الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 181 الرجوع إلى "الثقافة"

على هامش الأسبوع :، اثنان وعشرون عاما، بين الثورة والدستور

Share

( انتصار القوة لا يكون دائما كسبا ، وقهر الأهل لا يجني إلا المرارة ....)

فهذان هما الشوطان الأولان في الصراع ، كسبهما الثوار .

أما الشوط الأول فطمأنة العشائر الجنوبية الناصرة للثورة . فالثوار انطقوا الامبراطور بالذي شاءوه ، ومنطق الامبراطور قانون تطمئن إليه القلوب . وقد علق الامبراطور فقال ما مغزاه : إن الحكم لن يكون كما كان ، بعشيرة دون عشيرة ، ولا بطبقة دون طبقة ، وهو ان يكون لعشيرة واحدة او طبقة واحدة ، ولكن للعشائر والطبقات اجمعين . وبهذا امتنعت الريبة بين العشائر ، ريبة بعضهم من بعض ، وتوثقت على اثر هذا عُري التعاون بينهم على السير بالثورة إلى خاتمتها المرجوة .

أما الشوط الثاني فالتخلص إلي الأبد من الأسرة التي اعتزلت ، اسرة الشواجن ، فقد تحدوها فتحدتهم ، فقابلوا تحدتها بالقوة فكانت حاسمة.

غير أن هذا علم الثوار أن انتصار القوة لا يكون دائما كسبا ، وان قهر الأهل لا يجني إلا المرارة ، وأن من الحق حقا أحق خير منه الباطل ، وان العدل الذي لا يعتبر غرائز البشر عدل غير بشري لا مكان له في هذه الدنيا . لهذا اعتزم التوار أن يكونوا أثقب بصرا ، وأكثر حذرا ، وان يذهبوا إلى غايتهم ، لا عن طريق الخط المستقيم

الذي يأتي الالتواء ، ولكن عن طريق يأذن بالتواء يعقبه التواء معاكس يتقى أثره ويحملهم ولو في بطء قدماً نحو الغاية ، كالنهر يتلوي في انحداره ، ولكن لا يمنعه ذلك من بلوغ مصبه البعيد .

واتجه الثوار إلي غايتهم الكبرى : إلي توحيد الأمة تحت الامبراطور كما قضت بذلك الكنفوشية ولكن كيف يوحدونها والإقطاع قائم ؟ كيف يوحدنها والدولة في قبضة أشراف ، لكل منطقة شريف هو جابيها وهو قاضيها ، وهو رب الامر فيها . وهو غير هذا قائد جندها ، ومالك أرزاقها ؟ لقد كان الناس تهيأوا للثورة ، للغضب للأمبراطور ، وللنضب على السالبين ملكة ، والسارقين حكمه ، والمعطلين بذلك إرادة السماء . ولكن لم يكن يخطر لكثير منهم ان توحيد الدولة ، وتوحيد نظامها ، وتوحيد قانونها ، وتوحيد إدارتها ، تحت الامبراطور ، سيقتضي يوما زوال الإقطاع وفض أمراته . حتى أرباب الثورة أنفسهم لم يدركوا هذا الوضع تماما حتى قابلوه وجها لوجه

وهم لم يكونوا في الدولة ذوي حسب معروف ، ولم يكونوا فيها ذوي جند مصفوف ، وكانت كل ثروتهم غيرة وفكر ، والفكر إذا قدحته أورمي كالرماد فأنار الظلمة وهدي الحائر ، وفتح السبيل التي لا تنفتح لذوي السيوف اللامعة والأذهان العتمة . وتراءي لهم فيما تراءي أنهم إذا رفعوا أصواتهم يطلبون محو الأقطاع ومحو نظامه ، كان أول المعارضين منهم وفيهم ؛ ومن أولى بالمعارضة من أمراء الأقطاع الجنوبين ، أمير توسا وسئسوما وتشوشو وحيزان ، فقد كان إقطاعهم إقطاعا حقا ، كان ملكا لملوك لا ترد لهم كلمة ولا يعصي أمر ، ولا يقال لهم في دينار جمعوه أني جمعوه ولا كيف انفقوه . فكيف يأتي الثوار امرا فيه إغضاب هؤلاء الأمراء وهم عون الثورة

