لاحظت من مدة أن زميلى بيرو يبدو عليه الحزن والا كتئاب ، وكان بطبعه ميالا إلى العزلة والسكون ، فلم يحدث أحداً عن سبب اكتئابه وحزنه ، ولكنك لم تكن تشك لحظة إذا ما صحبته طويلا أن نفسه كانت ترزح تحت أعباء حزن عميق هائل ؛ ولقد كان الحزن يبدو عليه دائماً ، ويتمثل في تقاطيع وجهه ، حتى لقد أصبح جزءاً منه لا ينفصل .
وفي مساء يوم صائف جميل كنا نتمشى جنباً لجنب على ضفاف الدانوب ، وقد انعكس فوق الأمواج القاتمة نور النجوم الفضية اللامع ، كما انعكست صورة السحاب الخفيف الذى كان يمرق مروقاً أمام القمر ، وحمل إلينا النسيم من القرية أصوات موسيقى خافتة ، وشدا البلبل شدواً عذباً بين أفنان الشجر ، وسرى الماء في خرير خافت تحتنا ، وأتى من بعيد صوت طاحون متحرك يشبه الأنين . كان المساء رائعاً لذيذاً فى هدوئه وسكونه . وفجأة قطع السكون صوت فتاة جميل واضح ، فتاة تغنى فى قارب بعيد أو في الطاحون ، فجفل بيرو ووقف فى مكانه وأخذ يرتعش كقصبة في مهب الريح ، وتمتمت شفتاه وهو فى مكانه لا يتحرك : " أغنيتها . . . أغنيتها . . . " ووقفنا ساكتين ننصت إلى الصوت الجميل حتى خفت وتلاشى في ظلام الظلال ، فالتفت صديقى إلى وأمسك بذراعى وبدأ يتكلم وهو لا يكاد يستطيع التنفس . لقد كانت قصة حزنه الدفين . . .
أفكر فيها دائماً فيبرح بى الشوق ، وتزداد آلامى يوماً بعد يوم كلما تذكرت أيامنا اللذيذة ، ثم شناعة ما حدث
بعد ذلك ؛ لا تبرح مخيلتى صورتها الجميلة ، ويتردد اسمها على شفتى ، وأمد ذراعى لأحتويها ، بالرغم من أنى أعلم أنها فى عالم الفناء , أراها كل لحظة مائلة أمام عيني " ناجا " جميلتى ! " ناجا " فتاة القرية السلافية الغامضة . إن الكلمات لتعجز عن وصفها ؛ وحتي الآن ، بعد تلك السنين الطويلة ، ما زلت أعتقد أن تلك العيون السود النجل ، وذلك الوجه البيضاوى الجميل ، الذى يحيط به الشعر الفاحم الأثيث ، ونظراتها الجدية الوادعة ، ولون بشرتها الحية الفاتن ، وقوامها الذى يحاكى الغصن فى اعتداله - مازلت أعتقد أن هذا الجمال المفقود ليس له على ظهر الأرض مثيل ؛ رغم كل ذلك لم أكن أحبها ، أو على الأقل كنت أظن آنى لا أحبها ، حتى فقدتها إلى الأبد . . . الله عادل وجبار .
رأيتها لأول مرة في الغابة . كنت أصطاد وقد اضطرتنى حرارة الشمس للبحث عن مكان ظليل ألجأ إليه . رأيتها واقفة بجنب أغنامها ، وهي تخيط قطعة من القماش الزاهى اللون . فلم استطع ان أتحول ببصرى عنها . . ذهلت . إذ لم أر في حياتى مثل هذا الجمال . وكان يرتسم على وجهها الجد والوداعة ، فلم يكن في المستطاع أن يعاملها الانسان كفتاة عادية يلقاها بطريق المصادفة . أظن أنى سألتها عن أقرب طريق إلى القرية .
