مخزاة رمضان :
عاد رمضان على الرحب والسعة ، ولكن تجددت بعودته تلك المخزاة التى تتجدد بعودته كل عام . تلك المخزاة التى تتكرر فى العام الواحد ثلاث مرات ، مرة عند بدء الصيام ، ومرة عند حلول عيد الفطر ، ثم ثالثة عند اقتراب عيد الأضحى : تلك مخزاة القمر .
يقول الفلكيون تغرب الشمس اليوم فى الساعة السادسة ، ثم يتلوها القمر فيغرب بعدها بست دقائق ، فغدا عند الفلكين أول الشهر العربى . فهو رمضان . أى غدا أول الصيام . أو فهو شوال , وأى غدا أول الافطار وعيد المسلمين . أو فهو ذو الحجة ، أى بعد عشرة أيام يكون عيد الأضحى .
ويقول الدينيون لا صوم إلا عند رؤيته ، ورؤيته رأى العين . وقد تصيب الرؤية وقد لا تصيب وهى أحيانا قد تتعذر بغشاء على السماء أو غشاء على الأرض . وفى الخطأ والتعذر يقرر الدينيون خلاف ما يقرره الفلكيون . والدينيون يدعون الكلام باسم الدين . والفلكيون يدعون الكلام باسم العلم . وإذا يقع التضارب بين الدين ، ولو ظاهرا ، وبين العلم . وما وقع فى القرن العشرين تضارب بين دين وعلم إلا خسر الدين خسارة كبرى . ومن أهوى العجب أن يقع اشتجار كهذا بين العلم وتفكير لسلام ، وهو الدين الذى لا نفتأ صفحات قرآنه لارض التفكير الحر والتبصر الطليق فى ملكوت السيد كل منو الأرض .
كثيرة تجلت كل معروقات العلم حقائق ثوابت . وفى العلم أمرر كثيرة تجلس على درجات متفاوتة بين الظن واليقين .
وحقائق الفلك المحسوبة تجلس على القمة من هذه الدرجات . وليس الرجل فى حاجة إلى علم الفلك للايمان بهذا ، فكفى الرجل العادى سببا إلى الايمان تلك النبوءات العديدة التى يأتى بها علم الفك فلا تكذب الحوادث واحدة منها . وفى مسألة الغروب والشروق بخاصة بتنبأ الفلك بميعادها قبل حدوثها بسنوات عديدة ، فتجئ الشمس والقمر وسائر الكواكب مصدقة كأنما كانت هى والفلكى على ميعاد .
على أنى لا أدرى كيف يأذن رجال الدين والمتزعموه فى أمر الصلاة بمعايير يأبون استخدامها فى أمر الصيام . إن الصلوات تؤدى بمواعيد " النتائج " والأذان يؤذن بمواعيد " النتائج " و" النتائج " من حساب الفلكيين . و" النتائج " فيها حساب الشمس كما فيها حساب القمر . فكيف يؤمن قوم ببعض كتاب ، ثم يكفرون ببعضه .كيف يؤمنون بالفلكيين إذا هم حسبوا للشمس ، ثم يكفرون بهم إذا هم حسبوا للقمر ، فى حين أن الأرقام والأرصاد التى تحكى عن هذه هى التى تحكى عن هذا ، والرجال هم الرجال ؟
ودعنا من هذا المنطق المقلوب ، وانظر للأمر من وجهة الدعاية . فأى دعاية للدين هذه وأى جناية على الدين أشهد الله أنه لم يكن هو من جناتها .
الأمم تنفق الملايين فى تعزيز كرامتها وتزويق سمعتها . ومن كرامة الأمة كرامة دينها . ومن سمعة الأمة سمعة دينها . ونحن لا نزوق هذه السمعة ، بل نحن لا نحفظها ، وإنما نصمها بوصمة من الرجعية ، ثم نحتفل بهذه الوصمة فى موكب جلل تحوطه الجند وتحفه المهابة ، ثم نسوق هذا الموكب إلى أ كبر محكمة دينية لتقضى فى قضية قضى فيها العلماء " الكافرون " منذ قرون
تقسط الأقوات :
أزمة الحاجات الحاضرة ، إن لبست عليها الحوادث
مرة ، ليمت عليها الحكومة والشعب مرات . وإذا قلنا الحكومة لم نقصد حكومة اليوم تخصيصا ، وإنما الحكومة المتصلة منذ قامت الحرب وإن تضمنت حكومات ، بل والحكومات التى قبل الحرب ، منذ أن أنذر النذير بقرب وقوع الحرب ، وهو نذير سبق الحرب الحاضرة بأربع سنوات أو خمس . وإذا قلنا الشعب فإنا نقصد بالتخصيص ممثليه الحاضرين والغابرين منذ أن جاءت النذر باحتمال وقوع الحرب كذلك .
