الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 959الرجوع إلى "الرسالة"

على محمود طه فى شرقياته

Share

- ١ -

لا أريد أن أتحدث فى هذا المقال عن شاعر مصر الكبير  المرحوم على محمود طه كسيد شعراء الغناء العربى منذ أمرئ  القيس حتى الآن، ولا أريد أن أُبين مواطن الجمال والإبداع فى دواوينه النفيسة التى أصدرها والتى تضمنت الشىء الكثير عن شعره فى وصف الطبيعة والمرأة، ولكننى أود أن أُقصر كلمتى هذه على شعره السياسى الذى قاله فى مناسبات عديدة، والتى أوحت به إليه أحداث الشرق العربى المتطلع إلى الحرية والثائر  على ظلم الظالمين، لأبدد تلك الفكرة التى تطغى على الأذهان وهى أن المرحوم شاعر الجندول لا يجيد غير وصف الطبيعة والغزل بدليل قوله:

حياتى قصة بدأت بكأس لها غنيت وأمرأة جميلة

وأنه لم يشارك الشعب آلامه وأحزانه، ولا العربية جمعاء فى ثورتها التحررية الكبرى، وأنه لم يكن فى جمال هذه المشاركة كأميره شوقى بك الذى يقول:

كان شعرى الغناء فى فرح الشر  ق وكان البكاء فى أحزانه

وأن ما قاله فى هذا المضمار لا يتعدى الأبيات التى مجد بها  مصر، أما الشرق فقد تركه وراء ظهره..

هذا ما يقوله عندنا بعض المغرورين الجاهلين الذين لم يقرءوا  للشاعر غير ديوان واحد أو ديوانين، ولو كانوا من المتتبعين لقراءة  نفائس الشعر العربى الحديث لعلموا أن لصاحب (أرواح  شاردة) ديواناً فخماً يضم طائفة صالحة مختارة من شعر الملاحم  والحروب، والدم والثورة، والجهاد والاستقلال، وهو (شرق  وغرب) الذى أصدره المرحوم سنة ١٩٤٧ إلى الوجود،

وبصدوره أضاف إلى ذخيرة الشعر العربى الحديث ذخيرة أُخرى  جديرة بالدراسة والحفظ والإعجاب

يقع هذا الديوان فى ١٨٢ ص ويقسم إلى قسمين: القسم الأول باسم (أصداء من الغرب) والقسم الآخر باسم (أصوات  من الشرق) ونحن نترك الغرب لعشاق الغناء والمرأة والألحان،  لنأخذ بالتحدث عن الشرقيات وخصوصاً فى هذه الظروف التى  يمر بها الشرق؛ وبعد نكبة العرب بالديار المقدسة على رغم أنف الجامعة العربية ذلك المخلوق الكسيح الهزيل

وأول قصيدة من شرقيات شاعر زهر وخمر هى (إلى أبناء  الشرق) ومطلها هذا

دعوها منى، وإتركوه خيالاً  فما عرف الحق إلا النضالا

ينبيك بنصيحة الشاعر المخلصة المرجوة إلى أبناء الشرق  الإسلامى الذين كانوا يتطلعون إلى قضية فلسطين تطلع الخائف،  مرتقبين مصيرها فى حذر وفرق، وهل يعرف الحق إلا الكفاح؛  إذن إلى حمل السلاح على لسان الشاعر

بنى الشرق ماذا وراء الوعود  تطل يميناً وترنو شمالا

وما حكمة الصمت فى عالم  تصيح المطامع فية اقتتالا

زمانكمو جارح لايعفر أيت الضعيف به لا يوالى

ويمومكمو نهزة العاملين  ومضيعة الخاملين الكسالى

ولكن أبناء الشرق الذين فتحوا العالم، وأدبوا الغرب وكسروا شوكة الصلبيين؛ لايلبون النداء الحار، فيهتف به الشاعر مذكرا

ألسنا بنى الشرق من يعرب أصولاً سمت وجباهاً تعالى

أجئنا نسائل عطف الحليف ونرقب منه الندى والنوالا؟

ولكن الشرقيين كما عهدناهم فى هذا العصر لا يغضبون لأن الحاكمين تحت إمرة الأجنبى علمهم الخنوع والكسل، ولكن الشاعر يذكرهم ويذكر الحلفاء

فلسطين مالى أرى جرحها يسيل ويأبى الغداة اندمالا

وأفريقيا ما لإسلامها يسام عبودية واحتلالا

على تونس وبمراكش تروح السيوف وتغدو إختيالا

ويسترسل الشاعر فى وصفه حتى يختم تلك الملحمة الرائعة

بهذا الدعاء المضطرم بالإخاء والإيمان

بنى الشرق كونوا لأوطانكم قوى تتحدى الهوى والضلالا

أقيموا طدوركمو للخطوب فما شط طالب حق وغالى

وقد كان الشاعر فى سرير مرضه عندما بدأ بإثارة شعور إخوانه العرب عامة والمصريين خاصة فى سبيل طردهم المستعمر الغاشم ورد حقهم السليب، فقال فى الختام

فزعت لكم من وراء السقام وقد جلل الشيب رأسى اشتعالا

وما أن بكيت الهوى والشباب ولكن ذكرت العلى والرجالا

نعم لقد بكيت الرجال، وحق لك أن تبكى الرجال فى مواطن خلت إلا من أشباه الرجال..

