فيما كتبه الأخ الأستاذ إبراهيم فلالي وفيما سطره الأستاذ الفاضل أحمد أبو بكر إبراهيم من حديث عن (الحياة الأدبية في الحجاز) ما يعطي صورة مصغرة عامة عن الأدب الحجازي، ولكن لا يجوز لنا بحال أن نتخذها مقياساً صحيحاً لما هو عليه الأدب الحجازي اليوم
فالأول، وهو حجازي، قد سرد علينا قصائد ومقطوعات من هذا الشعر في عجلة وبلا تحليل فني يرتكز إليه القارئ المدقق، وقد اغتفرنا له ذلك حملا على أنه في مجال عرض لقضية الأدب الحجازي يستدعيه السرعة والارتجال، وهو اغتفار - كما ترى - لغير النقد والمناقشة، إذا كان الأقمن به أن يقتصر على بعض النماذج التي سردها مع تبيين القيمة الفنية لها
أما الآخر، وهو مصري كريم، فقد أبت عليه أريحيته المشكورة إلا أن يعرض للأدب الحجازي منذ أدواره الأولى في تعمق وفلسفة، حتى الدور الذي يتمثل جله في مجموعة (وحي الصحراء)، فساق حديثاً عذباً طلياً، إلا أنه انتهى إلى قوله: (ولا ضير علينا بعد الذي فصلناه في باب الشعر أن نقرر أن الشعر الحجازي قد تقدم في هذه الفترة القصيرة في أغراضه ومعانية، واستطاع أن ينأى بالتلاعب بالألفاظ وألوان الزينة، ولكن ذلك لا يمنعنا أن نقول: إن الحجاز مهد الأدب شعره ونثره لا يزال يتطلب من شعرائه المزيد، وبخاصة فيما يختص بقوة الأساليب ورصانتها، فإن الكثير منهم مع إجادته لا يهتم أحياناً بجزالة الأسلوب ورصفه، شأنه في ذلك شأن شعراء المهجر. . .)
هنا تختلف نظرتنا، ولسنا متشيعين - عن نظرة الأستاذ الكريم، ولكن للأستاذ العذر، فلو قد له الآن - لا منذ صدور وحي الصحراء - أن يدرس شاعراً كالفقي أو قنديل أو شحاتة أو عواد مثلا، أسوى هؤلاء من شعراء الشباب في الحجاز - متوفراً على استيعاب أكثر شعر الشاعر الحديث،
متذوقاً أسلوبه الرائع الجديد للمس ما يطرب له ويعجب من أصالة الأفكار ونضجها والتماعها، وروعة السبك وزخور الأسلوب بشتى الصور الشائقة الفاتنة، ولكن أنى يتسنى ذلك للأستاذ الفاضل، ونحن لم نر بعد شاعراً حجازياً واحداً قد أبرز ديوانه للقراء، وما أظن ذلك بالعسير لو تضاف أدباء الحجاز على خدمة فنهم، باذلين الجهد في تذليل كل مشقة وعناء ليضموا إلى العربية من كنوز قرائحهم ما تظفر به وتفخر
أما النثر الحجازي، فقد قطع مرحلة بعيد وبلغ مستوى عصرياً عالياً، وليس ببعيد إن شاء الله ذلك اليوم الذي تنتشر فيه صحف الحجاز الأدبية وتتألق فيه كتبه الحديثة ومنتجاته، وحينئذ سيتذوق قراء العربية في الأقطار الشقيقة، ولا فخر، من أدب أخواهم هنا شهداً سائغاً مصفى، يلذ لهم تناوله في فرحة وإكبار وبعد، فلحضرة الأستاذ المفضال أحمد أبو بكر إبراهيم، ولرصفائه من كرماء مصر الحبيبة، ممن يعنون بأدب هاته البلاد، مزيد التقدير والشكر والإعجاب

