فى ساعة مبكرة من صباح ذات يوم ، طرق بيت الدكتور " ك " أحد مشاهير الأطباء فى بشت زائر طلب مقابلة الدكتور ، وألح فى ضرورة مقابلته فى الحال ، قائلا بأن أى تأخير قد يترتب عليه أخطر النتائج .
أدخله الخادم غرفة الاستقبال لينتظر ، وذهب لايقاظ الدكتور الذى أسرع بارتداء عباءته ، وأمر أن يحضر المريض إليه .
وجد أمامه رجلا لم يقع عليه نظره من قبل ، ولكنه من مظهره وسلوكه كان ينتسب إلى أرقى طبقات المجتمع ، كان وجهه ترتسم عليه علائم الألم المبرح الجثمانى والنفسانى ، وكانت يده معلقة فى رباط يتدلى من رقبته ، ورغم انه كان يبذل الجهد فى سبيل ضبط نفسه فانه لم يستطع أن يكبح زفرة مكتومة كانت تفلت من بين شفتيه من حين لآخر .
قال فى صوت ضعيف خافت : - الدكتور ك ... ... ...؟؟ - نعم أنا هو ... ...
- لم أتشرف بمعرفتك من قبل ، وذلك لأنى أقيم فى الريف ، ولكن صيتك الذائع وشهرتك يجعلانك معروفا لدى الجميع ، على أنى لا أستطيع أن أقول إن هذه المعرفة سعيدة ، أو إن زيارتى ستسرك ...
ورأى الدكتور أن قدمى الرجل المتألم لا تقويان على حمله ، فأشار إليه بالجلوس .
- متعب أنا ومكدود ، لم أذق طعم الكرى منذ أسابيع ، يدى اليمنى لا أدرى ما بها ، لا أدرى إن كان دملا أم سرطانا ... بدأ الألم خفيفا ، ولكنه أصبح الآن التهابا فظيعا ... التهابا فظيعا لا ينقطع ، بل يزداد يوما بعد يوم ... ولما لم أقدر على تحمله أكثر من ذلك ، جئت إليك لتزيل الجزء المصاب ، فساعة أخرى من هذا العذاب كفيلة بأن تذهب بعقلى .
وحاول الدكتور أن يبعث فى نفسه الطمأنينة ، فقال له إنه قد يستطيع ان يشفيه من آلامه بواسطة المراهم والمحاليل ، دون الحاجة إلى استخدام المشرط .
ولكن المريض صاح : - لا لا يا سيدى ... ليس هناك مراهم أو محاليل يمكن أن تريحنى ، لا بد من المشرط ، لقد جئت إليك لتقطع بمبضعك الجزء الذى يسبب لى كل هذا الألم الفظيع . قال الدكتور :
- أرنى هذه اليد ... ... ...
فمد المريض يده وهو يصك أسنانه ، كأن ألمه فيما يظهر لا يحتمل ، وأخذ يفك ضماداتها بحيطة وحذر بالغين فى الشدة ... ... ...
- قبل كل شئ ، أرجو منك يا دكتور ألا تتردد إذا رأيت ما يدعو إلى الدهش ... مسألتى غريبة جدا ، وسيتولاك الدهش ، ولكن يجب ألا تولى ذلك أهمية ما .
فطمأن الدكتور بال المريض ، وأكد له بأنه كطبيب
يزاول مهنته ، قد ألف رؤية كل شئ ، وليس هناك ما قد يدهشه .
ولكنه بالرغم من ذلك تولاه الدهش والذهول عند ما وقع نظره على اليد ، بعد أن خلصت من أربطتها ، لم يكن بها ما يلفت النظر ، كانت كأية يد ليس بها خدش أو جرح ، أو أى مظهر للمرض ... وفى ذهوله وحيرته تركها تقع من يده ...
وما فعل ذلك حتى صرخ الرجل من شدة الألم صرخة عالية ، وحمل يده المصابة بيده الأخرى ليرى الدكتور أنه حقا يتألم ، وأنه لم يأت بقصد مداعبته أو تحييره .
- في أى موضع تحس الألم ؟ - هنا يا سيدى .