فلم تجاوبنى أول الأمر ، بل استمرت منهمكة في خياطتها ، دون أن ترفع رأسها نحوى . فلما كررت عليها السؤال أجابتنى إجابة مقتضبة غير ودية ، وأشارت بأصبعها إلى الطريق .
فقلت لها ثانية وقد خلعت قبعتى لأمسح العرق الذى
كان يتصب على جبهتى ، وجلست على أصل شجرة قريبة : - أليس الطقس حاراً اليوم ؟ فلم تعرنى أى اهتمام . فقلت : - من أنت أيتها الفتاة ؟ فأعرضت عنى ولم تجب . فقلت بغضب : - ألا تفتحين فمك . . . لم لا تقولين اسمك ؟ . . فأجابت فى لهجة سريعة وهي تبتعد عني : - وما أهمية اسمى لك ؟ أنا من القرية هناك . . تم طوت صوفها ونادت على أغنامها التى كانت ترعى هنا وهناك . . . فقلت : - هل لا يستطيع الانسان أن يسألك عن اسمك ؟ . ليس فى هذا شىء غريب . . اسمك نيجكا . أو ملجكا أو مارا .
فقالت وقد أحمر وجهها الجميل : - لا . اسمى ناجا . توشا نيدلجوفيك ناجا ثم جرت بعيداً ، فتركت الصيد وجريت فى الاتجاه الذى جرت فيه ، على أقابلها مرة ثانية .
كنت أذهب بعد ذلك إلى الغابة كل يوم ، وكنت أقابل ناجا هناك . كانت فى أول الأمر تخافنى ولا تتكلم معى , أو تجاوبنى إجابة ودية ، وقد أصبحت أنا أخجل منها ، ولعل ذلك ما شجعها على أن تقلل من خجلها وتألفنى. ثم كانت أن أصبحت تصارحنى بكل شئ ، وقالت لي إنى لست كبقية الرجال . وأخذت تقص على متاعب بيتها ، وكل ما يجرى فى القرية ، وأن فتيان القرية يغضبون منها لأنها لا تراقصهم ، ولا تشاركهم فى ملاهيهم .
وسألتها : لماذا لا تجاريهم ؟ فقالت : - لا أدرى . . ولا أريد ذلك ، والفتيان شياطين ، ولكن . . . وأبى يقول إنه لا يحق لنا أن نضحك كثيرا ، وقد حمله على ذلك التقسيم الجديد للأرض . - تقصدين نظام المساحة الجديد . .
قالت : - نعم . قل لى يا سيدى . .
ثم أخذت تسألنى عن الحق والقانون ، وعن مسح الأراضى وغير ذلك ، فقلت لها فى النهاية : - ولكن يا ناجا ذلك للرجال ليتكلموا فيه ، وليس من شأن الفتيات . - أظن ذلك ، ولكنى لا استطيع أن أتكلم مع أحد غيرك فى هذا الموضوع . يقولون فى القرية إن القسيس مشترك مع المساحين ، وإنه سيوافق على ان يأخذ العمدة مدفن القرية في حصته ، ويبنون لنا مدافن جديدة فى الغابة . - وماذا يهمك هذا ؟ . . - ماذا يهمنى ؟ . أجدادنا وأجداد أجدادنا مدفونون هناك . كذلك يقول أبى هذه المدافن ترجع إلى الوقت الذى جاء فيه أسلافنا الأقدمون من البوسنة إلى هذه القرية ؛ والآن سيعطونها للكونت لترعى أبقاره فيها ثم يدفنوننا فى الغابة مع الذئاب والثعالب .
فنظرت إليها مندهشاً ، وقد شحب وجهها وأخذت تحدق إلى بعينين عجيبتين .
وفيما عدا ذلك كانت مقابلاتنا عادية لا غريب فيها ؛ ولعل هذا هو الذى جعلنى لا أدرك مقدار اهتمامى بها حتى اللحظة الأخيرة ، حين أدركت ذلك بعد ما فات الأوان .
