يحتفل المسلمون كل عام بمولد النبي صلوات الله عليه ثم يمر الأحتفال كما ينقضي عيد أو ينفض سوق ، من غير أن يترك أثره العمل في حياة الناس . لو كان المسلمون مستمسكين بسنته صلى الله عليه وسلم لكان مفهوماً أن يعودوا بعد الأحتفال إلي سيرتهم التي كانوا عليها قبله ، وإن كان هناك حتى في هذه الحالة مستفاد من العمل بالسنة الطهرة . أما والسلمون على ماهم عليه ، وبعد ما بينهم وبين دينهم وسنة نبيهم هو ما هو ، فقد كان يرجي علي الأقل أن يقربهم كل إحتفال بالمولد النبوي من روح نبيهم ولوخطوة وأن تقربهم الذكرى المباركة بالإستزادة من العمل بدينهم ولو قليلاً ، والقليل إلى القليل سيصير علي الأعوام المتتالية كثيراً مباركاً فيه ، فلا يكون المسلمون من البعد عن سنة نبيهم ولا من التأخر في عصرهم على الحال التي هم عليها اليوم .
ما هو الحائل بين المسلم وبين العمل بالإسلام يا ترى ؟ إن كل فرد يملك أمر نفسه على الأقل إن لم يملك أمر أسرته إن كان رب أسرة ، فما الذي يحول بين المسلم وبين لاستمساك بكتاب الله وسنة رسوله في ذات نفسه ؟ إن الجهل بالكتاب والسنة عامل من عوامل الانصراف عن العمل ، فإن العلم بما سيعمل به ضروري للعمل من غير شك ، وتعليم كل فرد ما يتعلق بحياته من الكتاب والسنة أمر ممكن ، لكن تحقيق ذلك من شأن القوامين على تربية الفرد في الأصل ، في البيت وفي المدرسة فأولو الأمر في البيت وفي البلد هم المسئولون إذاً عن هذا العامل من عوامل الحيلولة بين المسلم وبين العمل بالإسلام .
لكن في الناس من يعلم من الإسلام ما يكفي لإسعادة
وإسعاد كثيرين غيره لو عمل به ، ثم هو لا يعمل أو هو يقصر كثيراً في العمل ؛ فلم كان هذا يا ترى ؟ أهو ضعف الإيمان جرد العلم بالدين من فائدته العملية للمهتدين ؟ إن هذا على خطورته هو فيها يبدو التفسير الممكن لهذه الظاهرة الغربية ، ظاهرة المتدين الذي لا يعمل بدينه . إن الإنسان ليس فقط مدنياً بالطبع ولكنه أيضاً متدين بالطبع ، غير أنه في تدينه يحتاج إلى شيئين إثنين لا غني له عنهما كي ينتفع بدينه إنتفاعاً كافياً : أن يعرف دينه الصحيح معرفة صحيحة كافية ، وأن يقوي إيمانه بدينه قوة تكفي لحمله على العمل به . إن الإيمان بمعناه المطلق هو في الواقع القوة الدافعة إلي العمل في حياة الإنسان . فالأنسان يعمل بما يؤمن به ، خطأ كان ما يؤمن به أو صواباً ، وهماً كان أو حقيقة . وكلنا يعرف في طفولته بل في رجولته كيف كان يتجنب الطريق إذا نوهم أن به ما يؤذي أو يخيف من نحو جن أو وحش أو لص ، وإن حلا الطريق في الواقع من كل ما توهم . فالإنسان في الواقع هو في عمله عبد الفكرة : تسيطر الفكرة عليه فيعمل بها ، بل يعمل بما يبلغ عنده درجة الرجحان بله درجة اليقين .
