الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 299الرجوع إلى "الثقافة"

على خط سيجفريد

Share

في وقوف الألمان اليوم على خط سيجفريد ، يذودون العدو عن أرض الوطن الألماني ، رمز للتراجع العظيم الذي اضطرت إليه الجيوش الألمانية ، منذ بلغت أبعد مدى في تقدمها الهائل . لقد ابتكر الألمان قبل هذه الحرب كلمة  في معنى التوسع الاستعماري ، وهي Lebesruum أي مكان الحياة ؛ وقد اصطلح كتابنا على ترجمتها بالمجال الحيوي . ولم يكن الألمان أول من ابتكر فكرة التوسع الاستعماري ، فإن التكالب على حيازة المستعمرات ، واغتصاب السلطان وإرهاق الشعوب ، أمر قد سبق إليه النازيون منذ قرون . ولكن الألمان قد ابتكروا لهذا المعنى كلمة جديدة لا تخلو من طرافة ، ثم مضوا في تنفيذها على طريقتهم التي اشتهروا بها في العلم والفن ، بل وفي كل أمر يمارسونه ، وهي الاستقصاء وبلوغ أبعد مدى ممكن . وما داموا قد قرروا أن يستولوا على المجال الحيوي عنوة وبحد الحسام ، فلا بد أن تعد له أكبر عدة حربية عرفها الإنسان ، وأن يتسع هذا المجال الحيوي حتى يشمل سطح

الأرض كله إن أمكن ، وإلا فليشمل أعظم مساحة ممكنة منه . أجل ، ولابد أن تشن هذه الحرب على كل دولة بالغة ما بلغت من الصولة والقوة ، فلا يكفي أن تشن على بولندة وفرنسا وبريطانيا ، بل لابد أن تشن على روسيا السوفياتية وعلى الولايات المتحدة الأمريكية . ولابد لألمانيا أن تستعين بموارد جميع الدول الصغيرة التي تجاورها ، ولذلك لم يكن بد من الاستيلاء السريع على اسكندناوة  استعداداً لمحاربة بريطانيا ، وعلى البلقان استعداداً لحرب روسيا

وهكذا مضت ألمانيا في الاستيلاء على مجالها الحيوي . وسواء أكنا من الذين راقهم استعداد ألمانيا الهائل ، أم من الناقمين على الطغيان النازي ، فإنه لابد من الاعتراف بأن الجيوش الألمانية قد بذلت جهود الجبابرة من أجل تحقيق تلك الشهوة السياسية ، وأنها لم يكن بينها وبين تنفيذ الخطة النازية الكاملة سوى قيد أنملة . إن الذين ينظرون إلى الجيش الألماني وقد ارتدت فلوله عن شمال

فرنسا إلى حدود ألمانيا ، قد ينسون أن هذا الجيش قد فتح في عامين اثنين مساحة من الأرض لم يتح مثلها الفاتح  في أضعاف هذا الزمن . وأن المجال الحيوي قد امتد حتى كان يتكئ غرباً على المحيط الأطلسي وفي الشرق على نهر الفولجا ، وهي مسافة تقرب من أربعة آلاف من الكيلو مترات ؛ وامتد في الشمال حتى بلغ المحيط المتجمد ، وفي الجنوب حتى توغل في الصحراء الحارة ، وهي مسافة تقرب من خمسة آلاف من الكيلو مترات . وفي ذلك الوقت - أي في صيف وخريف عام 1943 -  لم يكن بين ألمانيا وبين تلك السيادة الواسعة التي تطمح إليها سوى قيد أنملة أو أنملتين ، واحدة في الشمال على ضفاف الفلجا ، وأخرى في الجنوب على حدود مصر . ولكن ألمانيا عجزت عن اقتحام ستالينجراد ، وقطع بلاد القوقاز عن أرض السوفيات ؛ وعجزت عن اقتحام وادي النيل وفتح الطريق إلى الشرق الأوسط والمحيط الهندي . وبهذا عجزت عن تحقيق ذلك الحلم الهائل . ومنذ ذلك الحين أخذ المجال الحيوي - في تلك الفتوح الواسعة - في الانكماش التجريجي أحياناً ، والسريع أحياناً أخرى . وكان الانكماش أول الأمر من ناحيتين : الأولى من الجنوب حيث تراجعت الجيوش الألمانية عن شمال إفريقية حتى إيطاليا ، ثم تراجعت عن إيطاليا حتى حدود لومبارديا ؛ والثانية من الشرق ، حيث تراجعت القوات النازية مرتدة إلى بولندة ورومانيا ، ثم إلى ما وراء بولندة ورومانيا .