وجاهها وسلطانها ؟ ولكن لا بد لتوحيد البلاد حول الأمبراطور من توحيد حكومتها ، ولا بد لتوحيد حكومتها من زوال تلك الحكومات المتباينة المتناقضة المنتشرة في البلاد . عندئذ قدحوا الفكر ملياً فلم يجدوا سبيلا غير منازلة الخصم الصديق في داره - غير مفاتحة هؤلاء الأمراء الأربعة في أمر الأقطاع ، ورجائهم في النزول عنه باعتبار ذلك تضحية لابد لها من إنجاح الثورة ، ونتيجة منطقية حتمية لا مفر منها بعد رد الحكم إلي الميكادو ، فلا حكم إذا كان وراء الحاكم حكام

لكافيء بهذا الشباب من الثوار فتحو اعينهم وسعها ، وتهدلت واسترخت شفاههم دهشة عند ما أجاب الأمراء رجاءهم ، ورضوا بالتضحية ان يكون مثلها الأولى . ففي عام ١٨٦٩ أعلن الأمراء الأربعة في الناس نزولهم عن إقطاعهم وردهم أراضيهم إلي الميكادو وعندئذ أصدر الميكادو رجاء إلى كل ذي إقطاع ان يقتدي بهؤلاء الأمراء فبهت الإ قطاعيون ساعة من الزمان لفجاءة الخبر وقداحة الحادث ، ولكنهم لم ينتبهوا من الصدمة حتى أسرعوا فأجابوا دعاء الميكادو ، ولم يتردد منهم غير سبعة عشر ، وقد كانوا ستة وسبعين ومائتين .

ولقد يريد بعض المؤرخين أن يبخس من هذه الوطنية النادرة ، وان يعزوها إلي غريزة الانسان في حب الكسب وتصيد الربح ، والنزول عن شئ ثمين عاجل طمعا في شيء أثمن آجل . وقالوا في ذلك إن هؤلاء الأمراء إنما نزلوا عن هذا الأقطاع ليكون لهم في الدولة الجديدة جولة وصولة . ونعم قد كان لهذه العشائر الأربع في الدولة الجديدة جاه وسلطان . ولكن لم تنعت هذا الجاه بأنه جاء ينشوا له وتصيدوه ؟ ولم لا تقول إنه جاء كسبوه إن عفوا وإن عمدا بسبب موقفهم من الثورة ، وقد كان موقفا مجيدا اشاروا فيه للناس باصبع طويلة إلى طريق

الخلاص الذي لا تكون فيه فتنة ، ولا يكون لهم فيه بعد الثورة انتكاس . وقد نسمع أن فردا يطمع أن يتفرد بالنفوذ من بعد الثورة ، فكيف جاز في عقول هؤلاء الأمراء الأربعة أن يطمعوا أجمعين بتفرد كهذا وهم المتنافسون الوجسون بعضهم من بعض خيفة ، ثم ما بال الأشراف ورؤساء الأقطاع الآخرين الذين يفقوا على الخمسين والمائتين ، أطمع هؤلاء أيضا فيما طمع فيه هؤلاء الأمراء ؟ بل هي الوطنية الصادقة وروح العصر الذي كان ، دفعت بالناس جملة إلي التضحية بكل شئ في سبيل الامبراطور ، في سبيل ذلك الرب البشري الذي ظل يحتل الهامش من الحياة اليابانية طوال القرون ، حتي تهيأت كل الظروف من سياسية ودينية وعمرانية فدفعت به في غمرة الحياة اليابانية ، فتطلعت إليه كل الاعين ترجو عنده الخلاص من مستقبل ينذر بالشرور ، وترفع نحوه الأكف كما ترفع في الدعاء ليبارك اليابان زرعتها ونسلها وكل مادب بالحياة فيها ، فقد كان انقلب حب الناس له واحترامهم إياه عبادة في غير مجاز أو تشبيه .

نزل الأقطاعيون عن إقطاعهم وردت الأراضي إلي رب الدولة ليعيد تنظيمها وتوزيعها كما يشاء وكيف يشاء ، وبالنصفة التي ترجي من الارباب . فهذا نصر صريح قاطع أحرزه الثوار . ولقد جاز لهم من بعده أن يسيروا بالأمر إلى غايته اقتحاما كما يسير الجند المنتصر ، في عنف وفي غير احتفال ، فقد اختص بهم السلطان ، وتفرغ لهم دون سواهم الزمان ولكنهم لم يفعلوا . لأنهم كانوا قوما بصيرين ، كلما كسبوا كسبا زادهم هذا الكسب حذرا . فاعتزموا أن يأخذوا الأمة ، حتى ولو دانت لهم رقابها ، بالهوادة والترفق .