وتركت البيت ذات يوم عند الفجر للصيد ، ولما وصلت القرية كان كل شئ ساكناً كالليل ، وقادتنى قدماى تجاه بيت نيد لجوفيك ، فرأيت ناجا فى الحديقة بجانب نبع الماء . كانت قد غسلت وجهها وبدأت تمشط شعرها الأسود الطويل . . . كانت جميلة . فانتة . نضرة كالزهرة ، وانعكس النور الخافت فوق شعرها ورقبتها ووجد طريقه خلال قميصها الذى فتح نصفه كاشفاً عن صدر ناهد فتى . . . لم أستطع أن أضبط نفسى الجامحة ووجدتنى قد وثبت إلى
جانبها ، وقبل أن ترانى أخذتها بين ذراعى وقبلتها .
خلصت نفسها من بين ذراعى وهى تصرخ صرخة لطيفة ضاحكة . لقد حسبتنى فتى من فتيان القرية ، فلم تغضب كثيراً ولم تنزعج ، ولكنها حين التفتت نحوى وعرفتنى تقلصت الابتسامة على شفتيها وأرخت عينيها وطوت ذراعيها فى ارتباك فوق صدرها العارى ؛ لقد أسفت على ما بدر منى تمتمت : " أو ناجا . جميلتى ناجا .. "
فأجابتني بصوت حزين مرتعش : " لو كنت تهتم بى حقاً لما كان يجدر بك أن تفعل ذلك " .
ثم تحولت ببطء نحو البيت فأخذت أحدق إليها النظر وأنا لا أكاد أصدق أن فتاة ريفية بسيطة تحس مثل هذا الاحساس . وبدأت أدرك أن ناجا لم تكن كبقية الفتيات . وها أنا قد أسأت إليها وعاملتها كأى فتاة ريفية يصادفها الانسان .
وشعرت شعوراً ثقيلا وأنا أراقبها تقف بجانب حوض من أحواض الزهور تجفف دموعها ، وامتلأت خجلاً من نفسى ولم استطع الاقتراب منها ثانية ، أما هى فقد لمحت لمحة نحوى فرأت أننى مازلت هناك ، وخيل إلى أنني رأيت بريقاً من السعادة يضىء في عينيها المبللتين بالدموع .
وأشرقت الشمس فوق الأفق فتلألأت وريقات الشجر والحشائش المحملة بقطرات الندى والنسيم يداعبها ؛ واكتست الطبيعة بحلة وردية بيضاء ، اللهم إلا تلك الوديان البعيدة التى كانت ما تزال ترتعش في ظلال بنفسجية . كان الصباح مشرقاً ، صبوحاً ، كالطفل يصحو باسماً سعيداً ؛ وغرد فوق رأسى عصفور صغير ، وأخذ نظرى يعلو و يهبط ، وامتلأ قلبى بالشوق والحنين ، ولم أتمالك نفسى من الإندفاع نحوها وقد أشرقت طلعتها وأنا أردد اسمها فى أمل سعيد : " ناجا ناجا " ؛ وفى هذه اللحظة سمعت إنساناً ينادينى باسمى في لهجة ضاحكة ، فالتفت فرأيت صديقى جيزا عمدة القرية ، وهو صياد مثلى ومزاح كبير .
خجلت إذ ذاك من عواطفى ، وحسبت ألف حساب
لما عساه يكون قد رأى , إلا أننى - وياللجبن - تنفست الصعداء عندما رأيته يعدها مجرد مغازلة عادية .
وتمشيت معه ولم أنظر إلى الوراء مرة واحدة ، ولم أجسر على الذهاب إليها فى ذلك اليوم ولا في اليوم الذى تلاه أو الذى بعده ؛ وفى اليوم الرابع اضطرنى عملى الحكومى للسفر إلى مكان بعيد . بقيت هناك أربعة أشهر ، وكان من المحتمل أن أبقى أطول من ذلك لولا أننى استدعيت من أجل مهمة ذات شأن .