كان فى ميكنة البلاد توفير الحاجات من محصولات وغير محصولات . كان فى مكنة أى رجل مسئول ضعيف الخيال أن يدرك أن الحرب قائمة لا محالة . فلما قامت كانت فى مكنة رجل أضعف خيالا أن درك أن إيطاليا ستدخل الحرب لا محالة ، وأنها ستميل حيث مالت ، وأن البحار التى بقيت مفتوحة وإبطاليا دولة " غير محاربة " ، إنما كانت مفتوحة إلى أجل ، ومع هذا لم نفعل شيئا ، فضيعنا فرصا ثمينة نقاسى اليوم تضييعها . الحرب كانت قائمة لا محالة ، والبحار كانت ستسد لا محالة ، فواجب السياسى البصير الجرئ كان يقضى باستيراد كل ما يمكن من حاجات البلاد قبل وقوع الحرب ، وإذ وقعت فقبل اشتدادها . ومن أول هذه الحاجات السماد . فقلة السماد فى العام المنصرم ، بل قصر الأبصار لدى الساسة ، ضيع غلة البلاد ضياعا كبيرا . وكالسماد الملبوسات والمركوبات والأدوية وسائر الحاجات . فان قيل لم يكن لدى الأمة مال عند ذاك ، فقد كان فيما لديها من الاحتياطى مفزع تفزع إليه . فان مدمت السياسة وضغوط التيارات من هذا ، فالذى حلل الفرض اليوم كان فى استطاعته تحليله بالأمس .
كذلك كان فى طوق الرجال أن يدركوا أن سوق القطن لا شك كاسدة ، فيقيدوا أنفسهم مختارين بقيد يصنعونه من حديد أسوان الذى لم يكن ، بدل قيد من حديد صنعوه فى شيفيلد . وأسوان ، ليت الذى كان
من أمرها ما كان ، إذا لكان منها اليوم السماد والحديد . بل ليت الذى زعموه من سرقة فى أمرها وقع ، فانتفع السارق بمليون وانتفعت الأمة بالملايين .
على أنه لا نفع فى تلاوم على ماض ، فلنتوجه إلى المستقبل ، ولنتدبر أمورنا فيه انتظارا لأيام أشد ضيقا . فأمريكا سائرة إلى الحرب لا محالة ، ودخولها سينقطع كثير من القليل الباقى الذى يرد إلينا منها فهل ننتهز الفترة التى تتدحرج فيها أمريكا إلى الحرب فنضع أمورنا حيث يجب أن تكون ؟
إن أول ما يحتاجه الناس الطعام ثم اللباس ، ومهما قيل من أن مصر بلد الخيرات والبركات ، فقد دلت الحوادث على أنها قد تكون بلد الجوع والعرى ، على الأقل جوع الفقير وعريه ، حتى والذى فوق الفقير . والبلاد سائرة إلى تقييد كل شئ وتقسيطه ، فبهذا وحده يمتنع الاختزان ، وبهذا وحده تفسد حيل التجار فى الهرب بالبضائع والأقوات ، وبهذا وحده يحمى قليل المال من كثيره ، ويتحقق شئ من عدل المجتمع لأفراد المجتمع وطبقات المجتمع .
والتقسيط العادل لا يمكن إقحامه إقحاما إلا على مجتمع منظم ، فيه كل مستهلك مسجل ، وكل منتج مسجل ، وكل وسيط أو تاجر مسجل ، وفيه إدارات وآلات لحصر الأقوات والملبوسات وسائر الحاجات . فهل أعددنا كل هذا ، أم نحن فى انتظار الواقعة ، حتى إذا وقعت اختلط الحابل بالنابل ، كما حدث فى تقسيط البترول ؟ إن الحكومة البصيرة هى التى تعمل لغدها ، ولو للغد البعيد ، وفى تجنيد المدنيين امتحان ترحب به الأمة ، ولو لم يكن منه إلا تعويدها النظام ، والنظام الصارم الذى يأتلف والزمان الصارم .