هذا هو الواقع . وهو أيضاً ما يقضي به العقل إن كان الترجيح على أساس ، بل هو ما يقضي وبعمل به العلم بالفعل في فروضه ونظرياته أفيكون إنصراف المسلم عن العمل بدينه راجعاً إذاً إن ترجيحه المذاهب والآراء التي بعمل بها - إذ لا بد له من شئ يعمل به عندئذ - على دينه الذي يدين به ؟ هذه نتيجة حتمية لما ثبت من خضوع الانسان لما يسيطر عليه من فكرة أو من أفكار ، وما جنون الفكرة المعروف في الطب إلا مثل متطرف لهذا القانون النفس العام : قانون استرقاق الأفكار للانسان . من هنا الأهمية القصوى للاستيثاق من صحة الأفكار التي تسمح بدخولها في عقول أطفالنا ونشئنا وشبابنا ، وبعبارة أخري لتعليم الدين والتنشئة عليه في الصغر ، لأن الدين
هو الشئ الوحيد الموثوق به فيما يتعلق بالاجتماعيات والروحانيات ؛ ثم من هنا الخطر الكبير الذي يهدد الطفل المسلم والناشئ في قوضى الأفكار هذه المنبثة فيما يطبع ويعلم ويذاع .
فانصراف المسلم عن الأخذ بدينه كما يقبض راجع إذاً إما إلى الجهل به " ، وإما إلى ضعف الإيمان . والجهل وضعف الإيمان درجات يتسع كل منها وبضيق ليشمل الكثير أو القليل من الدين ، ثم كل منهما قد يتعلق بالأصول فيدخل بصاحبه دائرة النفاق والعياذ بالله ، أو يتعلق بالفروع فيشك في الحكم الفرعي أو يتأول النص إلي ما يعتقد أنه الصواب من غير أن يكلف نفسه البحث هل تأويله يتفق أو لا يتفق مع ما يسلم ويؤمن به من الأصول والأحكام الأخرى في الدين .
وإذا كان المسلم بعض العذر في الجهل بدينه لتقصير القوامين على تعليمه ، فليس له في الواقع عذر في ضعف إيمانه مهما كان الخال . إن من الممكن أن يقسم غير العاملين بالإسلام من المسلمين على الإجمال والتقريب إلي قسمين كبيرين : إلي عوام شديدي الإيمان قليلي العلم ، وآفة هؤلاء الجهل ؛ فلو عني بتعليمهم دينهم لكان رقى الأمة بهم سريعاً . وإلى مثقفين مجمعون بين ضعف الإيمان والجهل بالدين ، وهؤلاء من الصعب أن يلتمس لهم عذر الأولين لأنهم بثقافتهم قادرون على البحث والسؤال عما خفي عنهم من أمر دينهم حتى يعلموه . أما قوة الإيمان إذا توفر العلم فأمر مضمون في الإسلام ، لأنه قام على العقل ودعا إلي إستعماله وإلى التدبر والتفكر وتطلب البرهان . ثم هو لا يخشى من العلم الطبيعي شيئاً لأنه " أنزله الذي يعلم السر في السموات والأرض " أي أنزله فاطر الفطرة التي كشف العلم ويكشف من أسرارها ، فصار بذلك علماً وأ كسب الانسان قوة ، أحسن الانسان استخدامها أو أساء . فالإسلام من هذه الناحية بمأمن تام : ينصر العقل والعلم معاً ولا يخاصمه
أو يخالفه إلا الباطل . فالخطر الذي يتهدد الإسلام في صدر السلم ليس هو الحق الذي كشف أو يمكن أن يكشف عنه العلم ، ولكن هو الباطل الذي يمكن أن يلتبس أو يلبس على المسلم بالحق .
هذه هي المسألة مختصرة مجملة . ويكفي هنا في التفصيل أن ننبه إلي أن الألتباس أو التلبيس قد يأتي من طريقين : سوء فهم الدين أو سوء فهم العلم . فلو أمن الانسان هذين مع قوة على التفكير لما كان هناك لاختلاف الدين والعلم أو العقل والقلب وما ينشأ عنه من ضعف الإيمان عند الإنسان أي إحتمال وليس معنى هذا أن أسرار الدين ستصبح عندئذ كتاباً مفتوحاً للانسان يقرأه . إن كانت أسرار الفطرة عند علمائها كتاباً مفتوحاً يقرأونه فكذلك يصح أن يكون كتاب الدين . إن الكتابين كليهما من عند الله فاطر الفطرة ومنزل الدين ، فلا بد أن يكون فيهما ما يخفي على الإنسان ويعلو على فهمه حتى يرتقي فضلاً من الإرتقاء يكفي لكشف ما خفي وفهم ما غمض لكن الشئ الموثوق به في الاسلام هو أنه لن يكون هناك في تلك الحالة خلاف أو تناقض بحيله العقل .
