من الفلاسفة فئة ترى أن الخلق سلعة كالسلع ، تشترى وتباع ، فان أخجم محجم عن بيع سلعته ، فذلك أن الثمن الذى يقدره لها لم يبلغه عرض العارضين . وكما أن للسلع رتبا ومقامات ، ولها أسواقا وأسواقا ، أسواقا تباع فيها أفة السمك بقروش ، وأسواقا تباع فيها الأسهم والسندات من الجنيهات بالألوف والألوف ، فكذلك السلعة الخلقية تباع بقرش على دكة القهوة وعند قدرة الفول ، وتباع بالمئات والآلاف عند بار النادى وعلى أريكة الصالون . وقد ذهب هؤلاء الفلاسفة الشكاكون إلى القول بأن العرض نفسه ، وكل عرض ، سلعة محتملة ، لا يحول دون تداولها إلا إغلاء الثمن إغلاء كافيا . وهم يحتجون لذلك بأن الأباء مع شدة الأغراء نادر فى الناس ندرة أغرت بها القصاصين ، فلولا هذه الندرة ما اهتم بها القصاص ، ولا جعل من موضوعها موضوع بطولة وحديث رواية . وزادوا فقالوا إن الفضيحة التى يخشاها المفضوح من صفقته يهون من خشيتها أن يكون فى الناس تسامح وسعة فى الادراك ، وأن يكون فى الصفقة هامش عريض يقوم بنفقات الدعاية التى تنقى الجو وتذهب بالضباب ، ثم هى تعقد الألسنة وتكم الصحف زمنا ، ثم هى تنطقها بعد ذلك بالحمد ، وتلهج ألسنتها بالثناء ، فتأخذ تفتق فى الماضى القريب والبعيد تبحث عن بصيص من عبقرية أو قبس من ذكاء ، وهى لن تعدم فى مفضوح الأمس بصيصا من عبقرية أو قبسا من ذكاء ، فتظل تقوم على هذا البصيص تنفخ فيه حتى يملأ الأرض بالضياء ، فإذا صاحبه يحتل من منتديات الأمم صدورها ،
ومن أفراحها وأثراحها موضع الرعاية والترحاب منها ، ومن مجالس الحل والعقد فيها صفوفها الأولى . وقد تأزم الأزمات فلا يجدون لتفريجها غياثا غيره ، فيضمونه هو وأضرابه عند مفاتيح الحركة والسكون منها . وكل هذا من نتيجة تلك الصفقة الرابحة الأولى . وهو فى مكانه الجديد يكون أقدر على خلق الصفققات ، وأقوى على إنجاحها ، وأكثر عونا على السير بها فى الظلام ؛ وعمال الليل كثيرون ، لأن أجر الليل أضعاف أجر النهار ويزيد طبل الدعاية إغراقا لأصوات الأزاميل والمطارق التى تعمل فى الخزائن . ومن هؤلاء العباقرة قوم أتقنوا صنعة العناكب ، فهم يمجثون بالخيوط دقيقة رقيقة ، حربريئة ، لا تكاد توقظ حسا ، أو تنبه لمسا . وهم ينسجونها حولهم أشكالا سداسية جميلة ، يصطادون بها كل فحل فخم من فحول الأمم ، فيصبح هذا العقل الواعى وهو بما استضاف أقوى العاقل وأكبرها متعة ، وأعزها مأخذا ومنالا . فكلما أراده نائل بسوء وجد الأمة وسمعتها قد تورطت فيه ، فتعز عليه تلك الكرامة أن تقشغ والعناكب تحت النعال .
إن هذا الرأى الذى يقول بالإحجام كلما تورطت كرامة الأمم رأى من أخطر الآراء . أولا لأن فيه تمسحا بهذه الكرامة الغالية ، فهو لذلك يدخل مدخلا سهلا علي الأكرمين من الاغرار . وثانيا لأنه أكبر خدعة تخدع بها الأمم ، والمتورطون وأصدقاؤهم هم لاشك أصحاب هذه الخدعة وخالقوها . وثالثا لأنه ما فى الأمم من رجل أو رجال بلغوا من الضخامة مبلغا ملؤا به أرجاءها وشغلوا به كل رحابها حتى كانوا او كانتهم ، وحتى يقال إن وصمتهم هى وصمتها ، وإن وصمتها هى وصمتهم . ورابعا لأن تستر الأمة على أمثال هؤلاء إنما هو تستر على كبائر مغرية لا يكون من ورائه إلا انتشارها كالذى يخفى النار إبان الحريق ، أو كالرجل الذى يستر على زوجه خشية الفضيحة ، وهو لا يجنى من ستره
إلا ان تفوح الرائحة ، فتملأ خياشيم الناس إلا خيشومه الذى أحكم سده
لقد كثرت هذه الكبائر من الأكابر ، حتى إذا وقع فيها بعض الأصاغر لم يدر قائل ماذا يقول .