بين مساء السبت وصباح الأحد :
يذكرنى حديث التقسيط وما لا بد أن يسبقه من
تنظيم ، بذلك الحادث العظيم الهين الذى امتحن به الانجليز منذ أربعة أشهر .
ففى يوم السبت ، فى الحادى والثلاثين من يوليو الماضى ، امتلأت الدكاكين والمخازن الكبرى بجمهور الناس فى لندن وغير لندن من المدن الكبيرة والصغيرة ، واشترى الناس ما رأوا شراءه ، ورفضوا ما رأوا رفضه . وجاءت الساعة الواحدة ، من يوم السبت ، فغلقت المخازن أبوابها ، وخرج الجمهور راضيا مما أصابه وراضيا عما تشكك فيه فخلفه ، لعلمه أن ما لا يصاب اليوم قد يصاب غدا . ولم يخطر فى خاطر أحد أن ما لا يصاب اليوم قد لا يصاب أبدا . حتى التجار لم يوجسوا خيفة ، لأن الذين بيتوا الأمر بيتوه وأحكموا تبييته فكان سرا خبيئا لم يطلع عليه إلا عدد قلائل هم الذين نظموه ، حتى لقد وصفوه ، لما أحاطوه من حيطة ، بأنه سر من أسرار الدولة التاريخية الكبرى .
وفى صباح اليوم التالى ، فى صبيحة الأحد أول يونيه ، والمخازن مغلقة ، صدر إعلان من وزارة التجارة هذا عنوانه " تقسيط الملابس والأقمشة وما تلبس الأرجل ابتداء من أول يونيه عام ١٩٤١ " .
وتلا العنوان أحكام كثيرة طويلة صدروها بالذى بل : " فى البلاد كفاية من كل شئ إذا نحن تقاسمناه ، وتقاسمنا سويا . إن التقسيط nationing - سبيل القسمة العادلة . والقسمة العادلة ضرورة لازمة إذا ما تحول العمال إلى إنتاج القنابل والمدافع والطيارات بدل الفساتين والبدل والأحذية . والقسمة العادلة ضرورة لازمة إذا ما ركبت سفننا البحار ، فركبت بركوبها الأخطار وفضلت أن تجلب لنا الذخيرة والطعام على أن تجلب لنا القطن والصوف . والقسمة العادلة ضرورة لازمة إذا ما أدى تحرك السكان والهجرة إلى زيادة المطلوب فى جهة صار بها ازدحام وكثرة ، وإلى نقصه فى جهة صار بها تخلخل وقلة . واستعلم الأمة أن تقسيط
الحاجات شئ ، ونقص الحاجات شئ غيره . إن التقسيط أى القسمة العادلة هو الطريقة المثلى لمنع الحاجات أن تنقص دون أن تتدخل فى إنتاجنا الحربى الكامل " .
وفى هذا الإعلان خصوا كل إنسان بست وستين تذكرة ينفق منها طول العام . والتذكرة الواحدة تأذن للرجل بشراء ياقة أو منديلين . والتذكرتان تأذنان له بشراء كوفية أوقفاز . والثلاث تأذن بزوج من الشرابات ، والأربع بزوج من الشباشب أو قميص أو سروال أو صديرى . وهلم جرا . وللبدلة الكاملة ٢٥ تذكرة ، ١٢ للجاكتة و٥ للصديرى و ٨ للبنطلون ( ومعذرة أهل اللغة ! وهل كان لنا غير هذه التعابير من سبيل ؟ ) . ومثل هذا قدرت ملابس النساء والأطفال . وللرجل مطلق الحرية أن يشترى بدلتين ، ولكن هذه تستغرق ٥٠ تذكرة من الست والستين التى لعامه . وللمرأة أن تشترى ستة فساتين فى العام ، ولكن هذه تستغرق كل تذاكرها ، فالفستان بإحدى عشرة تذكرة .