قال الرجل ذلك وهو يشير إلى موضع فى ظاهر يده يفترق عنده عرقان ، وسرت فى جسمه رعدة حين مسها الدكتور بطرف أصبعه مسا خفيفا
- أتحس الالتهاب فى هذا الموضع ؟ - بدرجة لا تطاق ! هل تحس بشئ حين أضع أصبعى عليه ؟
ولكن الرجل لم ينطق بجواب ، بل امتلأت عيناه بالدموع ، كأن ألمه حاد لا يحتمل .
- عجيب ! أنا لا أرى شيئا !
- ولا أنا ، ولكن ما أحسه فظيع ... فظيع حتى ليدفعنى أحيانا إلى أن أضرب رأسى فى الجدار وأهشمه .
تناول الدكتور عدسة مكبرة وفحص الموضع الذى قال الرجل إنه مصاب ، ولكنه هز رأسه وقال :
- الجلد ممتليء حيوية ، والدم يجرى فيه بانتظام ، وليس هناك التهاب أو سرطان . وهذا الموضع سليم كأى موضع آخر فى يدك !
- ولكنى أظن البشرة حمراء قليلا هناك . - أين ؟
أخرج الرجل قلما من جيبه ، ورسم به على ظاهر يده دائرة بحجم قطعة النقد الصغيرة وقال :
- هنا ... ...
رفع الدكتور عينيه وتطلع فى وجه الرجل ، وقد بدأ يعتقد بأنه معتوه . وأخيرا قال له :
- ابق هنا بضعة أيام وأنا أشفيك . - لا أستطيع الانتظار . لا يدر بخلدك أننى مجنون أو معتوه . هذه الدائرة التى رسمتها بقلمى هى مقر هذا العذاب الجهنمى الذى ألقاه ، وقد جئت إليك لتزيله .
قال الدكتور :
- هذا أمر لا أستطيع أن أفعله . - لماذا ؟ . - لأن يدك لا يظهر بها أى اعتلال باثولوجى ، وليس فى الموضع الذى رسمته اعتلال ما .
- الظاهر أنك تعتقد حقيقة بأننى مجنون أو أننى أتيت لأهزأ بك .
قال الرجل ذلك ثم دس يده فى جيبه ، فأخرج منه ورقة من أوراق البنكنوت قيمتها ألف فلورين وضعها على المائدة ثم قال :
- لعلك ترى الآن أننى لست ألهو وأن الخدمة التى جئتك من أجلها عاجلة بقدر ما هى مهمة . إننى أستحلفك أن تزيل من يدى هذا الموضع .
- أكرر لك يا سيدى القول بأن كنوز العالم بأسره لا يمكن أن تجعلنى أعتبر الصحيح معتلا ، ولا يمكن أن تجعلنى أجس بمبضعي جسما سليما .
- ولم لا ؟ - لأن مثل هذا العمل يلقى الشبهات على درايتى الطبية
ويؤثر فى سمعتى . سيقول الناس إنك كنت مجنونا وإننى كنت إما رجلا عديم الذمة فقمت باستغلال حالتك أو جهولا فلم أعرفها .
- هذا حسن . هل تسمح لي بأن أطلب منك شيئا واحدا ، خدمة بسيطة . إننى أستطيع أن أقطع بنفسى الموضع المصاب . لن أقطع كما يجب لأن المبضع سيكون في يدى اليسرى ، ولكن هذا لا يهم . كل ما أرجوه منك هو ان تتفضل وتضمد الجرح بعد العملية .
دهش الدكتور حين رأى الرجل جادا فيما ذهب إليه ، فقد خلع رداءه وشمر عن ساعده وتناول مبضعا فى يده اليسرى . وقبل أن يستطيع الدكتور أن يفعل شيئا كان صلب المبضع قد أحدث فى الجلد قطعا عميقا .
- قف .
صاح الدكتور وهو يخشى أن يمس الرجل عرقا مهما : - ما دام الأمر كذلك فدعنى أقم بالعملية .
وتناول المبضع ووضع يد المريض اليمنى فى يده اليسرى وطلب منه ان يشيح بوجهه ، فأ كثر الناس لا يطيقون منظر الدم .
- ليست هناك حاجة إلى ذلك ، بل بالعكس يجب ان أرشدك أنا إلى الموضع .
