الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 264 الرجوع إلى "الثقافة"

على هامشي النقد العربي :، أبو الفرج الناقد

Share

عرض أبو الفرج الأصبهاني في كتابه الأغاني شعراء العرب في العصر الجاهلي والقرون الثلاثة الاولى للإسلام وأراء النقاد فيهم واذواق عصورهم ومعاصريهم . وهو لا يعرضهم عرض ضد التاريخي الحديث فيفصل الكلام عن الشاعر وبقسمه وبيوئه كما نصنع الآن ، إذ يتكلم عن ادوار حياته وبيئته وعصره وظروفه وثقافته ومدى تقليده وتجديده . وإنما اخبار مفزعة عن الشاعر من هنا وهناك تتناول اطرافا من حياته وما حدث له من وقائع واحداث ، واثناء ذلك تتناثر تأملات في فن الشاعر وخصائصه وما يسمه في شعره ونماذجه . وهي تأملات مضيئة كان يستمدها أبو الفرج من عقل مثقف ثقافة ممتازة بالشعر القديم والحديث ، وهي من أجل ذلك تفتهي به إلي احكام غنية لا يشوبها هوي ولا يتعلق بها غرض

لم يكن أبو الفرج يؤصل أحكامه في الشعر والشعراء علي هوي  أو غرض ، إنما كان يؤصلها على القاييس الفنية الدقيقة ، مقاييس الجودة والرداءه ، وبذلك انحاز عما وقع فيه افلاطون قديما وبعض النقاد الغربيين حديثا من الاحتكام في تقويم الشعر والفن إلي مقايس الأخلاق ، كأنه كان يشعر شعورا عميقا بالنظرية الحديثة القائلة بأن الفن للفن . فهو لا يحكم عليه مما يعبر عنه من اخلاق وغير اخلاق ، إنما يحكم عليه مما يعبر عنه من شعور ووجدان وقيم جمالية داخلية فيه لا ترتبط بأخلاق ولابدين ولا بغيرهما من قيم خارجية عنه . وكيف يحتكم أبو الفرج إلي الأخلاقي وكثير من الشعراء الممتازين امثال أبي وأس كانوا ذوي اخلاق مقيتة ؟ إننا في الواقع حين ترتد إلي الأخلاق بحكمها في الشعراء تسقط من ايدينا نماذج كثيرة ، فالشعر يعبر عن الحياة بوجهيها من اخلاق وغير اخلاق ، وهو لا يقاس بأحد

الجانبين ، إنما يقاس بمعاييره الخاصة التي تأذن لأبي الفرج ان يرد على النقاد احكامهم على الشعراء ما داموا يعتمدون فيها على تقويهم بأخلاقهم كحكم ابن سلام على الأحوص إذ اخره في منزلته بين الشعراء الإسلاميين وجعله في الطبقة السادسة وكان يحسن ان لا ينظر إلى اخلاقه وان يتقدم به ، إلى طبقته الحقيقية التي تلاثم فنه وشعره . وهذا الفاصل الدقيق الذي اقامه أبو الفرج بين الشعر والأخلاق كان له أثر اخر لا من حيث تقويم الشعراء ، بل من حيث رواية آثارهم ونماذجهم ، فقد ذهب يروي اشعارهم الماجنة وإفكهم وما كانوا يزرون

والحق ان ابا الفرج كان من اصحاب العقول الحرة التي لا تحجز نفسها داخل نظرات ضيقة في الحكم على الشعراء ، وإن من بتابعه في الأغاني ليلاحظ أنه كان دقيقا دقة شديدة . وهي دقة تظهر في كل شق من كتابه ، ولعل من اطرف الدلالة عليها ما تراه من وقوفه عند محيط الشعراء واوساطهم حتى يعلل تعليلا صحيحا لشهرتهم وخمولهم . يقول عن  ابى الشيص  انه) * غير نبيه الذكر لوقوعه بين مسلم بن الوليد وأشجع وأبي نواس فحمل أما ربيعة الرقي قمع  اكثاره وتجويده لفنه احمله بعده عن العراق وتركه لخدمة الخلفاء ومخالطة الشعراء . وعلى هذا النمط بقف أبو الفرج عند أطراف من حياة الشاعر وحواش من معاصريه يستفيد منها في التعايل محموله . وليس من شك ، في أن هذا انحاء حسن في التعليل والتسيب