لقد علموا أن النزول عن الاقطاع ، ورد الضياع ، تضحية تحلو في النفس ساعة ، هي ساعة التجلي ، هي

ساعة التجرد من اثقال المادة والتسامي مع أنفاس الوجود ، هي ساعة تصفو فيها النفس وتروق فترتفع عن فكر الأجسام في غيرة هذه الأرض إلي شفيف الأرواح في زرقة هذه السماء . وهي ساعة قصيرة عابرة كطيف الحالم أو كندى الصباح في اليوم الصائف . وهي لقصرها قليلة الفناء ، لا يمكن لحاسب مشتد أن يدخلها في حساب لهذا عمد الثوار في تدبير خططهم التالية إلي اعتبار الطبيعة البشرية في احوالها العادية ، من غير زخرف ولا دهان .

فعمدوا أول ما عمدوا إلي تثبيت الاقطاعيين في مواضعهم ، ولو إلي حين تثبيتهم، لا بأنهم إقطاعيون يأمرون الناس من ذوات أنفسهم وينهون ، ويجبون المال لأنفسهم وينفقون ، ولكن بأنهم عمال الدولة وحكامها ، لا يصدرون إلا عن امر الدولة ، ولا ينهون إلا بنهيها ، ولا يجبون المال إلا لخزانتها . ولا ينفقونه إلا مما يؤمرون . وأعطي هؤلاء الأشراف والرؤساء الأقطاعيون معاشا عُشر دخلهم من إقطاعهم عوضا عن فقد ضياعهم . فارتاحوا لذلك . أولا لأن هذا الدخل الذي حسب المعاش عليه كان دخلا اسميا وهميا أصغر بكثير منه الواقع . وثانيا لأن الرئيس الأقطاعي أعفي من النفقة على جنده ، على السموريين من خفره ، ومن النفقة على خدم الاقطاع وهم أعداد كبيرة . كذلك ديونه الغت الحكومة المركزية بعضها وحملت ببعضها . وفوق هذا ، كان في الدولة أشراف إقطاع - أشراب ريف واشراف قصر يمشون إلي الآباطرة بصلة الدماء . وكان اشراف الأقطاع دون اشراف القصر مراتب ، فسوت الحكومة الناشئة - أي الثوار - بين هؤلاء وهؤلاء . فلم يبق بين الاقطاعيين قلب ساخط

ولكن ما حال السموريين ، جند الإقطاع ؟ بقيت رواتبهم كما هي .

وحين عم الرضاء ، بمقدار ما ينتظر في عهد انقلاب رضاء ، علم الثوار ان الوقت طاب للخطوة الثانية . فقد كان بيناً واضحا أنه لن يكون توحيد للأمة والرؤساء الأقطاعيون باقون على رءوس إقطاعهم ، ولو بوصف انهم عمال الدولة ووكلاء الامبراطور لا رؤساء الاقطاع . وقد كان بيناً واضحا أن تعيين هؤلاء الرؤساء عمالا رسميين للدولة إنما كان درجة السلم الأولى ، لا بد أن تعقبها درجات . عندئذ أو فروا إلي بعض المقاطعات أن تلتمس من الامبراطور ان يصلهم وإياه بصلات مباشرة . كذلك قامت حركة مماثلة لهذه بين طوائف من السموريين وبينما هذه الحركة في إبانها ، وبينما الآمة البابانية آخذة في هضم هذا الطعام الجديد ، كانت الحكومة تتهيأ لاحداث حدث جديد

في التاسع والعشرين من اغسطس عام ١٨٧١ ، صدر مرسوم امبراطوري يقضي بعزل حكام المقاطعات الاقطاعيين جميعا عن مناصبهم ، مع احتفاظهم برواتبهم . وفرض المرسوم عليهم أن يتخذوا من بعد ذلك عاصمة البلاد مسكنا وقضي المرسوم ايضا بزوال الحكم المحلي من الريف ، وبأن الأموال والضرائب تدفع من وقتذاك قصاعدا لخزانة الحكومة المركزية ، وان هذه الحكومة المركزية ، ومركزها  توكيو ، هي وحدها صاحبة الحق في تعيين موظفيها في أي طرف كانوا من أطراف الدولة . وشفعت الحكومة هذا الرسوم ، وكان جديرا أن يحدث لسفينة الثوار ما يحدثه الموج إذا هاج البحر ، بشئ من الزيت صبته  على ما حولها من الماء . فطلبت إلى رؤساء العشائر الجنوبية ، نوسا وستسوما وتشوشو ، ان يقبلوا مناصب وزارية ففعلوا . وبعث هؤلاء إلي توكيو جيوشهم لتكون نواة لجيش الدولة الجديد .

اشترك في نشرتنا البريدية