شهد الرجل العملية إلى النهاية ببرود عظيم ، بل لقد كان يرشد الدكتور إلى حدود القطع ، ولم ترتعش قط يده المبسوطة فى يد الدكتور . وبعد أن انتهت العملية وأزيلت الدائرة التى رسمها بقلمه زفر زفرة هائلة كمن أزيح عن كاهله عبء ثقيل باهظ .
- لا يؤلمك الآن شئ ؟
أجاب الرجل وقد انفرجت أساريره بابتسامة :
- كل شئ زال والألم قد اختفى ، وكأنه زال بزوال الجزء المقطوع . والعناء القليل الذى يسببه نزيف الدم تافه
إذا قارناه بالألم السابق ، بل إن مثله مثل النسيم الصافى الرقيق بعد لفحة من جهنم ، إننى أشعر بارتياح كبير عندما أرى الدم يفيض منى ، دعه ينزف ، دعه ينزف ، ففى ذلك راحة كثيرة لى .
كان الرجل يرقب منظر الدم يسيل من جرحه بارتياح وبهجة ، ولكن الدكتور اصر على تضميد يده .
تغيرت ملامح وجهه كل التغير أثناء عملية التضميد ، فقد انمحى ذلك التعبير المفعم بالألم ، وتلاشى ما كان يبدو على وجهه من عبوس ويأس ، وارتسمت عليه أمارات البشر والارتياح . عاد إليه حبه للحياة واستوى حاجباه ، وجرى ماء الحياة فى وجنتيه - تغير الرجل تغيرا كليا بان أثره فى ملامح وجهه وحركاته .
وما إن وضعت يده فى الرباط المتدلى من عنقه حتى مد يده اليسرى ، وصافح الدكتور وضغط على يده بحرارة وقال له :
- تقبل شكرى العميق فقد شفيتنى تماما ، والمال التافه الذى أقدمه لك لا يقاس بتاتا بالخدمة التى قدمتها لى . سأبقى مدة حياتى مدينا لك ، وسأبحث عن الوسيلة التى أستطيع أن أرد بها دينى لك .
لم يشأ الدكتور أن يستمع إلى شئ من ذلك ، ولم يشأ أن يقبل الألف فلورين الموضوعة على المائدة ، إلا أن الرجل هو الآخر رفض ان يستعيدها والتمس منه ان يهدى النقود إلى أحد المستشفيات وانصرف .
وبقى الدكتور " ك " عدة أيام يتعهد مريضه إلى أن شفى الجرح الذى فى يده شفاء تاما . وقد استطاع فى خلال تلك المدة أن يطمئن إلى أنه يعالج إنسانا مهذبا على درجة كبيرة من الثقافة والاطلاع المنوع ، سديد الرأى ، صائب الحكم على الأشياء . وكان بجانب ثرائه يشغل منصبا مهما فى الدولة . ومنذ زال ألمه الخفى لم يلحظ عليه
الدكتور أى أثر لمرض جثمانى أو نفسانى .
وانتهى العلاج أخيرا وعاد الرجل فى هدوء إلى مسكنه بالريف .
ومضت على ذلك ثلاثة أسابيع ، إلى أن حدث صباح ذات يوم أن قدم المريض العجيب مرة أخرى .
خف الدكتور " ك " لاستقباله فوجده معلق اليد فى رباط رقبته وقد تقلصت تقاطيع وجهه من فرط الألم بحيث لم يكن من السهل معرفته . لم ينتظر الرجل دعوة الطبيب ، بل ارتمى فوق أحد المقاعد ، وزفر زفرة عميقة تدل على شدة الألم الذي كان يعانيه ، ثم مد يده للدكتور دون أن ينطق بكلمة .
سأله الدكتور ك ذاهلا : " ما الذي جرى ؟"
أجاب الرجل فى صوت حزين خافت : " لم نعمق القطع عمقا كافيا ، فالالتهاب شديد محرق أقسى من ذى قبل ؛ لقد هد قواى وصلب ذراعى . ولم أشأ أن أضايقك مرة ثانية ، فتحملت الألم طويلا على أمل أن يتدرج ذلك الألم الخفى فيصعد إلى رأسى أو يسرى إلى قلبى ، فيضع حدا لحياتى التعسة ، ولكنه لم يفعل ، فالألم ثابت لا ينتقل ؛ إنه لا ينتقل ولكنه لا يوصف ، الأ ترى وجهى يا دكتور ؟ تأمله لتعرف مقدار ما أعانى من ألم " .