ومنذ شهر يونيو الماضي أخذت قوات ألمانيا تتراجع في مكان ثالث ، وهو غرب أوربا ، فأخلت قواتها معظم فرنسا ، وبلجيكا ولوكسمبورج . وتضاءل المجال الحيوي الذي قنيت في فتحه الأرواح ، وانكمش حتى بات صورة مصغرة لما كان عليه ، وهو في كل يوم يزداد انكماشاً وانقباضاً ..

وربما كان صحيحاً ما قيل من أن طائفة من قادة الجيش الألماني رأوا بثاقب فكرهم في صيف عام 1943 ، أن من العبث المضي في الحرب ، وأن من الواجب تصفيتها

قبل أن تصاب القوات الألمانية بخسارات أفدح . ولكن سواء أصح هذا القول أم لم يصح ، فإن القيادة النازية العليا ، قررت أن تمضي في القتال ، ولا شك أنها كانت تري أن موقف الجيوش الألمانية سيتحسن . ومن الأمور التي نلاحظها بسهولة - وإن لم نكن من الخبراء في شئون الحرب - أن القيادة النازية قد اتبعت سياسة التشبث والتمسك بكل مساحة من الأرض إلى آخر لحظة ممكنة ، وعدم التخلي عن موضع إلا بعد جهاد عنيف وخطة  التشبث هذه ليست وليدة أمس ، بل يرجع عهدها إلى ستالينجراد في أواخر عام 1943 ، حيث أمر الجيش الألماني بأن يحارب إلي النهاية . وكان ذلك الأمر هو الأول من نوعه في هذه الحرب ، ولكن قد صدر مثله بعد ذلك مراراً . ومن السهل علينا أن ندرك أن المقاومة إلى النهاية في موضع متقدم مما يساعد في تأخير العدو عن الزحف ، ولكن هذا التأخير ليس بالأمر الخطير إذا كان للعدو جيوش كثيرة ، يستطيع أن يخصص جزءاً منها لمحاصرة  ذلك الموضع والتقدم بسائر القوات إلى الأمام ، كما فعلت الجيوش الروسية المرة بعد المرة .

لذلك يحق لنا أن نتساءل : ألم تسرف القيادة الألمانية في خطة التشبث هذه إلى مدى يجعلها بعيدة عن الحزم ؟ إننا نذكر في هذا الصدد تشبث القوات الألمانية بنورمنديا بعد أن انكشف جناحهم الأيسر ، وتعرضوا للتطويق مرارا . ولقد قيل في تفسير ذلك إن القيادة الألماانية أرادت أن تحتفظ بالسواحل المواجهة لإنجلترة أطول مدة ممكنة ، لكي تستبقي القواعد التي تقذف القنابل الطائرة على لندن وجنوب إنجلترة .

ومن الجائز أن يكون هذا الزعم - على علاته - صحيحاً ، ولكن سياسة التشبث لا تزال تتبع في جهات أخري ففي الوقت الذي يهدد فيه الوطن الألماني في الشرق من ناحية بولندة وبروسيا الشرقية وسيلزيا العليا ، ومن الجنوب من ناحية هنجاريا وإيطاليا ، ومن الغرب من خط سيجفريد ونهر الرين ، قد يكون من الحزم استعادة

