الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 287الرجوع إلى "الثقافة"

على شاطىء الاضحاق :، ضحايانا الأطفال

Share

ولست أقصد الأطفال وحدهم ، بل هم أبناؤنا جميعا ، سواء منهم الأطفال الذين يتعلمون في المدارس الابتدائية ، والشبان الذين في المدارس الثانوية ، أو في كليات الجامعة . ولست أقصد شاطئا نظيفا أصفر اللون ، مما يقف عليه الناس في هذا الحر اللافح يستروحون ويتبردون، ويتنسمون أنسمة الأسيل على حرير الأمواج الراقصة فوق رماله الناعمة ؛ بل أقصد شاطي الامتحان ، ذا اللون الجاهم الذي تضطرب تحته اللجة الزرقاء القاسية ، ويتخبط دونه الأبناء المساكين ، بل يلتمسون النجاة بأنفاس ضيقة ، وأعضاء كليلة أجهدها طول الكفاح الذي لا هوادة فيه . مساكين هؤلاء الأبناء !

إنهم يقضون العام الطويل في كد متصل ، لا يهدأون في نهار ، ولا ينامون في ليل ، في رهبة من ذلك اليوم الذي يدفعون فيه إلي تلك اللجة الكالحة التي لابد لهم من أن يخوضوا عمارها ، وها هما أولاد ، أخيرا تراهم من فوق الشاطئ يتدافعون في الغمرات ، ثم يستسلمون لها لا مفر لهم منه - للخيبة والخذلان وضياع الأمل . تراهم يتلوون من الألم ؛ ولا تملك لهم إلا أن نسيل قلوبنا عليهم رحمة ، وإلا أن ننادي بملء أفواهنا : مساكين أيها الأبناء ! ... ثم كلمة أخرى ، لا نستطيع أن نقول كلة غيرها في تعليل مصابهم - لا شك في أن ثمة خطأ في هذا النظام الذي يضيع كل تلك الجهود سدي ، ولا يكافئ كل هذا الكد القاطع بغير الخيبة " والسقوط " .

عرفت بعض طلبة الجامعة ، وعرفت بعض طلبة المدارس الثانوية ، وعرفت بعض تلاميذ المدارس الابتدائية ، ورأيتهم في شهور عامهم الطويل مكبين على الكتاب

حينا، وذاهبين إلى المحاضرة أحيانا ، أو عائدين من معاهدهم بوجوه مصفرة وعبون كليلة أحيانا . وكنت كلما أبصرت ما هم فيه سالت نفسى لهم رحمة ، ودعوت لهم بالتوفيق ، وأنا لا أشك في أنهم يجنون بعد هذا الكد المتصل من ثمار النجاح ما ينسيهم كل المشقات ، فإن هذه سنة تجرى عليها طبائع الأمور ولكن العام انقضي ثم اقتحموا الغمرة ، ثم ماذا ؟

رأيتهم جميعا يمسحون الجبين مما تصبب عليه من عرق الخدلان ، وقد فترت نفوسهم ، وامتلأت قلوبهم حيرة ، وأقبلوا يسألون : " كيف تكون الخيبة عاقبة الكد الطويل ؟ "

أيكون هؤلاء جميعا من حثالة البشرية التي لا نصيب لها من الذكاء ؟ أيكون كل ما عرفته فيهم من إدراك تزييفا ، وكل ما لمحته عندهم من توقد في الفهم تدليسا ؟ أتكون الأمة المصرية دون سائر الأمم ليس في أبنائها من يستطيع أن يفهم العلم ، أو أن يدرك حقائق المعاني سوى هذه القلة التى تنجح في امتحاناتها ؟ وإلا فكيف يذهب الطلاب إلي الجامعة بعد قضاء السنوات الطويلة في المدارس ، درجة بعد درجة ، ثم لا يستطيع السير في سبيل الدراسة إلا عشرة منهم ، أو خمسة عشر في كل مائة ؟ إن هؤلاء الشبان قد كافحوا من قبل في امتحان بعد امتحان ، حتى اجتازوا مرحلة الدراسة الثانوية ، وبرهنوا بذلك على أنهم يستطيعون أن يتلقوا دروس المعاهد العليا ، ثم واصلوا الكفاح طوال العام حتى انتهوا إلي ختامه ، ولكن لم يطف منهم فوق اللجنة إلا عشرة في كل مائة ، فما دلالة هذا إلا أن تكون هذه الأمة ضئيلة الذكاء ، عاجزة عن إدراك مسائل العلم ؟ ! أيكون هذا هو حالنا ؟

