لما بلغ الركب مشارف نجد ، وترك القارة السوداء عن يمينه ، واستقبل تل بني عامر ، أحس الشاعر بفرحة غامضة تشتمل عليها ضلوعه ، ويرقص لها قلبه ، ولم يعرف لها سبباً ؛ حتى إذا بلغ الركب ذروة التل ، وتكشف له الفضاء الرحيب ، ومن حوله تلال الرمل الأحمر آخذ بعضها برقاب بعض ، وهي تتموج تموج البحر ، لينة رخوة تود النفس لو نامت عليها ثم اتخذت منها جناحين ناعمين طارت بهما في أجواء حلم فاتن ، والعلم الشرقي يلوح من بعيد بأوديته القاحلة ، وصخوره المهولة ، ودون ذلك كله السهل الأفيح ، وغديره الذي لا ينضب ، والنخلات المطيفات به إطافة العاشق بمنزل الحبيب ... هنالك أدرك الشاعر سر فرحته : هذه ديار نعم !
وأقبل الركب ينحدر عن التل ، وقد مدت الإبل أعناقها ، فسالت بها تلك السفوح والحدور ، واستطاب
السفر الإفذاذ ، فضربوا بطون الإبل ، يغتنمون لين الأمسية وطيبها ، بعد حر الهاجرة واشتعالها ، ليبلغوا الغاية بعد ما طال عليهم السفر ، وقطعوا فيه سواد إحدي عشرة ليلة وبياض نهرها . . وإذا الشاعر يصرخ فيهم صرخة معمود الفؤاد حزين :
عوجوا فحيوا لنعم دمنة الدار ويلطم عنق ناقته لا ينتظر جوابًا ، فيحولها ذات اليمين ، وينطلق يحدوه الشوق ، وتدفعه الذكرى إلي ديار المحبوب . ولم يشأ أصحابه أن يتركوه يهيم في هذه القفار وحيداً ، فتبعوه عن كثب ، يخافون أن تنكأ الدار جراح قلبه ، ولما يبرأ من داء الغرام .
كان الشاعر ضاحك الوجه متهللاً ، كأنما قد رجع إليه شبابه الذي ولي مند حين ، وعادت لياليه البواسم ، فلم يكد يبلغ الحي الخالي ، ويراه قفرا يابًا ، حتى وقف وغمرت نفسه كآبة طغت على وجهه ، فلاحت ظلالها في عيون الرفاق ، فأحزتهم مرآه ، وفاضت نفوسهم بالرئاء له والحدب عليه ، وودوا لو استطاعوا أن يواسوه ، ويرفعوا عنه وقر الذكريات ؛ فأحاطوا به وعيونهم تنطق بأبلغ آيات الحب والإشفاق ، ولكنهم احترموا صمته وأساه ، فلم يحركوا ألسنتهم بكلمة . وظلت أفكار الشاعر شاردة
كأنما هي ضائعة في الفضاء ، فطفقوا يثيرون انتباهه إليهم ويحاولون أن يشعروه بأبهم حوله حتى يعود إن حاضره ، وهو غارق في لجج الماضي ، يفكر في المرأة التي أحبها وأحبته ، ويلمح وجهها طالعاً عليه من كل صوب ، ويري عينيها اللتين حباهما الله زرقة السماء ، وعمق البحر ، وجعلهما مرآة تتجلي فيها ألوان العواطف ؛ فهما تضحكان بلا صوت ، وتبكيان بلا دمع ، وتغضبان وترضيان ,
وتعطيان وتمنعان . وإن من الجمال لما يثير الشهوة ، وينطق بلغة الغريزة ؛ ولكن جمال نعم يثير الحنو والعطف ، ويهيج في النفس الحب ، فتفني حاجات الجسد في مطالب الروح ، ويرفع إلى عالم كله طهر ، وينسى من يراه دنياه حين تغمره لذات هذه الدنيا الصغيرة من الجمال ، ويجمع اهواءه المتفرقة في هوي واحد ، هو القرب منها ، والاطمئنان إليها ، والفناء فيها . .