أكبر قوة ممكنة للدفاع عن أرض الوطن المهدد ؛ ومع هذا ، فإن هنالك فرقاً ألمانية مرابطة في شمال فنلندة إلى اليوم . ومن الصعب أن ندرك فائدة هذه القوات ، بعد أن خرجت فنلندة نفسها من الحرب ، وتعهدت بإخراج الجبش الألماني من فنلندة إذا لم يخرج من تلقاء نفسه في موعد غايته يوم ١٥ من هذا الشهر ؛ وقد انقضي الموعد دون أن تنسحب تلك القوات ، ولا شك أن هذا معناه أن فنلندة مضطرة لأن تشهر السيف على ألمانيا ، وهو أمر ليس له أي داع . فإذا قيل إن بقاء الجيش الألماني في شمال فنلندة هو للذود عن حدود نروج ، فإن بلاد نروج  الشمالية من الجهات الوعرة ، التي لا تظن أن روسيا ستحاول اقتحامها ، وأمامها طرق أسهل إلى بروسيا وإلى ألمانيا . كذلك تشبثت ألمانيا  بالاحتفاظ بجيوشها في بلاد البحر البلطي الأخرى : وهي استونيا ولتونيا ولتوانيا ، وقد أحيط الآن بتلك الجيوش ، وكان من الممكن أن تسحب في الوقت الملائم لكي تكافح عن أرض الوطن .

وعند ما طغى سبل الهجوم الرومي نحو الجنوب ، وأخذ يتجه إلى سهول نهر الطونة ، وأعلنت رومانيا انضمامها إلى روسيا ، كان من الواضح أن القوات الألمانية المرابطة في البلقان مهددة بالعزل التام ؛ فلم يصدر لها أمر صريح جريء بإخلاء البلقان والعودة إلى سهول المجر ، بل صدر الأمر إلى كل قوة بلقانية أن تحارب إلى النهاية . وها هي اليوم في عزلة تامة ، لا نستطيع العودة إلى الشمال ،

وهي أيضاً لا تستطيع أن تحارب ، لأن القوات الروسية اكتفت مؤقتاً بقطع " خط الرجعة " على الحاميات البلقانية ، واتجهت بالحرب إلى ترانسالمانيا ومنهول المجرويو جوسلافيا . وفي الوقت الذي تنادي فيه القيادة الألمانية العليا بضرورة استغلال موارد الدولة في الرجال إلي أقصي حد ، يبدو من الغريب هذا التشبث بالمواضع النائية وترك عدد عظيم من الرجال لحمايتها ، والذود منها والعدو على أبواب ألمانيا نفسها

كذلك ليس من السهل أن نفهم فائدة التمسك ببلاد نروج الطويلة في الوقت الحاضر ؛ ومع التسليم بأن لسواحل نروج فائدة لا يستهان بها في حرب الغواصات خاصة ، وفي مهاجمة طرق الملاحة في بحر الشمال بوجه عام ، فان تموين القوات البرية والبحرية الموزعة في تلك البلاد لا بد أن يستنفد مجهوداً كان حقيقاً أن يوجه للدفاع عن أرض الوطن . ومن الجائز أن تذهب إلي أبعد من هذا ونتساءل عن فائدة التشبث بالميدان الإيطالي نفسه ، ومن

الممكن تصفيته والتخلي عن شمال إيطاليا ، والتراجع إلي الأقاليم الوعرة في بلاد ترنتينو والتيرول ، حيث يمكن القوة صغيرة أن تدافع دفاعاً طويلاً . ومع أن فقد سهل لمبارديا معناه تضحية بعض المواد الغذائية ، فإن هذه المشقة قد تهون بجانب مشقة هجوم عنيف على بلاد ألمانيا نفسها .

