسية فى الجنوب ، فلقد اقتحموا بساراييا ثم أجلوا الألمان عن رومانيا وترافسلفانيا والجزء الأعظم من يوجسلافيا واضطروهم إلى الانسحاب من بلاد اليونان وألمانيا وبلغاريا ، وأن يتراجعوا في سهل المجر ، حيث توشك العاصمة المجرية أن تقع في أيدى الروس . ولقد حاول الألمان - على عادتهم المألوفة - أن يتشبثوا بمواقعهم في اليونان ؟ ولكن الجيوش البريطانية المحتشدة فى ايطاليا استطاعت أن ترسل قوة كبيرة لمساعدة الثوار فى الأرض الهيلينية ، فاضطر الألمان إلى التراجع نحو الشمال .

هذه كلها أحداث ضخمة عظيمة الخطر . . ولكنها - على الرغم من هذا - ليست هى أكبر حادث امتاز به العام المنصرم . فان أعظم حوادث العام بلا مراء هو الغزو الموفق لأوربا الخاضعة للنازيين ، من البحر الغربى . وعلى الرغم من أن هذا " الغزو " كان منتظرا وأنه قد أعدت له العدة منذ شهور طويلة . فان وقوعه كان أعظم حادث فى هذه الحرب ، بل لعله أعظم حادث حربى سجله التاريخ .

لسنا نجحد أن نجاح الخلفاء كان يرجع بعضه إلى الحظ ، وبعضه إلى المقدرة والبراعة . ولكن كل نجاح فى العالم لا يخلو من ان يكون للحظ فيه نصيب وليس يقلل من المجد الذى استحقه كل من اشترك فى هذا العمل المجيد ، أن يقال إن الألمان كانوا يتوقعون الغزو فى مكان آخر غير نورمنديا . فمن المعلوم أن نزول قوات من البحر على سواحل قد حصنت بأضخم الحصون وأمنها ليس من الامور السهلة الهينة . وكان يكفي لدره مثل هذا الخطر أن محشد كتائب قليلة لترد الغزاة الفاتحين . فاذا كانت تلك الكتائب قد عجزت عن رد المغيرين . فما ذلك إلا لأن خطة الغزو كانت أعظم وأبرع من أي شىء توهمه الألمان ولذلك كتب لها النجاح .

وقد ترتب على نجاح الغزو في شمال فرنسا ، أن فرنسا كلها لم تلبث أن حررت من الاحتلال النازى . وكان من كمال التوفيق أن قد اشترك أبناؤها بنصيب غير قليل فى هذا التحرير والتدمير . وأنها حررت دون أن تصاب بكثير من التخريب والتدمير ... وقد اضطرت الجيوش الألمانية فى تراجعها إلى التخلى عن أرض بلجبكا ولكسمبورج ، وعن شطر من هولنده ، بل لقد اضطرت أيضا إلى الهزيمة فى ميدان ألمانى صرف ، حيث سقطت مدينة آخن والأرض التى حولها فى أيدى الأمريكيين .

وهكذا انتهي العام بأن أصبح الوطن الألمانى نفسه ميدانا للحرب فى الشرق والغرب ، حتى خيل إلى كثير من المتفائلين ان الحرب سننتهى بانتهاء العام ، ولكن ألمانيا النازية خصم عنيد ، ولم تعوزه وسائل جديدة لكى يثبت فيها إصراره وعناده . فقد أخذ الألمان ، وهم فى وسط الهزيمة يقذفون الأرض البريطانية بقذائف جديدة يرسلونها من بعيد ويزعمون أن لديهم " أسلحة " أخرى ... وكان لابد للألمان ، بعد فقد كل هذه الأقطار - من حادث يقوى نفوسهم ويجدد احتمالهم ، فدبرت قياديتهم هذا النزو الجديد ، لأرض بلجيكا ولكسمبرج ، حيث أمكن للجبش الألمانى أن يتقدم زهاء الخمسين ميلا ، فى جهة عرضها عشرون ميلا . وليس هذا بالنصر العظيم

أو التقدم الباهر فى ذاته ، لولا أنه حدث فى وقت كان أكثر الناس يظنون فيه أن ألمانيا ستلزم خطة الدفاع . ولذلك أدهش الناس نبأ هذا الهجوم . ولا يكفى للدلالة على قوة ألمانيا أن تتقدم قليلا فى جزء محدود من الميدان الفرنسى ، بل لابد لنا أن ننتظر لنرى كيف يتطور الحال فى هذا الميدان من جهة ، وكيف تثبت ألمانيا للغزو الروسى الذى يوشك أن يبدأ فى الميدان الشرقى من جهة أخرى .

وبعد . فان عام ١٩٤٤ كان عام انتصارات عظيمة لرجال الحرب فى الأمم المتحدة ، ولكن هذه الانتصارات الحربية الباهرة ، لم تصحبها انتصارات سياسية تضارعها فى القوة . فلا يزال فى بولنده واليونان وغيرهما من الأقطار مشاكل تنتظر من الساسة أن يبادروا بعالجتها بسرعة وبحكمة " لقد أدي رجال السيف ما عليهم من واجبات خير الأداء ، فعس أن يتمكن رجال القلم واللسان من أن يزيلوا ما بينهم من خلاف ، حتى لا يضيعوا تلك الانتصارات ، التى كسبتها الجيوش فى مختلف الميادين .

اشترك في نشرتنا البريدية