الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 233الرجوع إلى "الثقافة"

على ضوء علم النفس :، شخصية الحطيئة

Share

١ - ينفق الرواة على أشياء فى حياة الخطيئة ، نسبتها من شخصيته كنسبة الخطوط والألوان ، يستعين بها الرسام على إيداع صورته ، ولكنها ليست الصورة على كل حال . تلك ظروف من الوراثة والبيئة نجعلها هنا ، لعظيم أثرها فى تكوين شخصيته .      من ذلك أن الحطيئة كان قبيح الخلق ، دميما ، تتمثل دمامته أكثر ما يكون بقصره المتناهى الذى يغربه من الأرض ، وببروز أسنانه العليا بروزا وقحا ، ومن ههنا اسمه ، وفيه معنى الدمامة والقصر . ومن ذلك أنه كان وضيع النسب ، أولده أبوه أمة له ، ثم أنكره فلم يعترف به . وكان لأبيه امرأة ذهلية أنجبت منه ولدين ، فنشأ الحطيئة فى هذا الوسط المؤلف من أبيه الذى أنكره ، ومن امرأة أبيه التى تمقته ، ومن أخويه لأبيه اللذين يزدريانه ويحتقرانه ، ومن أمه التى لم تفرغ كثيرا لتربيته ، على ما قد يستفاد من خبر تزوجها بعد برجل أولدها ابنين ، تأبى التقاليد إلا أن يعتبرا أخوين للحطيئة . ومن ذلك أخبرا هذا التمويه الذى كانت تصطنعه أمه كلما سألها عن نسبه ، فهى حينا تنسبه إلى الأفقم ، أخى امرأة أبيه ، وهى حينا تنسبه إلى أوس بن جؤبة ، مولاها .

٢ - حقائق كلها مؤلم . كان على الحطيئة أن يجابهما باكرا ، وقبل الناس جميعا . تتلخص فى أنه إنسان محروم من كل شئ : حرمته الطبيعة كثيرا مما جادت به على غيره ، فهو ضئيل الجسم قبيح الهيئة ، فى حين أن غيره من الناس ليسوا جميعا كذلك ، وحرمه والده العطلب الأبوى من دون أخويه الذين من الذهلية ، وحرمته أمه التربية الصالحة ، لتشغل عنه بنفسها ، فتتزوح برجل جديد . ولم يقف الأمر عند هذا الحد ،

بل تجاوزه إلى ما هو أقبح ، فحرمه العرف إرث أبيه ، سواء أ كان أوسا أم الأفقم ، وحرمه المجتمع عطفه ، ليحمله أبدا بوزرا اقترفه أبوه ، وليرميه بسبة ما كان فى طوقه أن يدفعها .

٣ - هذا الحرمان يحسه الحطيئة فى بيئة قاسية تضييق بغير الأقوياء من الرجال ، وتدبر الفضائل كلها على عمود من شرف النسب ، أورث الحطيئة - غير شك - آلاما نفسية ، حادة ، حاول الشاعر أن يكبتها جهده ، لتختفى فى الظلام ، وراء سجن العقل الباطن الصفيقة ، ولتتمثل بعد عقدة نفسية انتهت بالشاعر إلى الشعور بنقصه وحقارته بين أناس متفاوتين فى مراتب الامتيار . وعندنا أن هذا الشعور بالحقارة ، أو النقص ، هو (( مفتاح )) شخصية الحطيئة ، وهو الأصل الأول لسيئاته كلها ، وقد يكون أصلا لكثير من حسناته . فى ميدان الفن أيضا .

: - يرى علماء النفس أن الذى يغلب على المصابين بهذا الشعور ، فى شكله الحاد ، أن ينشأوا على سوء الظن بالحياة والناس ، إن لم نقل على النقمة الباطنية على الحياة والناس ، فهم سلبيون فى كل شىء ، مستوحشون ، تتأكل نفوسهم أشتات من العواطف فيها الحسد وفيها الأثرة . ولم يكن الحطيئة فى نجوة من ذلك ، فقد استشعر فى ذات نفسه الكره للناس ، لا لشئ إلا لأنهم أفضل منه ، ولأن الطبيعة زودتهم بما ضنت عليه ببعضه ، ويظهر ذلك فى هذا الهجاء الذى اشتهر به ، والذى يحفل به ديوانه ، والواقع أن الحطيئة لم يكن يهجو طمعا فى مال المهجوين فحسب ، ولكنه كان فى كثير من الأحيان يهجو إجابة لهذا الشعور بالكراهة للناس ، والكراهة للحياة التى تورثه هذه الآلام . بذلك وحده ممكن أن نفسر مثلا هجاءه لأمه فى قوله :