إذا فما هذه الأمة ، وأي أمل لها في مسايرة الامم في سباق الحياة ؟

أنكون شعبا لا أمل في ذكائنا ، فلا يستطيع النجاح من أبنائنا إلا عشرهم بعد الكد والكدح والنضال

الطويل ؟ أم هي نزوات ثائرة جامحة ممن وقف للآبناء يحاسبهم ويناقشهم ، أو كما يقولون يمنحنهم ؟ هل تكون شهوة الجبروت قد جرفت معها الأساتذة فأرادوا ان يظهروا البراعة في فهم ، بأن يسخروا من ضعف الشبان الذين يريدون أن يتخرجوا في العلم عليهم ؟ لست ادري أي هذين كان علة الخدلان ، فإني لا أعلم إلا شيئا واحدا وهو أن المجتهد لم يكن له نصيب . ولا شك في أن ثمة خطأ شبيها في تسيير الأمور .

أين تقع المسئولية في ذلك الجهد الضائع كله ؟ أتقع على الطالب الذي قضى الليالي في جيده القاطع ، أم تقع على الأستاذ الذي لم يستطع أن يوصل علمه إلي تلميذه ، وتركه يعاني مرارة الخيبة بعد عام طويل ؟ أم ان المسئولية ليست على هؤلاء ولا على هؤلاء ، بل هي في النظام الذي يسيرون عليه ؟

قيل إن للصيلبين عادة قديمة يفدسونها في علاج مرضاهم : قيل إن الطبيب هناك يتلقي من الناس أجرا ما داموا أصحاء ، فإذا هم مرضوا كان عليه أن يلتمس لهم الطب ويقوم على علاجهم ، حتى بعيد إليهم الصحة بغير أن يفيد منهم مالا علي علاجهم ما داموا مرضي ، فإذا عادت إليهم الصحة استحل لنفسه منهم الأجر فتقاضاء . ألا نستطيع في مصر أن نلجأ إلى مثل هذا في أجور الأساتيذ ؟ إنه اقتراح أقدمه للجامعة ألا تعطى لأستاذ أجره إلا ما دام طلبته ينجحون ، فإذا هم قعدوا ورسبوا فلا يكون له حق في الآجر حتى يعودوا إلى سبيل النجاح .

وليت الأمر مقصورا على طلبة الجامعة ، أو شبان المدارس الثانوية ، فإن لهؤلاء ألسنة يستطيعون أن ينطقوا بها ، وإن لهم حجة يستطيعون أن يدافعوا عن أنفسهم بحدها . فإن من الأبناء طائفة أخري كرغب القطا ، يمرحون من بعض إلى بعض في اختلاج الضعفاء وسذاجة البرءاه مساكين هؤلاء ، لقد عرفت ما كابدوا من المشقة ،

وكنت أشفق أن يكون جهد الدرس مفسدا لما لا ينبغي له أن يفسد من قوة اأعضائهم ، وهم بعد في مقتبل العمر ، وأمامهم من السنين ما يحتاج إلى قوة الجسم ، وقوة الروح ، والأمل الجريء مساكين هؤلاء لقد دخلوا أخيرا إلى الامتحان . وها هو ذا امتحان شهادة  إتمام الدراسة الابتدائية تحت يدى ، وأنا أكتب هذه السطور .

هذا هو امتحان اللغة الإنجليزية - وأنا أفهم أن المقصود من تعليم هذه اللغة لتلاميذ المدارس الابتدائية أن يعرفوا مبادئ القراءة والكتابة بها ، فكنت أظن أن امتحانهم لن يكون سوى سؤال عن جملة يكتبها التلميذ ليعلم أستاذه أنه يستطيع أن يكتب جملة إنجليزية . ثم جملة أخرى يقرؤها ويسأله أستاذه عنها ، ليعرف أنه يستطيع فهم جملة إنجلزية . هذا ما كنت أفهمه ، فماذا هناك ؟ هناك خمسة أسئلة طويلة ، في كل منها أجزاء تختلف عددا وتتباين طولا وعرضا ، فبعضها يحوي ثلاثة أجزاء ، وبعضها يحوى خمسة .

ثم هذا سؤال منها مترجما : أيها التلميذ أكمل الجمل الآتية :

١ - لم يقدر أن يحمل الخشب فقال لصديقه : " من فضلك . ."

٢ - كسر الخادم الفنجان فقال لسيده :"لا . . " ٣ - قال الرجل في القطار : " الحقائب . . ." 4- لم يكن لديه نقود فقال : " يا أيت . . . " ٥ - كان في ثوبه قطع فقالت أمه : " . . إيرني "

سؤال طويل فيه كلام كثير ، وقد يكون فيه من الألفاظ ما لايفهمه التلميذ ، ثم لا يقصد من ورائه إلاجواب منهم ، لا يدل على معرفة ببناء جملة أو فهم أخري .