وجعل يطوف بالحي طواف العابد المتنسك بالبيت الحرام ، يخيل إليه الوهم أن الحبيب دان والشمل مجتمع ثم صحا وانتبه ، فإذا يده صفر من هذا النعيم كله ، وإذا الحياة قد ماتت في الحي ، وخرب العمران ، وامحت صفحة من أمتع صفحات الحب والجمال ، فلم يبق منها إلا بقايا سطور . هنا كانت خيمة الحبيبة مهوى أمانيه وكعبة آماله ، وكان نعيمه كله في أن يجلس فيها مع " نعم " فتناجيه بأسرارها وتفتح له قلبها ، ويبيحها أسراره ويكشف لها عن قلبه ، وتلك هي غاية ما يبلغه المتحابون :
أيام تخبرني نعم وأخبرها
ما أكتم الناس من حاجي وأسراري
وهنا كان موقد أهلها ، طالما جالسها عنده تأنس روحه بقربها ، ويحيا فؤاده بنجواها ، وينتعش قلبه بأنفاسها التى لو لامست حرارتها الجلد لوهبته الحياة ، فكيف بقلب الشاعر ! فلم يبق من خيمة الحبيب إلا هذه الحفرة التي كانت تحف بها تمنع عنها المطر ، ولم يبق من موقدها إلا تلك الحجارة السود ! وتبلجت الحقيقة للشاعر المسكين ، وانتابه الخجل مما حمل رفقته من عناء العوج
على دار الحبيب والدار قواه ، قد عبثت بها الرياح الهوج ، وألبستها ثوبا من التراب ، فأقبل يسائلهم وفي تسآله رجفة الخجل ورثة الأسى :
ماذا تحيون من نؤى وأحجار
أقوى وأقفر من نعم وغيره
هوج الرياح بهابي الترب موار
ويهم أصحابه بالرحيل لطيتهم ، يحسبون الشاعر قد آب إلي نفسه ، واستوفي من زيارة الدار مناه ، ويسايرهم يريد براحاً ، ولكنه لا يستطيع ، ويجد نفسه معلقاً بالديار قلبه تهب بأيدي الذكر ، وحياته مبعثرة في نواحي الربع ، فيقف ناقته المأمونة ، ويرجع ليسأل الدار عن نعم وآلها :
وقفت فيها سراة اليوم أسألها عن آل نعم أمواتًا غير أسفار
فاستعجمت دار نعم ما تكلمنا والدار لو كلمتنا ذات أخبار
والدار سجل الماضي الحلو ، والدار كتاب الحب , فيها ولد ونما ، على هذه التلال الطرية الفاتنة ، في الليالي الساجية ذات النجوم السواهر ، وفي ظلال تلك الشعاف البعيدة ، في مدخل الوادي المتلوي الرهيب ، إذ ينفردان فيه في شدة الهاجرة ، يأويان إلي ظله وبرده ، فيحيله الحب جنة عدن ؛ وعلى الغدير إذ يصب فيه القمر زلاله الصافى المتميز ... كم شهدت هذه المناقي من صور الحب ، وكم حفظت من ذكرياته !
خبري يا دار عن الحبيب وآله ماذا حل بالحبيب ؟ يا دار قد ذهبت المجالس ، وقوضت الخيام ، وأقفرت من أهلها المنازل ، أفيمحي الحب من الوجود مثلما امحت منازله . . أيفنى الغرام ؟ إن الروح باقية يا دار فلماذا لا تبقى العواطف ويخلد الشعور ؟ . . أو ليست الذكري من الماضي كالظل من الضاحي . . خبريني إذن يا دار عن حبي ، إن ذكراه لا تزال حية في نفسى ، فأين الحب ؟ أيكون ظل لشئ وليس من شئ ؟ الماضي حقيقة قائمة ووجود ملموس ، وأين مكانه في هذا الكون ؟ أهو شئ وراء المادة ، أم هو منها وفيها ، أم هو قد فنى إلا صورة
له في الذهن هي هذه الذكري ؟ أو تكون الذكري هي العذاب لنا والنسيان هو الدواء ؟
أيموت الحب كما يموت المحبوب ؟ ما الحب ، ما البغض ، ما الحياة ؟ خبري يا دار ماذا صنعت بحبنا وما استودعناك من أنفاسنا الحرار ؟ أبردت هذه الأنفاس واستحالت هواء تصفر به الريح ؟ ووسوسة القبل ، أسكنت ( هزاتها ) وعادت صمتاً ؟ وذلك الحديث الذي كان كأنه قطع الروض الممطور ؟ وأين أثر أقدامنا حين كنا نسير والحب ثالثنا ، ومع الحب الطهر والعفاف ؟ أين يا دار ذهب أمس بما يحمل من شعورنا وعواطفنا ؟ أين ينصب نهر الزمان ؟ هل يلتقي الشيخ المهدم بالشاب المتوثب الذي كان يوماً إياه ؟ أين ذلك الطفل الذي كان يوماً ( أنا...)