كان ممتقع الوجه فى لون الشمع ، وقد تعقد فوق جبينه العرق البارد . فك الدكتور الرباطات التى أحاطت بيده ، كان موضع العملية قد التأم وتكون جلد جديد ، لم يبد أثر لشئ غير عادى .
وكان نبضه يدق بسرعة وأطرافه كلها ترتعش ، ولكن حرارته لم تكن مرتفعة .
صاح الدكتور وقد ازدادت دهشته : " الحق أن هذا مدهش ، فأنا لم أر فى حياتى حالة كهذه ! "
- أجل إنها عجيبة يا دكتور ، عجيبة مروعة !
لا تحاول ان تجد لها تعليلا ، وإنما خلصنى من هذا العذاب . تناول مبضعك واقطع قطعا عميقا واسعا ، فبغير هذا لا يمكن أن أجد راحة أو هدوءا .
رأى الطبيب نفسه مضطرا لأن يخضع لتوسلات مريضه ، ومرة ثانية أجرى العملية معمقا القطع أكثر من ذى قبل . وللمرة الثانية قرأ فى وجه المريض علائم الارتياح وابتهاجه العجيب لرؤية الدم ينزف من الجرح .
ومجرد أن اشتملت يده اللفائف تلاش شحوب الموت من وجهه وعاد إلي خديه نور الحياة ، ولكن الابتسامة لم تعل شفتيه هذه المرة . وشكر الطبيب فى نبرة حزينة :
- شكرا يا دكتور . لقد زال الألم مرة ثانية وسيلتئم الجرح فى أيام ، ولكنى أرجو ألا تندهش إذا رأيتنى مرة ثانية قبل انقضاء شهر !
- يا سيدى العزيز ! اطرد هذه الفكرة من دماغك .
ذكر الطبيب هذه الحالة العجيبة إلى الكثيرين من زملائه ، كان كل منهم يرى رأيه فيها ، إلا أن أحدا منهم لم يستطع أن يدلى بتفسير مقبول لها .
اقتربت نهاية الشهر وانتظر الدكتور"ك " ظهور تلك الشخصية الغامضة ، إلا أن الشهر انقضى ولم يظهر الرجل .
وانقضت أسابيع تلتها أسابيع ولم يبد له أثر ، إلى أن كان ذات يوم تسلم الدكتور رسالة واردة من نفس المتألم الغريب . كانت الرسالة مكتوبة بخط ضيق ، واستنتج من التوقيع انها كتبت بيد المريض نفسه ، وأن الألم لم يعد إليه ، وإلا لما كان من الميسور له أن يمسك القلم .
أما الرسالة فقد جرت كالآتى :
" سيدى الدكتور العزيز ، لست أستطيع أن أتركك أو أترك الطب فى شك وحيرة بشأن هذا المرض
الغامض العجيب الذى سيؤدى بى قريبا إلى القبر .
" سأذكر لك الآن منشأ هذا المرض الفظيع . لقد عاد إلى فى الأسبوع الماضى ، ولكنى لن أكافحه أكثر من ذلك . إننى فى هذه اللحظة أستطيع أن أكتب لأننى أضع على الموضع الحساس قطعة من الصوفان الملتهب ؛ بهذه الكيفية فقط أستطيع أن أمسك القلم ، وما دام الصوفان مشتعلا فاننى لا أشعر بالألم الآخر وألم النار تافة بالقياس له .
" منذ ستة شهور كنت فى عداد السعداء ، كنت رغيد العيش ناعم البال خاليا من الهم والشجن ، أنعم بكل ما يمكن أن ينعم به رجل فى الخامسة والثلاثين ؛ قبل ذلك بعام كنت قد تزوجت من سيدة شابة وهبها الله حسنا خلابا وعقلا راجحا وقلبا طيبا . كانت تدير بيت جارة لى كونتس ، أحببتها ولم تكن غنية فشغفت بى شغفا عظيما ، لا عرفانا منها بالجميل فحسب وإنما نتيجة حب ساذج حقيقى .