بعد ذلك باثنتى عشرة ساعة علمت أن هذه المهمة ذات الشأن تتلخص فى أن أهل قرية ناجا ثاروا ضد تقسيم الأراضى الجديدة ، وتعدوا على رجال الكونت وأصابوهم إصابات مختلفة عندما كانوا ذاهبين بمحاربتهم للعمل فى الحقول التى كانت من قبل ملكاً للفلاحين ، كما أنهم هددوا اللجنة التى أرسلت لاغلاق المدافن القديمة وطاردوا رجالها وسجنوا القسيس وأعضاء المجلس المحلى في سجن القرية ، واستولوا على الماشية التى كانت ترعى فى أراضيهم حسب النظام القديم .
كانت الثورة مشتعلة النيران ، ولم يحسر أحد على دخول القرية . أبرق ضابط المقاطعة طالباً النجدة العسكرية ، وعهد إلى بأن أتولى الإجراآت المدنية . ولحظى السىء كنت مشهوراً بالنشاط و الحزم ، وهذه الشهرة التى كانت سببا في انتدابى لمثل هذه المهام الخطيرة . ولا أدري حقيقة إن كنت على شىء من النشاط ، ولكن الذى أدريه هوى أننى كنت دائماً قادراً على كسر شوكة أشد المقاومات عناداً وعنفاً . صحيح أننى اليوم لم أعد كما كنت فى النشاط والمقدرة ، ولكنى كنت إذ ذاك في شبابى طائشاً ، وكنت أومن بسلطة القانون وسيطرته وبالدولة والمجتمع ، وكنت أعتقد أن الدفاع عن هذه السلطة من أقدس الواجبات . كم كنت غبياً وطائشاً إذ ذاك . . . وقد اكتست هذه الغباوة . . . أوه كست نفسها بهذه الألفاظ الضخمة الرنانة ، فقد كان لابد منها لتغطى عريها
وخطأها ، ولكنى كنت أومن بتلك السخافة ، وأعتبر نفسى محقاً فى أن لا أقيم أى اعتبار لهؤلاء الفلاحين الثائرين .
لم يداخلنى أي شك في مقدرتى على القضاء على هذه الفتنة . وكنت أعتقد بأن الأخبار مبالغ فيها ، وانتظرت اليوم الذي أدخل فيه القرية على رأس القوة العسكرية ، وكنت سعيداً لأنني سأرى ناجا مرة ثانية . كنت قد نسيت بتاتاً ما دار بيننا من حديث عن نظام مسح الأراضى وتوزيعها ، ولو كنت تذكرت إذ ذاك فلربما أثر ذلك في مجرى الحوادث ، ولكنى لم أفكر في أى صلة بين ناجا والثورة ، رغم أن صاحبة البيت أخبرتنى أن فتاة ريفية سألت عنى أثناء غيابى عدة مرات . - ناجا ؟ - لا أعرف اسمها ، ولكنها كانت قمراً . . . أظنك أنت تعرف من هى .
قالت العجوز ذلك ، وهي تبتسم بخبث ، وتشير بأصبعها نحوي . . . كلام فارغ . . .ولكنها قاطعتنى وقالت : - أحضرت لك شيئا . . . مفرشاً مطرزاً . - لم تقولى لها أين سافرت ؟ - ها ها . . . لا كنت بعيداً . . . ثم إنى افتكرت أنك ربما لا تحب هذه المسائل . .. أنا لا أعرف ما الذى جرى لبنات هذه الآيام . ليس عندهن حياء ولا خجل . سوف تسمع عنها !
فصحت فيها : " كفى كلاماً فارغاً " وأسرعت لأشترى هدية لناجا . كنت ممتلئاً شوقاً لرؤيتها . وحين تحرك ركابنا إلى القرية لم أكن أفكر فى واجبى بقدر ما كنت أفكر فى لقاء ناجا .
