الليل قد مضت ساعات ، ودارت دورتها نجومه ، بين بعيد عن القطب قد غرب أو كاد ، وقريب منه تزاور عن الافق الغربى شطر الشمال . والشرق هزه بقات نعش الصغري طائرات صوب الشرق ، والفرقدان يتطلعان إلى أشعة اليوم الوليد وراء الآفق
فاسأل الفرقدين عمن أحسسا من قبيل وآنسا من بلاد
كم أقاما علي زوال نهار وأنارا لمدلج في سواد
وبنات نعش الكبرى كادت تلامس الآفق وكأنها جواد محضر على حافة الافق ببغي مستقره قبل الصبح . وها هي الثريا جاوزت جوز السماء نازعة إلى افقها البعيد في المغرب تذكر بقول ذي الرمة :
وردن اعتساقا والثريا كأنها على قمة الرأس ابن ماء يحلق (1)
ووراء الثريا الديران بحث قلاصه ، ليدرك خطيبته بهذا الصداق ، لم ييأس منها على طول إعراضها ، ولم يمل على تمادي المسير (2)
وهناك المجرة نهر السماء الذي لا يسير لمجه ، ولا تدرك فوره ، بل نهر الزمان يسيل بالعصور والدهور ، يحسر الفكر على شاطئه ، ويعيا الوهم دون منبعه وغابته ، عالم وراء العالم ، وفلك فوق الفلك
وصور أخري رائعة هائلة تتجلي بهما السماء في هذا الصفاء
يرقى الفكر إلي هذه الشاهد العلوية فيوغل فيها ثم يوغل حتي يبهر ، فيهوي حسيراً مرتاعاً كشيطان الرجم ، يلتمس مكانه على الأرض ؛ بهول الفكر هذا العظم الذي لا يحد ، والجلال الذي لا ينتهي ، والغور الذي لا يبلغ ،
والحجاب الذي لا يخترق ، ويفرغه جو تتحطم فيه الأجنحة ، ومدى يعيا الطيران في أوله ؛ فيفر من هذه السعة الهائلة الى يفنى فيها المكان إلي الأرض ، ثم إلى مكانه الصغير منها ، ويعتصم من هذا الكون الفسيح الذي يتيه فيه الزمان ، إلى الزمن ، ثم إلى ساعة منه . يحتمى بهذه الحدود ، ويأنس بهذه القيود .
ثم تطمح النفس الإنسانية ، بل الشعلة الإلهية ، إلى العلاء ، طموح النسر إلي متقلبه من جو السماء . فتقطع قيداً بعد قيد ، وتجتاز حدا بعد حد ، وتخرج من دائرة بعد دائرة ؛ فإذا هذا الجسم المحدود ، والعقل المكدود ، هاجم فيما وراء الحدود يحاول الأمر الذي لا ينتهي ، والعلم الذي لا ينال .
ثم يعيا وينبهر فيهبط إلي أرضه ومكانه ، ووقته وزمانه ؛ ولكن بصره إلى السياء ، وهمته إلى العلاء ، وطموحه إلى الإدراك ، في الأفلاك وما وراء الآفلاك .
وهكذا يعلو ويسفل ، ويقدم ويحجم ، وينزع ويرجع ، حائرا بين كونه المحدود ، وطوقه المجهود ، وبين طموحه الذي بأبي القيود ، متردداً بين عالمه الأصغر ، والعالم الاكبر ، بين نفسه الصغري والحقيقة الكبرى ، بل بين الإنسان والله .
أفزعني هذا المراد ، وهالني هذا الجهاد فأويت إلي الحد بعد الحد ، والستر من وراء الستر ، حتى أمنت على نفسي في موقف الضيق ، على هذه البقعة الصغيرة ، فوق هذه الأرض المحدودة ؛ فنزلت من الحقائق الواسعة ، إلى الدوائر الضيقة ، من الوجود المطلق إلى الوجود المقيد ،
وما زات أجتاز أجناساً الى أجناس ، وأنواعا إلى أنواع ، فإذا أنا مطل من داري على شاطئ النيل في ليلة من ليالي رمضان وقت السحر .