على أن إحتمال وقوع الخلاف عند المسلم بين العقل والقلب أو بين العلم والدين يتعلق بالفروع وبالاجتهادي منها ولا يمكن أن يتعلق بالأصول . فمن فضل الله على الإنسان ، ومن دلائل أن الاسلام دين الفطرة ، أن أصوله كلها معقولة . ميسورة البرهان . وهذا هو السبب في أنه لا عذر لمسلم في ضعف الإيمان وما يؤدي إليه من ضعف في العمل بالدين . إنك من أي أقطار الإسلام تأديه إمتحاناً وإختباراً تجده قائماً بالحق ، ثابتاً على الامتحان بالحق والاختيار : إذا أتبته من ناحية سيرة الرسول قبل البعثة وجدته ، أو بعد البعثة وجدته ؛ أو أتينه من ناحية القرآن وإحكامه وإعجازه وجدته ، أو تاريخه بعد الرسول وإنتفاء التحريف والتبديل عنه وجدته ؛ أو أتيته من ناحية ما ينبغي أن يكون للدين
الصحيح من أثر في المؤمن العامل به من أفراد أو أمة وجدته ؛ أو حتى من ناحية ما بفعل الله بمخالفيه والخارجين عليه وجدته . من أي النواحي أتبته وجدته ثابتاً علي الاختبار الدقيق الصحيح . فأي الأديان قبله بقيت معجزته في كتابه خالدة على الدهر لحمتنها من شاء ولتجدد إعجازها بتصديق الأحداث لها ؟ أى الأديان قبله أو أي المذاهب بعده كان له ماللاسلام من أثر ، أو خرج من الخلفاء مثل أبي بكر أو عثمان أو على أو عمر ؟ ثم أي الأديان أو المذاهب قبله أو بعده وحد الوجود وأزال التناقض بين الدين والفطرة ، وبين العقل والوجدان عند الإنسان ؟
ومع ذلك نجد من المنتسبين إليه من أهله من يطلبون التجديد والإصلاح من طريق غير طريقه ، فيكونون عاملا من عوامل إنصراف أهله عن العمل به ، ومن عوامل تأخير نهضتهم بالتبع . يطلبون التجديد والإصلاح عن طريق فلسفات أوربا وسياساتها حتى بعد أن حاق بأوربا ما حاق ، لأنهم ينزلون مذاهب أوربا الاجتماعية منزلة طياراتها ودباباتهم وإختراعاتها ، فلا يفرقون بين قوة أوربا المادية المبنية على إختراعاتها العلمية ، أو ما كان منها ، وبين ضعف أوربا في أمورها الاجتماعية والروحية التي لا تستند فيها إلي سنن الفطرة ، أى سنن الله في الاجتماعيات والروحانيات ، كما استندت في اختراعانها إلي سنن الفطرة أي سنن الله في الأديان . فكان مثلهم في هذا كمثل الذي يستدل على رقي نفس النمر بقوته في العضل والمخلب والناب . ولو نظروا لوجدوا في اتفاق أوربا والغرب كماله على ما به رقبه المادي من العلوم الطبيعية دليلاً علي أن ذلك الرقي المادي صحيح وأن تلك العلوم الطبيعية حق ، ولوجدوا في اختلافها الشديد في مذاهبها الاجتماعية الإصلاحية وفلسفاتها الروحية دليلاً على أن تلك المذاهب إن لم تكن كلها بإطلة فلا يمكن أن تكون كلها حقا . فقيم إذاً الدعوة إليها ؟ وإلي أيها إذاً يدعون ، وعن الإسلام دين محمد بن عبد الله يذهبون ؟
إن علوم الغرب الطبيعية أدت إلي قوته المادية ، ومذاهبه الإجتماعية أدت إلى إستعمال تلك القوة على الوجه لذي خرب من أوربا وغير أوربا ما خرب ، وشرد من أهلها من شرد ، وجعل العالم كله ينظر رائياً ولا يكاد يستطيع أن يدفع عن أمم بأسرها شبح المجاعة ولا رهق الذلة والضراعة . فلمأخذ من الغرب علومه الطبيعية ولنسأل الله أن يهدينا ويهدي الغرب إلى تطلب حلول مانواجه ويواجه من مشاكل إجتماعية في دين الفطرة ، دين الله الذي أنزله على محمد بن عبد الله .