ماذا حل بنعم يا دار نعم ؟ لقد سمع القمر نجواها وحديثها ، وحمل النسيم طيبها وأريجها ، وألبستها الشمس حلة من نورها ، وكستها الأمطار ثوبا من قطرها ، فهل تخبرني عنها الشمس والقمر ، وهل يحدثني حديثها النسيم والمطر؟
لقد كنت في نعيم مع "نعم " فمالى أجد هذا النعيم أحلي كلما أوغل في البعد عني ؟ مالى أحن إلي الماضي كله وأري سعادتي فيه أكبر كلما ألقيت بيني وبينه من الأيام سجف وأستار ؟ ما لي تلذني مآسيه وتؤلمني أفراحه ، ألأني فقدتها وخرجت من يدي ؟ ماذا عندك يا دار ؟ خبري ! يا أسفي !
استعجمت دار نعم ما تكلمنا والدار لو كلمتنا ذات أخبار
وراجع الشاعر كربه وأساه . لقد ترك الدار تفيض بالحياة ، وتضج بالأحياء ، تعيش للحب والحرب ؛ وتلك هي حياة العربي في جاهليته ، وقف على قلبه وسيفه . . فإذا احتضن الجبل الشمس الغاربة ، اجتمع الحي على الغدير ، فتشرق فيه شموس جمة وأقمار ، من كل فاتنة الطرف غضة الإهاب ، ذات حسن غير مجلوب ؛ فتدور سوق الغرام ، وينشأ الحب من النظرة الأولى ( وأنف
السيكولوجيين راغم ) ؛ ويعيش هذا المولود قوياً مدللاً وإن لم يستكمل مدة حمله ، وإن ولد (علي رأيهم ) قبل أوانه ، وينمو طاهراً لا تعلق به ريبة ، ولا يدنسه خاطر سوء ، غذاؤه النظر والكلام ؛ هو حب الصحاري لا يعيش في المدن ، ولا يدري به علماؤها . . وإذا أصبح الصباح . وأضحى الضحي ، وتسعرت الشمس وتلظت ، وبدا الموت من وراء الرمال المتأججة كالح الوجه كاشراً عن نابه .
عصفت في الحي صرخات فرسانه الذين لا تثنيهم الهواجر عما نذروا نفوسهم له من المجد ، يطيرون بخيولهم إلي الفلوات الفيح والبيد القفار ، يحملون لبني العمومة الموت الأحمر على ظبا الأسنة وشفار السيوف . لم يكن قد بعث الله لهم بعد من يعلمهم أن المجد في إعلاء كلمة الله ، لا في قتل بني العمومة ونهب أموالهم ، ولم يكن قد جاء من بقررهم إلى قرطبة من هنا ، والسند من هناك ، فيكتبوا تاريخهم في سطر طويل يمتد من الأندلس إلي الصين ، عنوانه " لا إله إلا الله محمد رسول الله " إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ، وينهي عن الفحشاء والمنكر والبغي " ؛ وخلال ذلك ربائب البيوت يهيئن الحياة الرغدة لأولئك الفرسان البهاليل ، فلا تجد في الربع إلا عاملاً كادحاً لا ينسيه الحب أماني المجد ، ولا يسليه المجد عن أحلام الحب . .
فلم يلق الشاعر من هذا العالم كله الذي خلفه يوم ارتحل ، إلا الحجارة التي كانت موقد النار ، وهذا النبت الضعيف الواني الذي لا تحمله سوقه ، فيمتد على الأرض عاجزاً ...
فما وجدت بها شيئاً ألوذ به إلا الثمام وإلا موقد النار
وكأن الشاعر قد اختبل ، ولم تحمل أعصابه هذا الهول كله ، وعرته جنة فانطلق ينادي وهو هائم على وجهه في الربع المقفر: نعم . . يا نعم ! هأنذا أتيت فتعالي لقد جئتك بأمتع أحاديثي وأجمل أشعاري ، يا نعم ! مالك لا تجيبين . . لقد طفت بالربع كله ، جست خلال الخيام ،
وأممت التل ، وألممت بالوادي ، وجثوت عند الصخرة ، فوجدت ندى الحب ، ولمحت طيف الذكري وشممت عطر الماضي الحلو ، ولكني لم أجدك أنت ! فأين أنت يا نعم ؟
وطفق يضحك ضحكا مروعا أجفل منه الرفاق ، وأمسكوا قلوبهم بأيديهم ، وحبسوا أنفاسهم حزناً على الشاعر الذي جن حقاً ، وجعل يعانق شيئاً يتوهمه في الفضاء ... ثم سكت فجاءة ، وجذب رفيقه الحارث إليه ، فجعل يشير له إلى بقعة غامضة في الفضاء ، ويقول له .
