الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 318الرجوع إلى "الثقافة"

على غنائك ، ترقص معدتك

Share

أما أن معدنك ترقص ، فأمر لاشك فيه . فهي لا تهضم إلا راقصة . وهي بذلك تمخض الطعام مخضا . وهي في مخضها تتحرك حركة متتابعة متوازنة متناسقة ، لو رأيتها لذكرت بها نوعا من الرقص البلدي الذي يتلوي فيه البطن الخميص اللين كما يتلوى الثعبان.

والمعدة لا ترقص رقصتها الطبيعية ، رقصتها الصحية ، إلا وأنت ضاحك السن خلي البال . فإن اعتكر جوك . واضطرب بالك ، جاوبتك المعدة اعتكارا واضطرابا ، وأخذت ترقص ، لا تلك الرقصة الإيقاعية الجميلة ، ولكن رقصة مختلة لا تناغم فيها ولا اتساق .

وليس هذا بالشعر ، ولكنه العلم اليقين .

حدث أن صيادا أصابته رصاصة اخترقت معدته فلما أسعفه الجراح بقيت في بطنه فتحة يرى فيها الرائي ما يجري في معدته من أحداث . فسجل الجراح عما يجري فيها الشيء الكثير . وكان مما سجله أن حركة المعدة في امتخاضها تضطرب اضطرابا كبيرا والرجل غاضب ثائر ، فإذا سكن الغضب لم يعد إلى حركة المعدة انتظامها وشيكا . وسجل كذلك أن المعدة تقل إفرازاتها الهضمية ، وقد تقف وقوفا ، في الغضب ، وعند الخوف ، وفي كثير من الاضطرابات العصبية الوقتية كائنة أسبابها ما كانت . وبطانة المعدة يتغير لونها ويسوء مظهرها .

وحدث كذلك أن رجلا شرب شيئا كاويا ، فاحترق به حلقه واحترق مريئه احتراقا منعه من الطعام ، وأدى إلى فتح فتحة في معدته يدخل منها إليه الطعام ، وكانت فتحة كالنافذة ينظر المرء منها ما يجري في داخل الحجرة .

وتبرع الرجل المرزوء بنفسه أن تكون للتجربة على ما يهوى الأطباء . فكان مما كشفت عنه التجربة أن المعدة تأخذ في إفراز سوائلها الهضمية بمجرد أن يشم صاحب المعدة الطعام ، أو يتذوقه ، ودون أن يلتقمه التقاما أو يبلعه ولكن الذي يعنينا من هذه التجربة أن معدة الرجل توقفت عن العمل عند المحاولة الأولى ، والأطباء حضور ينظرون . فقد كان الرجل في شبه استحياء من هذا الجمع ، أو في شبه تأثر منه واضطراب ، فرفضت معدته أن تعمل . ولكن بإعادة التجربة واطمئنان الرجل لانت عريكة المعدة فأخذت تستجيب ، وذهب استحياؤها بذهاب استحياء صاحبها .

وليس المرء بحاجة إلى تلك الأمعدة المثقوبة ليعلم أن المعدة لا تعمل عملها في انتظام إلا إذا انتظم حال من كانت هي معدته .

أتذكر يوما فقدت فيه عزيزا عليك ، أما أو أبا ، أو ابنا أو أخا " أو صديقا كريما ؟ ثم أتذ كر تلك الغُصة التى أحسستها في حلقك أو دون ترائبك ؟ إنه الشنج أصاب عضلة مربئك ؟ أصابك الحزن فأخلها كما أخلك وما المريء إلا بعض جهاز هضمك .

وكذلك تتأثر المعدة عند ذوي الحس الرقيق ، فهي قد تتأثر من الخشية من لقاء رجل ذي سلطان ، وتتأثر وصاحبها يستعد على المائدة في وليمة لإلقاء خطاب فيها ، وتتأثر معدة صاحب الوليمة إذا هو خشي أن لا تصيب وليمته نجاحها المأمول .

والهم يؤثر في الأمعاء ، فقد يقف بعض حركاتها ، وقد يزيد بعضها . والممتحنون لا ينسون عند الامتحان كيف يخرج بعض الطلاب من خيمة الامتحان يطلبون الخلاء . وقد يظن المدرس أنها نعلة كاذبة . وقد ظن آخرون أنها الدوستاريا ، وما هي إلا أعصاب تأثرت بالذي بالجسم من خوف فهرت لها الأمعاء كما تهر الكلاب .