على أن تأمله في محيط الشاعر ، جعله ينفذ إلي شئ آخر لعله أهم مما ذكرناه ، وهو التقبل للأذواق الحديثة . بل الاحتجاج لها والتعصب من أجلها ، وقد ظهر ذلك في وضوح عند مناقشته لمن تلوموا ابن المعتز على ما في شعره من ركاكة وخروج على موضوعات الشعر التقليدية ، إذ كان بمعنى يوصف مجالس اللهو والأنس دون وصف البيد والمهامه والقفار والمنازل المهجورة . بنظر أبو الفرج -

في هذا النقد فبرفضه معللا لرفضه بأن مثل ابن المعتز ممن يعيش في ميادين النور والبنفسج والنرجس والندامي والفيان لا يطلب إليه ان يتكلف ما فوق بيئته ، ولا ان يميز باسلوب جيد الكلام ووحشيه ، وإنما يعدل إلي أسلوب بسيط رقيق بفهمه معاصروه .

وليس من شك في أن أبا الفرج يفصح هنا عن ذوق حديث ، فهو ليس ممن يعتنقون القديم لانه قديم ، بل هو يري أن لكل حال ليومها ، في مواضع يستحسن القديم وفي اخري يستحسن الحديد ، وكل شاعر  عليه ان يمثل وسطه وعصره ، وليس من حق النقاد ان يزروا عليه فإن ذلك - إن صح - يقضي بالشعر إلى ضرب من الجمود والتحجر عند تقاليد محفوظة ، والشعر حقا ينبغى ان يستفيد من التقاليد القديمة والمراسيم الموروثة ، ولكن في حدود التغيير والتبديل داخل الإطار القديم ، بحيث يستطيع ان ينهض بمذاهب ومناهج تتلاءم مع العصور الحديثة ، فلكل عصر مذاهبه ومناهجه وحركاته الفنية التي تتعاقب في شكل امواج ترتفع ثم تنخفض لتحل محلها امواج جديدة

وإن من الأشياء حقا في كتاب الأغاني أن صاحبه لم يكن يعني يتبع سقطات شاعر . فقد كان يعترف بأن الفنان الممتاز يجيد في موضع ولا يجيد في اخر ، بل إن شاعرا نفسه تختلف حالاته في الموضوع الواحد والنموذج الواحد ، وليس لنا ان نزري على هدى شاعر إن اسف في بعض المواضع ما دام يرتفع ارتفاعا حسنا في المواضع الأخرى . يقول في التعليق على حملات خصوم إلى تمام وانه يسف كثيرا : " وليست إساءة من اساء في القليل واحسن في الكثير مسقطة إحسانه ، ولو كثرت إساءته أيضا ثم احسن لم يقل له عند الإحسان اسأت ، ولا عند الصواب أخطأت " وقد فسر هذا المعنى تفسيرا اتم حين حديثه عن ابن المعتز ، وما يجد فارتوء عنده من هلهلة اسلوب وضعف نسيج إذ يقول إن الشاعر " لا ينمط حقه كله إذا احسن

في الكثير وتوسط في البعض وقصر في اليسير ، وينسب إلى التقصير في الجميع لنشر المقابح ، وطي المحاسن ، فلو شاء أن يفعل هذا كل أحد بمن تقدم لوجده مساغا وإنما على الإنسان أن يحفظ من الشيء أحسنه ويلغي ما لم يستحسنه فلبس مأخوذا ، ولكن اقواما ارادوا ان برفعوا انفسهم الوضيعة ويشيدوا يذكهم الخامل وتعلو افدارهم الساقطة بالطعن على أهل الفضل والقدح فيهم فلا يزدادون بذلك إلا ضعة ، ولا يزداد الآخر إلا ارتفاعا " .