" تزوجنا وانقضت ستة شهور ، كان كل يوم منها أسعد من اليوم الذى سبقه ، وكانت زوجتى إذا ضطررت للذهاب إلى بشت لا تعرف للراحة طعما طيلة غيبتى ، وتخرج لملاقاتى فى فى الطريق على بعد أميال من البيت . وكانت إذا ما تأخرت تقضى الليل مسهدة ساهرة فى انتظار أوبتى . وكانت لا تترك البيت إلا إذا توسلت أنا إليها فى زيارة الكونتس سيدتها السابقة ، التى كانت ما تزال شديدة التعلق بها ؛ ولكن رغم ذلك لم يكن هناك ما يمكن ان يقصيها عن بيتها أكثر من نصف يوم . كان غيابى دائما سببا فى كدرها ، فلقد ذهبت فى حبها لى إلى أن تركت الرقص لئلا تضطر إلى مراقصة إنسان غيرى . وقصارى القول أن زوجتى كانت مخلوقا ساذجا لا يشغل فكره شئ سواى ؛ حتى الأحلام كانت فى نظرها جرائم تعترف بها إذا لم أكن أنا لحمتها وسداها .
" لست أدرى أى شيطان همس فى أذنى ذات يوم قائلا : وإذا كان هذا كله نفاقا ورياء !
"والرجال كثيرا ما يذهب بهم الجنون وهم فى عزتهم وسعادتهم ، إلى حد البحث عن الشقاء والعذاب . كان لزوجتى مكتب صغير ، وكانت تعنى بحفظ أحد أدراجه مغلقا على الدوام . لاحظت ذلك غير مرة ، ولاحظت أنها لم تنس المفتاح مرة واحدة ، أو تترك الدرج مفتوحا .
" أخذ هذا الهاجس ينتابنى - ما الذي يمكن أن تخفيه هناك ؟ جننت ! لم أعد أعتقد فى سذاجة طلعتها ، أو فى طهارة نظراتها ، او فى تدليلها ، او فى قبلاتها ، كيف إذا كان كل هذا رياء ؟
" وجاءت الكونتس من جديد صباح أحد الأيام لتدعوها إلى بيتها ، وبعد إلحاح نجحت فى حملها على الذهاب وقضاء اليوم معها ، وكان البيتان يبعدان عن بعضهما عدة أميال ، فوعدت زوجتى باللحاق بها بعد قليل .
" ولم تكد العربة تغادر فناء الدار حتى جمعت كل المفاتيح الموجودة بالبيت ، فأخذت أجربها على قفل الدرج الصغير إلى أن فتحه أحدها . كنت كالرجل الذى يرتكب جرمه الأول ، كنت كاللص على وشك مفاجأة أسرار زوجتى المسكينة ؛ ارتعشت يداى وهما تخرجان الدرج فى حذر ، أخذت أقلب الأشياء الموجودة فيه واحدا واحدا باحتراس حتى لا يتغير ترتيبها ، ولكى لا ينم عن أى يد غريبة عبثت به . كان صدرى ضيقا وكنت أكاد أختنق . وفجأة - لمحت قطعة من الدانتلة - وضعت يدى على حزمة من الرسائل . سرت في جسمى رعدة سريعة كأن وميضا من البرق اخترقنى من الرأس إلى القدم . أوه ! كانت من نوع الرسائل التى يعرفها الانسان من لمحة - رسائل حب .
" وكانت الحزمة ملفوفة بشريط وردى اللون موشى بالفضة .
"أخذت أفكر . أهذا ممكن ؟ أهذا عمل رجل شريف ؟ أن يسرق الرجل أسرار زوجته أسرارا تتعلق بها أيام أن كانت فتاة صغيرة . هل لى الحق فى أن أحاسبها على ماضيها قبل أن أتزوجها ؟ هل من حقى أن أغار على زوجتى قبل ان تكون زوجتى ، بل وقبل أن أعرفها ؟ من ذا الذى يرتاب فى طهارتها ؟ من ؟ إنما أنا مجرم أثيم إذا ارتبت فيها .