والكلاب كالناس تعتورها الهموم على قد حالها فتؤثر في هضمها . فالكلب تفرز معدته سوائلها الهاضمة على مرأي اللحم والغظام . ولكنك إذا عرضت لمين الكلب قطة ، فأثارته ، ثم هي ضت عليه من بعد ذلك لحما وعظما ، لم تفرز معدته شيئا . . كذلك إذا أنت عرضت له بالعظم واللحم ، فسألت معدته ، ثم عرضت له القطة أثناء ذلك ، إذا تقف المعدة بغتة إفرازها . ولا يحدث شيء من كل هذا للكلب إذا أنت عرضت له قطة صديقة ، كان تكون قطة ألفها في البيت منذ صباها ، أو تعود ألفتها على كبر بحكم العشرة ولو مكرها أخوك لا بطلا .

وقد يكون في اضطراب الفكر زيادة في حركة المعدة حتى لتحس منها ألا . ولكن أكثر أثر الهم يكون في إبطاء حركة المعدة ، فنقصان سرعة الهضم . ثبت ذلك في تجرية أجروها في طلبة للطب يمتحنون فكشفوا عن أن الامتحان يزيد في بقاء الطعام في المعدة ساعة أو أكثر من ساعة.

والرجل يحس حاجته إلى الطعام ، بألم ، أو شبه ألم يغشى المعدة ، إذا طال فراغها . فهي عندئذ تتقبض تقبضا هو مصدر ذلك الآلم . ولكنها لا تنقبض والهم قائم ، فلا يتنبه المرء إلى فراغ معدته ، ولا يتنبه إلى حاجته إلى الطعام ، فلا تكون له رغبة فيه ، فلا هو يطلبه ولا هو يشتهيه . وكما تكون هذه الحال في الرجال تكون في الأطفال . فمن الأطفال أطفال حساسون يظلون على خوف دائم من آبائهم ، أو على هم عما يلقون في دروسهم ، فلا يحسون الرغبة للطعام ، فيحسب الناس أن بهم مرضا جثمانيا ، وما بهم إلا المرض النفسي ، وهو ينحل ويقتل كما تقتل أمراض الأجسام

وإذا أزمن الهم ، ازمن سوء الهضم معه ، فاعترى المعدة ، واعترى الجهاز الهضمي ، أسواء دائمة . فقد تعتري

المعدة فرحة ، وقد يعتري الأمعاء الغلاظ التهاب دائم وقد أحصوا أن الآزمة العالمية الماضية ، أزمة عام ١٩٢٩ ، زادت في قرح الأمعدة في البلاد التي هزتها الأزمة خمسة وعشرين في المائة .

والمقصود من كل هذا أن نحذر من الهم ، لا سيما عند الطعام . فلا تأكل وأنت مهموم أو ثائر . أخر الطعام حتى تهدأ . فلا ضرر من جوع مؤقت ، ولكن الضرر كل الضرر في طعام لا يهضم . وأحط نفسك وأهلك عند الطعام بكل مفرح مبهج . وزن مائدتك بالورد وعطرها بالريحان . وغن إن استطعت الغناء ، وامرح وانطلق بالنكات ، واجعل الجو حولك أبيض زاهيا وما أحلى الغداء والعشاء على أنغام الموسيقى الهادئة في مطاعم هؤلاء الأعاجم لما كنا في بلادهم نستمتع بالعيش الفاخر بأرخص الأثمان .

وليس الهم كله هم المصائب والكوارث . فقد يهتم المرء لعمله اليومي هما يوتر أعصابه . والخير كل الخير في إرخائها . ولن يكون إرخاء إلا إذا تعود المرء أن ينسى ، كما تعود أن يذكر . فمن أثمن الأشياء في الوجود أن يقدر المرء على حمل أثقاله والعمل اليومي قائم ، وأن يقدر على حطها إلى الأرض إذا فرغ زمان العمل وآن آن الراحة

ومن هذا كانت الحكمة في البطالة ، بطالة الأسبوع ، وبطالة العام ، وتلك البطالة الجديدة التي اخترعها الأحدثون - عطلة آخر الأسبوع . وفيها يخرجون عن مُدنهم ، ومقر أعمالهم ، إلى الريف البعيد ، مخلفين وراءهم اسباب الهم جميعا ، فيأكلون في هدوء الريف كما تأكل الناس ، وتهضم أمعدتهم كما يجب أن تهضم أمعدة الخلائق . وفي الأمثال الأفرنجية يقولون " اضحك واسمن " أو كما أردت أنا أن أقول : غن ، ترقص معدتك.

أحمد زكي

اشترك في نشرتنا البريدية