جاء في الجزء العاشر من كتاب السائح الإغريقي يوستيس الذي عاش في القرن الثاني للميلاد ، أنه سمع من أحد أهالي فلسطين ( الفينيقيين ) ان المصريين يحتفلون بعيد الإلهة ازيس وهي تبكي زوجها وأخاها اوزريس ، وفي ذلك الوقت يبدأ النيل في الارتفاع ، وسبب هذا الفيضان ، على قول المصريين انفسهم ، هي الدموع التي تذرفها الالالهة حزنا على شقيقها . فهي التي تملأ مجري النيل ، فيطغي الماء على جانبية ويروي الأرض ، ولقد حدث عند ما استولي الرومان على مصر ان رشا الحاكم الروماني شخصا للذهاب إلي هيكل مدينة قفط ، والدخول إلي مخائبة لرؤية ما يجري هنالك ، ولسماع الأسرار المقدسة ، فذهب هذا الشقي وتمكن من الدخول واسترق السمع ، ثم رجع فأخبر بكل ما حصل ومات لساعته ؟ ويستخلص يوستيس من هذه القصة شاهدا علي قول هوميروس
هذه السنة التى ذكرها عرضا الكاتب اليوناني تدل على ان المصريين في العصر الروماني كانوا يحتفلون ببدء فيضان النيل الذي يحدث عادة قبيل ابتداء الصيف ، وانهم كانوا ينسبون هذه الزيادة إلي دموع ازيس التي تنهمر فتملأ البقاع وتروي الأراضى ، فهي لذلك اصل الخير والبركة في مصر ؛ وقد بقي هذا الاعتقاد رغم تدمير معابد ايزيس ، وانقراض الديانة المصرية ، إلا أن دموع أزيس بدأت بنقطة مباركة تنزل من السماء في الليلة الحادية عشرة من شهر يؤونة ، حسب التقويم القبطي ، وذلك قبل بدء فصل الصيف بأربعة ايام ، ويرتبط عيد النقطة هذا ارتباطا
وثيقا بعيد سيدنا ميكائيل ، في الثاني عشر من شهر يؤونه ، ذلك لان ميكائيل احتل في الإقاصيص التي حاكها المصريون حول النيل مركزا ساميا ، إذ وضعوا النيل تحت رعايته وجعلوه الوسيط بينهم وبين ربهم ففي الليلة السابقة لعيده كما تقول الكتابات القبطية ، يجتمع الملائكة فيتقدمون إلي الحجاب الذي يفصل الله جل وعلا عن بقية الكائنات ، وهناك يقفون لا يستطيعون الدخول ، ويتقدم ميكائيل فيخترق الحجب ، ويلقي بنفسه أمام رب العزة ، فيدعو ويتضرع طالبا الرحمة بالمصريين ، والأذن بزيادة النيل ، ولا يرفع رأسه حتى يجاب إلي سؤله ، وحتي بأمر الله نهر النيل بالزيادة .
نسج المصريون كثيرا من الخرافات حول هذا اليوم ، والفوا فيه عادات خاصة ، واستبشروا به خيرا ، وظنوا انه يوم مبارك تنزل فيه الرحمة من السماء ، وقد استرعي نظر السائحين والزائرين لمصر ، فخصه ميلي مثلا في كتابه وصف مصر " بصفحات
ولكونه من اعظم الأعياد وأكبرها ، ولتشابه قليل بينه وبين عيد آخر يسمي كتيخيريا ، ظن العلامة إدجار الذي عهدت إليه دار الأثار المصرية بنشر أوراق البردي ، التى وجدت في مكتبة زيتون ان عيد الكتخيريا هو اصل عيد النقطة ، وعيد الكتخيريا هذا لا يعرف عنه إلا القليل ، فقد ورد ذكره لأول مرة في احدي اوراق البردي الباريسية ، إذ ادمج بين الأعياد التي يحتفل بها طبقا للتقويم الثابت ، وقد رجح العلماء انه من اعياد النيل ، استنادا على اسمه المشتق من جذر بمعنى يصب . وبعد مضي سنين عديدة عثر على اشارة اخري إليه في إحدي اوراق البردي التي وجدت
في مكتبة زيتون ، وقد كتبت في سنة ٢٥٥ قبل الميلاد ، غير ان هذه الاشارة على اهميتها لم تلق اي ضوء يكشف لنا عن أصل هذا العيد أو يدلنا على كيفية الاحتفال به. وقد تمكن إدجار بعد مقارنة التواريخ الواردة فيها ، ان يستنتج ان المصريين في النصف الأول من القرن الثالث قبل
الميلاد كانوا يحتفلون بعيد الكتخيريا ، بين الثامن والعاشر من شهر بشلس طبقا للتقويم العادي . ولم يستطع إدجار أن يرجع هذا العيد إلي أصله ، أو أن يربطه بأحد الأعياد المصرية المعروفة ، وقد اصطدم رأيه عندما حاول إيجاد صلة بينه وبين ليلة النقطة بصعاب لم يتمكن من التغلب عليها . وقد انتهي بي البحث إلي رأي أظن أنه سيؤدي إلي حل مشكلة الكتخيريا ، وذلك بإيجاد رابطة وثيقة بينه وبين عيد مصري آخر سمي
سوخيا في تقويم مصري يرجع إلي عصر الامبراطور انطنيوس بيسantonius puis (١٣٨-١٦١ م ) وكان يحتفل بهذا العيد مدة اسبوع كامل ابتداء من اليوم الثاني من شهر ابيب . أما عيد الكتخيريا فقد وقع
الاحتفال به بين الثامن والعاشر من شهر بشنس في التقويم العادي سنة ٢٥٥ ق . م ، أي بين السادس والثامن من شهر أبيب في التقويم الإسكندري .
ولهذا العيد المصري القديم أثر باق حتي الآن ، ذلك لأن النيل يبدأ أثناء شهر أبيب في الارتفاع بقوة لاحظها
العامة فقالوا : " في أبيب يدب الماء دبيب " وتكتب التقاوى القبطية عادة عقب اليوم الثالث من الشهر نفسه ، أن النيل يزيد زيادة عظيمة ، وهذا ما فعل آباؤهم في القرن الثالث قبل الميلاد ، إذ نجد في تقويم عثر عليه في إحدي أوراق البروي أن الخامس والعشرين من شهر برمودة طبقا للتقويم العادي قد اتبع بنفس الملحوظة ، وهذا التاريخ يوافق الرابع من شهر أبيب في تقويم الإسكندرية
هذا الاتفاق في التواريخ لايدع مجالا
للشك في أن عيد الكتخيريا مرتبط بعيد السوخيا ، وان المصريين يحتفلون بهذه الأيام كايام مباركه تتدفق فيها المياه ويزيد النيل زيادة تبشر بكل خير