ولما وصلنا إلى القرية وجدت أن التقارير لم يكن مبالغاً فيها ، فلو كنا تأخرنا دقائق قليلة لكان القسيس وأعضاء المجلس لقوا حتفهم ؛ فقد أشعلوا النار فى السجن الذي كانوا فيه . ولم نلق مشقة كبيرة فى القرية إذ لم يكن بها سوى
عدد قليل من الأهالى ؛ وحاول بعض الفلاحين الاستيلا ء على محاريث العمدة فى الحقل ، ولكنهم أطلقوا لساقهم العنان عند ما شاهدوا الحراب ، وبدأ العمل الحقيقى عند مدخل الغابة فى أرض المرعى حيث تبودات الطلقات النارية ؛ ولكن أخطر المواقف كان عند مدفن القرية ، فقد اجتمع هناك كل السكان تقريباً رجالاً ونساء ، شيباً وشباناً وأطفالاً ، وكلهم مسلحون بشكل ما ، ورأيت فيهم صبيا ممزق الثياب يدق على طبلة دقاً عنيفاً جنونياً ؛ وقبل أن نصل إليهم سمعت صياحاً وضحكاً وهتافاً ووعيداً ، فقلت فى نفسى : " فليصيحوا . . . هذه علامة حسنة ، فالكلاب النابحة لا تعض " وحيوا وصولنا بسكون مفاجئ ، ولمعت سنان الحراب العديدة ، وكان في لمعانها وبريقها روعة وإرهاب أحدثا أثرهما ، ثم أعقب ذلك فترة سكون ، صحت أثناءها فى الناس : أن تفرقوا في هدوء ؛ ولم يكن صوتى فى قوته وثباته المعتادين ، فتلاشت كلماتى بين أصوات الاستنكار المتصاعدة.
لن نقبل ذلك . . . لقد خدعنا القسيس والمجلس ، وأخذوا أطيب الأرض ، ما الذى يبقى لنا إذا أخذوا كل شئ لهم ؟ . . . ياليت الذئاب الجشعة قنعت بالأرض وحدها , بل هم يريدون مدافننا أيضا . . . مدافننا التى دفن فيها أجدادنا وأجداد أجدادنا منذ أجيال .
وفجأة تذكرت كلمات ناجا فأخذت أتفرس فى الجماهير المزدحمة باحثاً عنها ، وارتحت إذ لم أجدها هناك ؛ ولكنى كنت ما أزال أحس بشئ من القلق ؛ لأول مرة وقفت متردداً لا أدرى ماذا أصنع ، ماذا لو رأتنى هنا ؟ .. ما يكون رأيها فى ، لمحت هذه الخواطر في فكرى بسرعة ، إنها تكرهنى دون شك ... ياللشيطان ... لماذا اختارونى لهذا العمل الشنيع ؟
وبينما أقف متردداً ، إذا بالضوضاء تزداد بسرعة ، فالحيوان الثائر والرجل الغاضب يري دائما في التردد دليل الضعف . تدافع الفلاحون إلي الأمام نحو الجند ،
فدار رأسى دورانا سريعا ؛ وحاولت بكل قوتى أن أضبط نفسى ، وأمرت باطلاق النار ... وقابل الفلاحون هجوم الجند بقذف الأحجار وإطلاق النار . لم يكن هناك مفر من إراقة الدماء ، ولكنى أعطيت الأمر باطلاق النار فى الهواء أولا ، وفهم الفلاحون قصدى فلم يتحركوا من أماكنهم : - لن تجروا على إطلاق النار ونحن رعايا الامبراطور ، وهو لا يسمح بأن نقتل ... ... ... لسنا خائفين ...