" إلا أن الشيطان همس فى أذنى مرة ثانية ؛ ولكن ماذا إذا كان تاريخ هذه الرسائل يعود إلى الوقت الذى لك فيه الحق فى الاطلاع على كل أفكارها . الوقت الذى لك أن تغار فيه حتى من إصلاحها . الوقت الذى هى فيه ملك لك ؟
" حللت عقدة الشريط ولم يرنى أحد . لم يكن هناك أحد ، حتى ولا مرآة تجعلنى اخجل من نفسى . فضضت رسالة وثانية وثالثة وقرأتها كلها حتى نهايتها .
" يا لها من ساعة ! كانت ساعة لقيت فيها من الهول والروع ما يصرع !
" أحط أنواع الخيانة التي يمكن أن يروح ضحيتها رجل ! وكان كاتب هذه الرسائل صديق عزيز لى : واللهجة التى كتبت بها ؛ أى عواطف وأى حب : ! لابد أنه متبادل ! كم تكلم عن حفظ السر ! وجميع هذه الرسائل كان يقع تاريخها فى الفترة التى كنت فيها متزوجا وسعيدا !
" كيف أستطيع أن أفسر لك طبيعة إحساسى إذذاك ؟ تصور النشوة التى يحدثها سم قاتل . . قرأت تلك الرسائل واحدة واحدة ثم أعدت ترتيبها كما كانت فى شكل الحزمة وربطتها بالشريط ووضعتها تحت الدنتلة وأقفلت الدرج .
"كنت أعلم أنها ستعود وحدها إذا لم ألحق بها . وهذا ما حدث ، فقد استقلت العربة فى المساء وعادت إلى البيت ؛ وما كادت العربة تقف بالباب حتى نزلت منها وأسرعت
نحوى ، وكنت فى انتظارها على درجات المدخل وقبلتنى بحنان وحب ارتسمت على وجهها أمارات السعادة الحقيقية وقد وجدت نفسها مرة ثانية معى . أما أنا فلم أدع شيئا مما يدور فى نفسى يظهر أثره على وجهى . تحادثنا وتناولنا طعام العشاء سويا ، ثم افترقنا كل منا إلى مخدعه . لم يغمض لى جفن بل سهرت أعد الساعات ، ولما دقت الساعة الربع الأول بعد منتصف الليل نهضت من سريرى وذهبت إلى مخدعها . رأيت رأسها الأشقر الجميل بين الوسائد البيضاء كملاك وسط سحب من الثلج . ألا ما أبشع رياء الطبيعة حين يرتدى الإثم ثوب الطهر والبراءة ؛ كنت فى مثل عناد المجنون قد ملئت عزما تغلغل فى عميق نفسى وسرى إلى روحى . ملئت عزما على أن أنتزع روحها وهى نائمة .
" سأمر على تفاصيل الجريمة مرورا . فاضت روحها فى هدوء وروعة - كما يروح الانسان فى النوم ، ولم تحاول مقاومة ما . طول ذلك الوقت الذى قضيناه سويا كزوجين لم تغضب منى ، ولم تنفعل مرة واحدة ، وفى لحظاتها الأخيرة التى انتزعت فيها روحها لم تغير هذا الطبع بل انتهى كل شئ فى هدوء ، نقطة واحدة من الدم سقطت على ظاهر يدى - أنت تعرف أين . لم أرها إلا فى اليوم التالى وكانت قد جفت .
" وواريناها التراب دون أن يشتبه أحد فى الحقيقة . كنت أعيش فى عزلة ، فمن ذا الذي يستطيع أن يكشف عن الحقيقة ؟ ولم يكن لها أب أو وصى يستطيع أن يوجه إلى سؤالا أو استيضاحا ، وتعمدت تأخير إرسال الدعوات المعتادة لحضور الجناز ، حتى لا يصل أصدقائى فى الوقت المناسب .
" وعند ما عدت من المدفن لم أحس بشئ من وخز الضمير . صحيح أننى كنت قاسيا ، ولكنها كانت تستحق ذلك . لم أستطع أن أكرهها ، ولكنى حاولت أن أنساها ،
وفعلا لم أفكر فيها كثيرا . لم يرتكب إنسان جريمة قتل ثم لم يحس وخز الضمير والندم القاتل على فعلته كما فعلت أنا .