وليس من شك في أن هذه نظرة معتدلة في الحكم على الشعراء ، فإن من واجب الناقد أن لا يتعلق بضعف يجده في صحيفة او صحف من دعوان شاعر فيرفض الديوان كله . إنه إذن يرفض دواوين الشعراء جميعا لأن الشاعر من طبيعته أن يحلق في الآفاق العليا في بعض الجوانب ثم يسف في جوانب اخري ، بل ربا كان هذا الإسفاف أية على مهارة الشاعر لانه دليل ارتفاعه وصعوده في بعض النماذج صعودا يتراءي في خلاله هذا الإسفاف الذي لا يظهر في تلك الصورة الواضحة عند الشعراء المتوسطين لأنهم يحلقون دائما في أفق متوسط مستو . ويفسر ذلك أبو تمام والبحتري ، فالأول على مهارته النادرة يسف كثيرا في شعره بخلاف البحتري فإنه يعيش في الأفق القريب ، ولذلك كان لا يظهر عنده الإسفاف كما لا يظهر عنده التحليق في الأجواء العليا فذلك مدى خارج عن طاقته .

وهذه النظرة الدقيقة في الحكم على الشعراء كان يؤازرها نظرة أخرى متغلغلة في فهم خصائصهم ومناهجهم الفنية . وقد ساعدته تلك النظرة في أن يتحقق من النصوص التى يرويها إذ نراه يرفض قبيلا لأنه لا يتفق ونمط الشاعر ومنهجه . يقول في قصيدة تنسب لامرئ القيس أظنها منحولة لأنها لا تشاكل كلام امرئ القبس والتوليد فيها بين " وبشك في شعر بنسب للأحصوص لانه " ساقط سخيف لا يشبه يمط الاحوص والتوليد بين فيه ويشهد على انه محدث " ، ويقول في شعر ينسب إلى طرفة إنه

" لا يشبه مذهب طرفة ونمطه "

وتتردد في الأغاني كلة يذهب ؛ فالحسين بن الصحاك حلو المذهب لشعره قبول ورونق صاف ، والعباس بن الأحنف له مذهب حسن ، ولديباجة شعره رونق : والبحتري شاعر فاضل فصيح حسن المذهب ، أما ابو تمام فله مذهب في المطابق هو كالسابق إليه جميع الشعراء . وليس من شك في أن أبا الفرج كان دقيقا دقة فائقة حين لاحظ ما يتميز به أبو تمام من استخدام طباق جديد ، وربما كان هو الناقد العربي الوحيد الذي تنبه إلي هذا الجانب في صناعة أبي تمام ، إذ يراه يستخدم ضربا جديدا من الطباق لا يستمده من وعاء الذاكرة كالطباق المعروف حين تذكر الليل فيأتي النهار والشبب فيأني الشباب ، إنما يستمده من وعاء الفلسفة فإذا بعيره برعي القيافي وترعاء القيافي :

وعنه القيافي بعد ما كان حقبة...........رعاها وماء الروض ينهل ساكبه

وليس هنا مجال البسط في الحديث عن هذا الطباق الفلسفي الغريب ، إنما تريد ان نشير إلى ان ابا الفرج كان نافدا ممتازا في فهم الشعراء وبيان خصائصهم ، وإن كنا نلاحظ من طرف آخر أنه لم يعن كثيرا بعرض آرائه في الشعراء وأحكامه . إنما كان يعني بعرض آراء غيره من النقاد وأن يروي الأخبار المختلفة عن أحداث الشعراء وما وقع لهم في حياتهم ، وهو في الواقع ليس له في كتابه اراء وأحكام كثيرة فما كان يحاول - على ما يظهر - أن يشرح الأخبار والأحداث ، بل كان يتركها لتتكلم بنفسها وكأنه لم يكن ممن يشغلون بفلسفة الحقائق قبل الحقائق ذاتها .

اشترك في نشرتنا البريدية