. ... ... ... .... .... تتثبت نظرة حار
ألمحة من سنا برق رأي بصري . . . ..... .
فيحار الحارث ولا يدري بماذا يجيب ، وهو لا يري برقاً
ولا يبصر شيئاً ، ولا يقدر أن يفجع الشاعر بأحلامه ,
فيزيده جنة فيسكت ملتاعاً .
... .... ..... ... أم وجه نعم نعم بدالي أم سنا نار
ويسكن الشاعر ويعلو وجهه إشراق وابتسام ، فيسير مرحباً وهو يهمس همساً ناعماً ، فرحان مبتهجاً .
بل وجه" نعم " بدا والليل معتكر
فلاح من بين أثواب وأستار
ويغمر حسه خيال " نعم " ويملأ خواطره وشعوره ، ويري عينيها فيحس كأنما دارت به الأرض ، وهو يحدق فيهما ، ثم أسرعت في دورانها ثم اختفت بما عليها ولم يبق في الوجود إلا عينان ، قال الله كونا فكانتا فعولان بالألباب ما تفعل الخمر . وخالط نفسه الميل إليها والرهبة منها ، والحب لها والإكبار ، والرغبة في امتلاكها وإفنائها فيه ، والاستسلام إليها والفناء فيها ؟ واختلطت عليه المشاعر فلم يعد يعى شيئاً إلا أنه يعيش مرة ثانية في الماضي الحبيب ، فأعاد طوافه بالربوع التي كانت مهد غرامه وجنة أحلامه . والرفاق ينظرون إليه ولا يقدرون له على شئ ، وطيف "نعم " ما يفارقه فصورتها في ناظرية نقية حلوة ، مخلوقة من النور ...
بيضاء كالشمس وافت يوم أسعدها
لم تؤذ أهلا ولم تفحش على جار
وعطرها في أنفه ، لا العطر الذي تستعيره الحسان من الزهر ويستجدينه الروض ، بل العطر الذي تقبس الوردة منه فتأبه على زهور الحقل بأريجها ، وتأخذ منه الزنبقة فتختال منه عجباً ، وتشبه الفلة فتعيس بين الرياحين دلالا ، لا تمس" نعم " الطيب إلا لتطيبه بها . .
والطيب يزداد طيباً أن يكون بها
في جيد واضحة الخدين معطار
ويهمس الشاعر في أذن الطيف الذي يراه أحاديث الغرام ، ويبثه الشوق المبرح والحنين الطويل ، والطيف صامت لا يجيب ، فتخالطه الحسرة والكمد ، ولا يدري لهذا العتب سبيله ، ويود لو فداها بروحه وأعتبها . ويقبل على الرفاق يقول لهم وما قوله إلا صدي أفكاره ، ورجع ما في نفسه من الحسرات :
نبئت نعماً على الهجران عاتبة
صفيا ورعياً لذاك العاتب الزاري
ويخاف الرفاق أن يطول بالشاعر تذكره ، أو يعود إلى جنته ، فلا يزالون حتى يصحو من سكرته ويعود إليهم .
ويولي الركب عن دار " نعم " ، والشاعر منكب علي راحلته صامت كئيب ، يفكر في دار الحبيب ، وهي خلاء قواه ، تنشد فيها الرياح أناشيد الفناء : لا الحب عاد ولا عادت لياليه ، ولا الشباب آب ولا آبت مجاليه ؛ وإنما هي الذكريات انبعثت في صدر الشاعر فهدت أركانه , وضعضعت بنيانه ، وشعبت في قلبه شعبة تفجر منها الشعر صادق اللهجة ، ملتهباً بالعاطفة ، قد خرج من فؤاد انتكل من نار الجوي - يبكي به الحبيب على أطلال دياره - فكان بيت القصيد في ديوان الغزل .... وكان سيد شعر العاطفة ....
وانتشر الليل ، ومشت القافلة صامتة ، قد سكت فيها الحادي وخشع الرفاق ؛ حتى لفها الظلام في طياته . .
دمشق ( دوما ) - المحكمة الشرعية