وكان ذلك جوابهم على طلقات الهواء ، وبدأت الجموع تهزأ بالجند ، وتدافعوا إلى الأمام غاضبين ... وأعقب ذلك مناوشة خر فيها أربعة جنود ونحو خمسة عشر فلاحا ، وأخيرا فر القرويون واستولينا على مقبرة الكنيسة .
وفجأة ظهرت امرأة فوق التل المواجه ، ورن صوتها جليا وهى تصرخ فى الجموع الهاربة : - أيها الجبناء ... أتهربون عند الطلقة الأولى ؟ .. ألا تخجلون من أنفسكم ؟ من كان منكم رجلا فليأت هنا بجانبى ... أين تذهبون إذا سلبوكم كل شئ حتى قبور آبائكم .. دعوهم يتقدموا - فهنا هدف لطلقاتهم .. هيا أيها الجنود الشجعان .. إذا كنتم أبطالا حقا أطلقوا هنا .. صوبوا بنادقكم نحو صدرى ..
عرفت صوت ناجا ، ورأيت قميصها الأبيض يفترق فوق صدرها الناهد الجميل ، مستحيل ، حتى فى هذه اللحظة المروعة لم أكن أفكر إلا فى جمالها . ومضت عدة ثوان قبل أن أفكر فى خطورة الموقف ، وتصاعد الدم إلى وجنتى ، ووقفت جامدا فى مكانى حتى أيقظتنى صرخة داوية ، ولم أدر ماذا حدث فى اللحظة التالية ... لا أدرى إن كنت أعطيت أمرا باللفظ أو بالاشارة ، كل ما رأيته إذ ذاك كما أراه الآن صورة مروعة .. ناجا على التل هناك .. رأيتها تسقط ذراعيها ، ورأيت سائلا أحمر يجرى فوق صدرها ، ثم رأيتها تترنح وتقع .
نسيت كل شىء آخر ، وهرعت إلى جانبها .. لم تستطع أن تتكلم حين ارتميت بجانبها ، ولكنها حاولت أن ترفع رأسها ، فضمدت جرحها وحملتها وسط الزحام بين ذراعى وانتهت الثورة . وأدركت وأنا أحملها فوق صدرى أنى على وشك أن أفقدها إلى الأبد . أدركت أننى أحب هذا المخلوق الصغير ، حبا لا حد له .
وكان ذلك جزائى ، لاعتقادى الخاطىء بأن قوانين المجتمع أسمى من إرادة الشعب . وفى هذيانها أخذت تتكلم عنى وعن مقابلاتنا ، ثم بدأت تردد فى صوت خافت لحنا عذبا كطنين النحلة ، واختلط ترديدها لهذه الأغنية القديمة بأنينها الخافت . وسيبقى ذلك على الدوام يرن فى ذاكرتى ، ولم أستطع أن أضبط دموعى التى فاضت من عينى ، فأخفيت وجهى بين الوسائد وأنا أشهق بالبكاء . وحين عدت إلى نفسى بعد الصدمة الأولى ، رأيت عينيها النجلاوين تصوبان النظر إلى ، ولمع فيهما وميض من الشعور .. ونظرت إلى نظرة طويلة ... طويلة . نظرة حب وأسى . نظرة لن تفارق ذهنى حتى أفارق الحياة .
وحين فارقها النفس الأخير فارقت السعادة حياتى . أيمكن أن يمر على الانسان شىء أروع من أن يقتل من يحب ؟ لقد أصبحت قاتلها وأنا فى خدمة أولئك الذين يظلمون الشعب .
اتركنى الآن ، وتذكر بأن صوت الشعب هو صوت الله .
وبعد ذلك حين علمت بأن بيرو استشهد فى معركة زاجكار ، حمدت الله على خلاصه من آلامه . ولكنى حين أفكر فى ناجا . تلك الفتاة الريفية يغمرنى إحساس من الثقة والارتياح ... فشعب أولئك بناته ، لا حاجة له بأن يخشى المستقبل .