جزاك الله شرا من عجوز       ولقاك العقوق من البنينا

تنحى فاجلسى عنى بعيدا      أراح الله منك العالمينا

أغر بالا إذا استودعت سرا         وكانونا على المتحدثينا

حياتك ما علمت حياة سوء        وموتك قد يسر الصالحينا

     وهجاءه لأبيه وعمه وخاله فى قوله :

لحاك الله ثم لحاك حقا       أبا ولحاك من عم وخال

فنعم الشيخ أنت لدى المخازى

                وبئس الشيخ انت لدى المعالى

جمعت اللؤم ، لا حبالشربى       وأسباب السفاهة والضلال

٥- وقد يحمل هذا الشعور صاحبه على التنكر للمثل الاخلاقية ، والثورة على القيم والمتواضعات الاجتماعية ، يتجاوزها فى غير حياء ، ويتخطاها فى غير تحفظ ولا تحرج ؛ كأنما يعتبر أن هذه القيم وتلك المتواضعات إنما وضعها المجدودون من الناس الدين لم تبخل عليهم الطبيعة  بكل ما يساعدهم على التحقق بها ! وكأنما يشعر أنه قد حرم ذلك كله ، مبرر فى الخروج على ما لم يخلق له . وليس من شك فى أن كثيرا من هذه الأعراض قد ظهرت على الحطيئة ، وتمثلت فيه إلى حد بعيد جدا . فكأنه رأى ، وقد حيل بينه وبين خير الدنيا ، أن يفرض على الناس (( ضريبة )) تعوضه من ذلك ، فهو يسألهم بإلحاف ، لا يجد فى ذلك غضاضة ، وهو يبخل بماله لأنه يشقى فى جمع هذا المال ، يريق فى سبيله ماء وجهه ، إن كان فى وجهه ماء ... وهو يهجو إيذانا باستحقاق الضريبة . . . فى بعض الأحيان .

٦ - والشاعر ينقصه بسعى فى العادة إلى إخفاء هذا النقص عن الناس بأن يتظاهر بعكس ما يحسه فى دخيلة نفسه . هذا حسان مثلا ، شعر بالنقص من جهة واحدة ، هى جهة الجبن ، ومع ذلك حاول أن يخفى عن الناس نقصه بكثرة التحدث عن الشجاعة ، بل بايهام الناس وإيهام نفسه أنه شجاع ، فى بيتين معروفين يذكر الرواة أن النبى عليه الصلاة والسلام ضحك عند سماعهما(١) .

كذلك الخطيئة ، حاول أن يخدع نفسه ، وأن يخدع الناس عن هذا النقص الذى يحسه . فهو على ما رأينا من تنكره للقيم الأخلاقية ، بمدح الناس ويهجوهم عن طريق هذه القيم نفسها ؛ وهو يذهب مذهب حسان من التمدح بما ليس فيه ، تضليلا وتمويها . وإذن فلا تعجب إن رأينا الخطيئة ، وهو البخيل الذى يطرد أضيافه ، ويعد لهم العصا فيما تنص الرواية ... يتمدح بكرمه فيقول :

وقد علمت هند على النأى أننى

                إذا عدموا يسرا لنعم المكلف

أرد المخاض المبزل والشمس حية

                إلى الحى حتى يوسع المتضيف

ولا نعجب أيضا إن رأيناه ، وهو المادى التفكير ، القليل الحظ من الدين ، يقول هذه الأبيات التى قد يستغرب الناس صدورها عنه :

ولست أرى السعادة جمع مال

                  ولكن التقى هو السعيد

وتقوى الله خير الزاد ذخرا

                  وعند الله للأتقى مزيد

وما لابد أن يأتى قريب        ولكن الذى يمضى بعيد

٧ - وأخيرا يعمل الشاعر بنقصه ، فى الغالب ، على أن يعرض من هذا النقص باستهداف الكمال من ناحية ثانية يعرف أنه يمتاز فيها ، بالفطرة ، عن غيره من الناس ، فهو يستكشف نفسه جيدا ، ليقع على هذه الميزة التى يعتمدها فى (( عملية التعويض )) ، حتى إذا اكتشفها ، عمد إليها بالتنمية والتجويد . إلى أن يوفى منها على الغاية . وعندنا أن لهذا النقص الذى كان يحسه الحطيئة أثره البعيد فى شعره المنقح المضحك ، وهى ناحية من القول واسعة ، قد نعرض لها فى مقال تال .

اشترك في نشرتنا البريدية