"وعدت إلى القصر فوجدت الكونتس هناك . وكنت قد رتبت كل شئ بحيث تصل متأخرة عن الزمن . ولما قابلتنى كانت تبدو شديدة الاضطراب ، وكان فى صوتها رنة غريبة لم أفهمها . لا أدرى إن كانت كلماتها قد أشربت بالرعب ، أو العطف ، أو الحزن ؛ ولم أفهم ما قالته لى على سبيل التعزية .
"هل كنت أستمع إليها ؟ هل كنت فى حاجة إلى العزاء ؟ لم أكن حزينا . لم أكن حزينا . وأخيرا أخذتنى من يدى فى رفق ، ثم قالت وهى تخفض صوتها إنها مضطرة إلى أن تسر إلى بشىء ، وأنها تعتمد على شرفى كجنتلمان أن لا أبوح بالسر . أما هذا السر فهو أنها أعطت زوجتى حزمة من الرسائل لتحفظها ، لأنها لم تستطع أن تحفظها فى بيتها ، وسألتنى أن أعيد إليها هذه الرسائل ...
" أحسست رعدة تسرى فى جسدى .. انتفضت انتفاضا متتاليا وهى تتكلم ، على أننى تصنعت البرود ، وسألتها عن محتويات الرسائل ، فانتفضت السيدة حين سألتها هذا السؤال ، وأجابت غاضبة :
- سيدى ، لقد كانت زوجتك أكثر منك كرما ، فعندما أودعتها الرسائل لم تسألنى ما فيها ، وقد ذهب بها كرم الخلق أن وعدتنى أن لا تنظر إليها ، وأنا على بينة بأنها لم تقرأ سطرأ واحدا منها . لقد كانت نبيلة القلب ، ولا يمكن أن تكون قد حنثت بوعدها . قلت :
- هذا حسن . وكيف أعرف هذه الحزمة ؟ - كانت مربوطة بشريط وردى اللون موشى بالفضة . - سأذهب وأبحث عنها .
" وأخذت مفاتيح زوجتى ، وأنا أعرف جيدا أين أجد الحزمة ، ولكنى تظاهرت بأننى عثرت عليها بعد بحث وجهد .
" قلت للكونتس وأنا أناولها الرسائل :
- هل هذه رسائلك ؟ - نعم هى بعينها ، أنظر : فالعقدة التى عقدتها بنفسى لم تمسها يد .
"لم أجسر على أن أرفع عينى فى عينها . خفت لئلا تقرأ فيها أننى حللت عقدة تلك الحزمة ، بل وأكثر من ذلك .
"استأذنت منها فجأة ، فركبت عربتها وانصرفت .
" زالت نقطة الدم ، ولم يتخذ الألم أعراضا خارجية ، إلا أن المكان الذى وقعت عليه نقطة الدم كان منبع ألم هائل ، يزداد من ساعة لساعة ، وكأنه أصيب بسم فتاك . وقد يغمض الكرى جفنى ، إلا أن الشعور بالألم لا يفارقنى مطلقا . وأنا لا أشكو لأحد ما ، فليس هناك من يمكن أن يصدق حكايتى ، وقد رأيت شدة عذابى ، وتعلم كيف أراحتنى العمليات ؛ ولكن الألم يعود بمجرد التئام الجرح ؛ وها هو يعاودنى للمرة الثالثة ، ولم تعد لدى قوة على احتماله ، ففى ظرف ساعة أكون فى عداد الموتى . فكرة واحدة تعزينى ، وهى أنها قد انتقمت لنفسها فى هذه الدنيا ، وربما تسامحنى فى الدار الآخرة .
" وفى الختام أرجو ياسيدى الدكتور أن تقبل شكرى على كل ما فعلته من أجلى ، وليكن جزاؤك عند الله " .
قرأ الناس فى الصحف بعد ذلك بأيام أن " س " أحد كبار الملاك قد انتحر ، بأن أطلق الرصاص على نفسه ؛ وقد أرجع البعض سبب انتحاره إلى حزنه على فقد زوجته ، وأرجعه آخرون أكثر علما إلى جرح عضال لا يشفى ؛ وأنا من أولئك الذين كانوا يعرفونه جيدا ، فقد قالوا بأنه أصيب بجنون موضعى ، وبأن جرحه المستعصى لم يكن له وجود إلا فى خياله .
(انتهت)