وهاك سؤالا آخر : أيها التلميذ اقرأ هذه : وهي قصة طويلة عن قوم في بلد من البلاد اسمها (إيام) ، كان فيهم مرضى ، فآثروا ن يمتنعوا عن مخالطة

الناس ، وأن يموتوا حيث هم ، وأن يمنعوا الناس من الدخول إلي بلدهم . فقضوا أربعة أشهر محجوبين في قريتهم ، وبعد ذلك وجهت هذه الأسئلة :

١ - لم لم يستطع أهل إيام أن ينجوا حياتهم ؟ ٢ - علام عزموا ؟ ٣ - حياة من أرادوا أن يخلصوا ؟

فأي وقت طويل ، وعناء شديد في فهم قصة سخيفة ، لا يقصد من ورائها إلا معرفة ما إذا كان التلميذ يستطيع أن يكون جملة قصيرة ! ومع ذلك ، فهل يستطيع الممتحن يمثل هذه القصة أن يكشف عن الحقيقة التي قصد إليها ؟

وسؤال ثالث ، قصة أخري طويلة أؤكد أنني قضيت مدة حتى فهمتها ، مع أننى أزيد في معرفة اللغة الإيجليزية على تلميذ السنة الرابعة الابتدائية : قصة جندي محارب أمره ضابطه ألا يكتب إلي أحد عن الموضع الذي يكون فيه ، ثم سافر الجندي إلي الحرب ، ولم يعلم أين هو ذاهب . وأخيرا وصل إلى مكان ما ؟ وكتب خطابا إلى أمه ، وأرسله إلى الضابط ليقرأه قبل إرساله ، كما هو متبع في الحرب ، وهذا هو كتاب الجندي إلي أمه :

أمي ! لا أستطيع أن أخبرك عن موضعي ، لأن ذلك محرم على ؛ ولكنني وأنا في خيمتى أستطيع أن أري الأهرام . والمطلوب من ذلك كله هو :

١ - ما الذي كان يمنع إخبار الجنود عن المواضع التي سيذهبون إليها ؟

٣ - من الذي قرأ رسائل الجنود ؟ ٣ - إلي أين ذهب الجندي ؟ ثم طلب من المساكين فوق ذلك أن يتموا الجمل الآتية :

١ - عند ما قرأ الضابط خطاب الجندي . . ٢ - كتب الجندي الخطاب الذي . . .

٣ - الجنود . . يخبرون أسرهم أين . . فأي جهد هذا الهد المنهك للقوي في قراءة كل هذه القسم البعيدة عن تجارب التلاميذ ؟ وأي قصد من وراء ذلك سوي أن يعرف التلميذ كيف يبني جملة .

مساكين أيها الأبناء !

ولم يكن امتحان اللغة الإنجليزية هو البلاء الوحيد ، فقد كان ذلك الامتحان مثلا من الروح الشامل كله . فلقد خيل إلي وأنا أقرأ هذا الامتحان أننى حيال رجال يشعرون عن أذرعهم لكي ينازلوا بعضلاتهم الأطفال المساكين الذين يختلجون في مشيتهم .

هذا امتحان الحساب جزي الله صاحبه ، وحسبي أن أسوق منه مثلا واحدا : يريد أن يمتحن التلاميذ عن طريقة القسمة النسبية فأبي أن يلقي سؤالا طبيعيا مما يلقاه الناس في الحياة . أبي أن يسأل عن مبلغ من المال يقسم بين ورثه على نسب محددة ، أو أن يقسم أرضا بين شركاء على نسب معينة ، بل أتى بمبلغ من المال جمله ثمن مقادير من البن والشاي والصابون ؛ ثم أعطي التلميذ النسبة بين عدد أرطال . كل من البن والشاي والصابون ، ثم أورد نسبة أخري معقدة بين ثمن الرطل الواحد من البن والشاي والصابون ، وطلب من التلميذ أن يعرف وجه الخلاص لنفسه من كل هذه النسب المعقدة لكى يقسم المبلغ الذي قدره

مساكين أيها الأبناء !

هذا سؤال واحد من ست مسائل كل منها لها ذنب معقد ، أو ذنبان معقدان ؛ فقد أبى الممتحن إلا أن يجعل للسؤال الأول ذنبين معقدين .

أيمكن أن يكون مثل هذا الامتحان وسيلة لدفع الأبناء في سبيل الحياة ؟

حقا إنها ضحايانا الأطفال !

اشترك في نشرتنا البريدية