ومن الجائز أن يقال إن في ثبات القوات الألمانية وتشبثها بأماكنها النائية أطول مدة ممكنة ، تعطيلاً لجزء كبير من قوات العدو ، ومنعاً لها من الانضمام إلي سائر الجيوش المغيرة على أرض الوطن ؛ وهذا الأعتراض صحيح لو أن ألمانيا تحارب عدواً يضارعها في المدة والعدد . ولكن العدو الذي تحاربه ألمانيا اليوم يفوقها عدداً بمقادير  كبيرة ، وقد يكون متفوقاً عليها في العدة أيضاً . وفي مثل هذه الحال تكون خطة الحزم أن يقصر الميدان إلي أقصي حد ممكن ، وأن تركز فيه جميع القوي من أجل مجهود نهائي تبذله الجيوش الألمانية ، وقد حشدت كلها للذود  عن حياض الوطن المهدد ، وقصرت خطوط تموينها إلي الحد الأدنى ، وأمكن تركيز القوة الجوية الألمانية في مجهود واحد عنيف ، تستطيع به ألمانيا أن تقاوم الغيرين ، لعل الظروف أن تتطور لمصلحتها فتظفر بالصلح بدلاً من التسليم بلا قيد ولا شرط . لقد كان من الواضح منذ الربيع الماضي أن خطة ألمانيا في الحرب قد تحولت عن الهجوم إلي الدفاع ، ولا تتفق خطة الدفاع مع هذا التشبث بالجهات النائية في البحر البلطي وشبه جزيرة البلقان .

واليوم تغير على ألمانيا نفسها جيوش حرارة من الشرق والغرب . والخطر الداهم اليوم هو هجوم الامريكيين على خط سيجفريد نفسه ، واحتلالهم جزءاً - مهما كان صغيراً - من الوطن الألماني الصميم في منطقة مدينة إكس لا شايل ، عاصمة شرلمان ، وفي غيرها من الجهات .

لقد انشأت ألمانيا خط سيجفريد رداً على إنشاء خط

ماجنو . ولم تكن بألمانيا حاجة ملحة لإنشاء مثل هذه الاستحكامات المتينة ، مع استعدادها الحربي الهائل الذي لم يعرف له الزمان نظيراً . ولكن خطة الاستقصاء التي يجري عليها الألمان دفعتهم إلي إنشاء خط دفاعي هائل ، طوله يزيد على ألف كيلومتر ، يمتد من حدود سويسرة بالقرب من مدينة بال إلي آخر حدود هولندة على بحر الشمال يجري هذا الخط أول الأمر موازياً لنهر الرين ، من الناحية الشرقية ، ثم يعبر الرين شمال الأتراس ويمر موازياً لحدود فرنساً وبلجيكا وهولندة . واستحكامات هذا الخط تبلغ أقصي المتانة في النصف الجنوبي ، أي من حدود سويسرة إلى بلدة إكس لاشابل ، في الجهات المتاخمة لحدود فرنسا ويلجيكا أما شمال إكس ، فإن الجزء المتاخم لحدود هولندة قليل الاستحكامات ، وبعد في نظر الحربيين  عقبة قليلة الخطر . ومتى أمكن للجيش البريطاني أن يصل إلي حدود هولندة الشرقية ، فإن قوات الحلفاء تكون قد وصلت إلي الجزء " الضعيف " من خط سيجفريد . أما اليوم فإن القوات الأمريكية هي التي تهاجم الخط في مواقعه القوية المتينة ، وقد تسني لها أن يخترق الحلقة الأولى من الحصون جنوب إكس لا شايل ، وأن نتوغل في أرض الريخ بضعة أميال ، وسيراقب تقدمها هنا باهتمام عظيم .

لقد مضت أشهر الصيف ، وأقبل الخريف . ومن الممكن في ظروف جوية ملائمة أن تستمر الحرب في الميدان الغربي إلي شهر نوفمبر . فإذا ثبتت الجيوش النازية لهجمات الأمريكيين والبريطانيين ، فإن عليها بعد ذلك أن تواجه حملة شتاء ، تشبتها الجيوش الروسية في الميدان الشرقي . فهل لنا أن تؤمل أن تطالب القيادة الألمانية بالهدنة وحقن الدماء كما فعلت في عام 1918 ، مع أن الحرب اليوم قد وصلت إلى أرض ألمانيا ، ولم تبلغ هذا المبلغ في الحرب الماضية ؟

اشترك في نشرتنا البريدية