وفى (يوم فلسطين) وهى القصيدة الثانية من الشرقيات؛  يصور الشاعر غضب الأمة العربية فى إضرابها العام الذى صدر  فى اليوم الثانى من نوفمبر سنة١945 حداداً واحتجاجاً على  وعد بلفور المشئوم. ويكبر البطرلة والشجاعة فى الفلسطينيين  الأحرار الذين إستشهدوا فى سبيل بلادهم وبمجد الشعب الفلسطينى  المناضل، فى جهاده الطويل وصبره على الشدائد، وإبائه وعدم  خنوعه إلى الآجنبى طيلة أيام الثورة، فيهتف من صميم قلبه

فلسطين لاراعتك صيحة مغتال سلمت لأجيال، وعشت لأبطال

ولاعزك الجيل المفدى ولا خبت لقومك نار فى ذوائب أجيال

صحت باديات الشرق تحت غيارهم على خلجات الروح من تربك الغالى

فوارس يستهدى أعنة خيلهم دم العرب الفادين والسؤدد العالى

ثم يتطرق إلى وصف الشرق صبيحة التقسيم بهذا الوصف الرائع

هو الشرق لم يهدأ بصيح ولم يطب رقاداً على ليل رماك زلزال

غداة أذاعوا أنك اليوم قسمة لكل غريب دائم التيه جوال

قضى عمره رجم المواطن - وإسمه مواطنها - مابين حل وترحال

وماحل داراً فيك يوماً. . ولاهفت على قلبه ذكراك من عهد أسرال

أى والله ياصاحب الملاح التائه!! إن النكبة التى منى بها العرب فى فلسطين يوم سلط عليها الإنكليز والأمريكان شذاذ الآفاق،  المناجيس الرعاديد، ستبقى مطبوعة فى كل قلب حر ما دام للوطن  العربى الكبير بقاء؟ وإن الأرض المقدسة التى حلها أوباش  اليهود التائهين كى لا تتطهر إلا بظهور عظيم كبخت نصر؟ وبطل

كصلاح الدين وفارس كإبن الوليد، لكى يعيد مجد فلسطين  كما كانت فى عهد عمر، ومعاوية، والرشيد

ثم يختتم قصيدته مخاطباً الغرب بقوله

ويا أيها الغرب المواعد لاتزد كفى الشرق زاداً من وعود وأقوال

شبعنا وجعنا من خيال منمق ومنه اكتسينا، ثم عدنا بأسمال

فلا تعذب الضعفى وتغصب حقوقهم  فتلك إذا كانت.. شريعة أدغال

وهل فات الشرق أن الغرب لا يعرف إلا الظلم والدم والنار،  وأن ماسفه من حقوق لا يتعدى حبراً على ورق ولا تطبق عنده  الثريعة الغاب. وقانون الرجل الأول؟!.

وفى مساء يوم الخميس المصادف ٢٠ يونيه سنة ١٩٤٦  تفاجأ مصر والعالم العربى قاطبة مفاجأة سارة بظهور  مفتى الديار الفلسطينية السيد أمين الحسينى فى  قصر عابدين العمر لاجئاً إلى ساحة البيت العلوى الكبير الكريم  بعد خروجه خفية من باريس بنحو أسبوعين، وقد أمنه الفاروق العظيم على حياته وأكرم وفادته. ألخ) (١) فما كان من الشاعر الإ أن حياه بقصيدة رائعة تعد من عيون الشعر الحديث يفتتحها  بهذا المطلع الجبار

حيتك فى الشرق آمال وأحلام ... وقبلتك جراحات وآلام

الذى يصف به أجمل وصف شعور الشرق باستقبال المجاهد  الكريم؛ وكذلك وصف الديار المصرية التى ترحب بكل طريد  عربى.. يا ليتنا كنا أحد الذين يقضون البقية الباقية من حياتهم  فيها وبين أهلها الأحباء الكرام.. فيقول

ديار (فاروق) من يلجأ لساحتها ... فقد حمته من الأحداث آجام

يطيب للعربى المستخير بها ... معاشه ويرق الماء والجام

ويحطم القلم العانى بحومتها ... أصفاده، وبفك القيد ضرغام

وحسب مصر، أن أرباب الفكر، وأصحاب العقائد، وحملة مشاعل الحرية والأدباء والشعراء لا يضطهدون أو يعذبون،  وحسب الفارق شرفاً أنه أصل هذا الكرم العتيد والمجد الرفيع  والبناء الضخم الموطد الأركان.. ولا أريد أن أسترسل فى وصف  هذه الأبيات الرائعة أو أثرها فى النفس والشعور؛ وقيمتها فى

ميزان الشعر السياسى من ناحية الديباجة والإصالة والقوة،  ولكننى أكتفى بأنها خير ما قلت فى هذه المناسبة. وحسب  الحسينى قول الشاعر

وأنت، يا أيها الفادى عروبته ... أسلم فديتك لا غبن ولا ذام

جهادك الحق مظلوما ومغترباص ... وحى لكل فتى حر وإلهام

وحسب المرحوم الذى اختطفه يد الغادر الغاشم وهو فى أوج نضوجه الفتى وحسب عبقريته المتفتحة عن أكمام الخلود والمعطرة بأريج البيان المشرق واللغة السليمة والعربية الكريمة  والتراث الشرقى النبيل أنه كان شاعر الشرق بما فيه العروبة والإسلام،  وأنه كان من المدافعين عن حريته وسلامته من المؤمنين به  وبحقوقه، وبحضارته العريقة ومجده الخالد التالد. وشبابه المنافح  المكافح وشيوخه الحكماء

وحسب مصر الوادى المبارك أنه أطلع للعربية والشرق عملاقاً مثل شوقى.. ونسر أضخم الهيكل فى الشرق كعلى محمود طه المهندس...

والبقية من هذا الحديث ستأتى فى القريب إن شاء الله  وإلى الغد المأمول

بغداد

اشترك في نشرتنا البريدية