ولا تفيد وحدة التذاكر وحدة فى الأثمان . فالتسع التذاكر تشترى الحذاء الذى ثمنه ربع جنيه أو الذى ثمنه جنيهان فالفقير يأخذ حاجته والغنى يأخذ حاجته بقدر واحد ، ولكن من الصنف الذى اعتاده .
وعلى صرامة هذا التقسيط ، وعلى شدة مباغتته للشعب ، قد سار العمل به من يوم تطبيقه فى سهولة سير الآلة الضخمة تعددت تروسها وكثر زيتها .
واقترن نشر هذا الاعلان فى الجرائد فى صباح الأحد باعلان آخر : إنه فى الساعة التاسعة من نفس الصباح سيتحدث وزير التجارة المستر أوليفار ليتلتون إلى الشعب فى أمر هذا التقسيط . والمستر ليتلتون هو الوزير البريطانى الذى يقيم بين ظهرانينا اليوم وكيلا للوزارة البريطانية فى الشرق الأوسط ، وهو صاحب هذا النظام وكاتم سر ، ومفشيه .
أب حائر :
جاءنى الخطاب الآتى ، وجاءنى من مثله آحاد . قال صاحبه الفاضل بعد ديباجة كريمة .
" . . . . فترى يا سيدى من هذا أنى حائر بهن استكمال تعليم ولدى بعد شهادة الثقافة ، وهو يستنزف كل ما عندى من المال ، وبين أن أقف عند هذا الحد وأنفق مالى الباقى على تعليم بنتى الصغيرتين إنى أقول لنفسى أحيانا إن الخير فى استكمال تربية ابنى لأنه أكبر أولادى ، فإذا ضمنت له كسب الرزق قام من بعدى بحمل عبء البنات ، ولكنه سيكون عبئا ثقيلا لأنهما تكونان غير متعلمتين فغير قادرتين على الكسب ، والزواج أمره موكول إلى الله . ولكن أى شئ أعلمه إياه يكون فيه ضمان الرزق ، وأنا لا أستطيع النفقة مدة طويلة ، والذين يستطيعون النفقة مدة طويلة لا يجدون الأرزاق . فهل تتكرم يا سيدى باختيار مدرسة تؤدى به إلى احتمال الكسب بعد نحو ٣ سنوات على الأكثر أم ترى أن الأفضل أن أصرف همى إلى البنات وتعليمهن تعليما يتكسبن منه . وإذا فأين أرسلهن ، فالمدارس كثيرة ، ولكن لا علم لمثلى بقيمها ، ولا واسطة لى أستعين بها فى طلب النصيحة من هذه المدارس ، وهم مشغولون فى هذه الأيام بالدخول . . "
وقد قصدت من عرض هذا الكتاب على القراء أن أعرض صورة من حال أب هى صورة من حالات آباء كثيرين . هذا أب حائر يريد أن يستهدى السبيل لتعليم أبنائه ولا يجد هاديا ، يريد استنصاحا ولا يجد ناصحا . وقد تجد فى دروب الحياة الكثيرة مكاتب استعلامات فى أمور دون تربية الأبناء خطرا ، أفما كان يحذر بوزارة المعارف أن تنشئ مكتب استعلام يذهب إليه هؤلاء الحائرون لاستجلاء ما انهم عليهم من أمور أبنائهم . ويكون على رأس هذا المكتب رجل ناضج تقلب فى مناصب التعليم تقلبا كثيرا ، وخبرها خبرة طويلة ، وانتفع من خبرته فيها . ويكون فوق هذا رجلا ذا أسرة ، عرف معنى البيت ومعنى النفقة فيه ، وعرف معنى الابن والابنة
وشرب فى سبيل أبنائه وبناته كؤوس الحياة الحلوة وكوؤسها المرة . يكون رجلا قد اهتز قلبه فرحا مرة أو مرارا لخبر سيق إليه بنجاح ولد أو بنت أو أولاد وبنات . ويكون رجلا وقف قلبه أو كاد لخبر سبق إليه بخيبة بنت أو ولد أو بنات وأولاد . رجل كهذا على رأس مكتب استعلام كالذى نصف " تقام له ولو خيمة فى حديقة وزارة المعارف فى موسم دخول المدارس وانقضاضها يستوجب من الجمهور البائس الفقير شكر البائس الفقير ، وهو لعمرى شكر وفير كثير . (ز)