وأشفقت أن ترفعنى صور الفجوم في الماء ، إلي حقائقها في السماء ، وأن يسلمني نهر النيل إلي نهر المجرة ، وأن ترد في إلى حيث قررت ، هذه الصلات الوثيقات بين الصغير والكبير ، والمطلق والمقيد ، وبين الذرة والشمس فألححت على الفكر أن يحبس ، في هذا المشهد الممتد وألزمت العقل الإخلاد إلي هذه الأرض .
ثم كدت أسير مع النيل إلى منتهاء ؛ فيصلنى بالأيد ، أو ارجع معه إلى منبعه فيسلمني إلي الأزل ، فحبست حياتى على ما أمامى . وفكري في مرآي ، كما يحبس الطائر الوحشي في قفص ، ويلهي بالحب عن أطباق الجو
رأيت النيل زهواً تتراءي في صفحته مصابيح ساكنة خافتة مطلة ضمن شاطئ الجيزة ، ورأيت الزرع نائماً تمسحه نسمات الفجر رفيقة مشفقة كانها أم توقظ طفلها . وآنسني الليل الساجي ، والمنظر الصامت والمشهد المصيفى ، والطبيعة النائمة بل الخليقة الحالمة . لا أسمع ركزاً إلا صيحات متفرقة من ديكة متباعدة كأنها قبل صيحاتها للفجر ، نغمات متقطعة يمهد بها الموسيقى لألحانه المتصلة ، وإلا نفيق ضفادع قليلة شتيتة ، وإلا صرير الجنادب بين الزروع موحداً متصلا خافتا لا يقطع الفكر ، بل يسايره مطرداً كأنه مرور الزمان .
ثم الغل الفكر في الناس فإذا هم بين يقظان انطوت على البر جوائحه ، وعمر بالخير قلبه ، ونطق به لسانه ، يسبح الله ، وبفكر لخير نفسه وخير الناس في مثواه ، وآخر يقظ يقظة الصل ينساب في مجائم الظلام إلي الآنام .
وإذا هم بين نائم يستجم بالرقاد ليستأنف الجهاد ، ونائم أنامته البطالة ، وأمانته التخمة ، لا يفتقده نائماً عمل ولا أمل ،
ولا تحمده يقظان حركة ولا سكون . وإذا هم بين حالم سودت اعماله أحلامه ، ينشره النهار للضر ، ويطويه الليل للشر ، ويسلمه النهار الآتيم إلى الحلم الأليم . وآخر أضاءت رؤياه نيته، وازدهرت بالحلم الطيب طويته ؛ فهو خير اليقظه والنوم ، طاهر الحقائق والروي
وضروب أخر من البشر طاف بها الخيال واسع المجال ، ثم انتثنى قلقاً مضطرباً .
وكاد يخل هذا التفكير المتنافر ، وبهذا المشهد المتآلف ، ويقطع الهم المضطرم ، هذا النغم المنسجم ، فعدت إلي النيل أطالعه ، والزرع أراقبه ، والخليقة آنس بها ، وأسكن إليها ، وأتغلغل فيها وأناجيها .
ودوت الأرجاء بالصياح من ديكة الصباح ، وانبجست النواحي بالأذان ، بتجاوب في القلوب والآذان . وسرت في الخليقة قشعريرة هزت يقظاتها وهاجمها . وأنعشت حبها وهامدها . وتوهمت أشعة الفجر الخفية ، تخالط هذه الأصوات الندية ، بل خلت الأشعة استحالت أصواتاً أو الأصوات تحولت أشعة .
استحال العالم كله معبدا ، وبدا كل شئ راكعاً أو ساجداً . فهذه الأضواء وهذه النسائم ، وهذه المياه ، وهذه الزروع ، والدبكة المؤذية ، والجنادب الصارة ، كلها في خشوع وقنوت أو تسبيح وتهليل . والنجوم الغاربة ، على الأفق ساجدة ، والسماء ، المحدودية الخاشعة ، لجلال الخالق راكعة . سمعت من الخليقة ومن قلبي ومن لساني الآية الكريمة تفسيراً لما أرى وأسمع وأتوهم :
"تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن . وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم " . لم أجد غيري خالياً من الصلاة ، ولم أر سواي شذوذاً في هذا النغم . فرددت نظرات في العالمين ، ثم أسرعت لأ كون مع الساجدين .