هذا العامل الشقى ، عامل المتحف المصرى ، أغراه بريق أربعين رطلا من الذهب ، فلم يجد فى نفسه قوة على دفع إغرائها ، فهوى حيث كان يهوى رجال أكثر منه مالا وأكبر جاها وأطرى جانبا وأرخص بدا وأملا عينا بمتع الحياة . رجل أجرته فى العام خمسون جنيها ، كيف لا تغريه مائة من الخمسينات هى أجرته فى مائة عام ، وضعوها وراء باب لا يفزع فاتحه إن أراد فتحه إلى فن أو صناعة ، وإنما يكفيه لكسره قوة البهيم . وليس لهذا العامل فى ففقره من سمعة يخشى ضياعها . وليس له من التثقف ما يدرك به مقدار ما يجنى حتى هذه الجريمة ، إن صح أنه أجرمها ، قد فعلها على ما روى الرواة على أسلوب لا حذق فيه ولا لباقة ، فإن هو عوقب فبعض عقابه سيكون بأنه لم يكن لبقا حاذقا . وليس هذا العامل من الأمة فى شئ ، فهو لن يورط شرفها ؛ من أجل هذا لم يعن أحد بشرفه ، ومن أجل هذا فضحوا أمره فضحا ، ونشروه تفصيلا ، حتى ما يكاد أحد ينتظر حكم المحاكم ليعلم حكمها فيه . وهكذا لا يكون من الفقر إلا الجهل ، ولا من الفقر والجهل معا إلا الجريمة التى لا ناصر لها ولا معين .
وليست هذه أول مرة يحتل فيها المتحف بأخباره الرائعة محلا مختارا من أحاديث الناس . ولكن هذه المرة هى المرة الأولى التى تتواضع فيها أحاديثه فتهبط إلى مستوى العمال .
وقال قوم إن هذا الجرم الذى أجرموه جنحة أقصى عقوبتها ثلاث سنين ، وهذا لا يمكن أن يتناسب وموضوع الجريمة ، فلا بد من تعديل القانون الذى يسوى بين سارق بقرة وسارق تراث الفراعنة ومجد القرون . وحقا قالوا ، ولكن من الحق أيضا أنه لا بد من سن قانون
يسوى بين السرقة يأتيها ذو الجلباب الأزرق ، والسرقة يأتيها ذو السترة السوداء والممباغ الأبيض ؛ بلى إن صح أن تكون العقوبة على قدر المسروق وجب أن تكون العقوبة على قدر السارق ، فإن هي كانت على قدر السارق وقدر المسروق معا فاضت الأقدار عن طوق الأحكام وضاقت الأعمار عن استيعاب العقوبة .
إن ما سرقه السارق من الذهب يبلغ نحوا من تسعة وثلاثين رطلا من الذهب ، أو هى تزيد حتى تكاد تبلغ الأربعين . وهى تتألف من ثلاثة عقود وست أساور وأختام وملحقات ، وقد شاء الحظ الطيب أن يستردها البوليس إلا نحوا من سبعة أرطال . وهذه السبعة الأرطال - إن صح ما قيل - لا شك أن الرجل مخفيها حتى يخرج من السجن ، إن صح أن الجريمة جريمته وأن هذه ستكون عقوبته . ويرغم التهديد والاغراء - إن صح أنه كان هناك تهديد وكان إغراء - صمت الرجل عن الجريمة صمتا وأنكرها إنكارا وبعد البصمة التى وجدها البوليس وقيل إنها بصمة الرجل لم يكن بالمحقق فى إلحاحه على الرجل من حاجة إلا أن يدله على موضع السبعة الباقية من الذهب . والرجل على بساطته لا شك أدرك بفطنته حقيقة الموقف إدراكا . فهذه السبعة سوف لا يكون له ذخر فى الحياة سواها . ولعله فى جهالته يدرك أنه بعد أن يكفر عن فعلته ستكون له هذه السبعة ملكا خالصا ، كما كانت ملكا خالصا لغيره تلك العمائر الشاهقة التى تملأ عين القانون فى وضح النهار ، أو تلك العزب الفسيحة التى تتمطى باسمة هازئة على أرض مصر الوسيعة تحت أنف القانون وهو راغم .
إن المسكين لا يدرى أن بؤس الفقراء الذى لازمهم فى عيشهم يلاحقهم كذلك فى جرائمهم ، وأن التشبه بالعظماء ، تطاول لا تؤمن عاقبته ، وأن خير الناس من عرف قدر نفسه فأتى الجريمة على مقدارها . (ز)

