الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 182الرجوع إلى "الثقافة"

على هامش الأسبوع :، اثنان وعشرون عاما، بين الثورة والدستور

Share

زال الإقطاع ، وزال آخر أثر له من اليابان عام ١٨٧١ . وكان مما سهل زواله أن الثوار تحملوا بما نشأ عن هذا الزوال من تبيعات مالية . كالذي يفض شركة كريهة ، ثم هو يشتري شر عمالها المتعطلين بالتزامه دفع رواتبهم . وبقيت معاشات الجند ، جند الإقطاع السموريين ، وعددهم مئات الألوف ، حملا ثقيلا علي عاتق الدولة . فاتجهت حكومة الثوار في سبيل التخفف من هذا الحمل البالغ إلي الطريقة السهلة المألوفة في مثل هذه الظروف ، إلي زيادة الضرائب الجمركية على الواردات . ولكن هذه الضرائب كانت جامدة لا تجوز عليها زيادة أو نقصان . فهي ضرائب فرضتها المعاهدات التي امضتها اليابان قسرا للدول الغربية وأساطيلها على الأبواب . وكانت خمسة جنيهات ، لا أكثر ، على كل مائة جنيه بضاعة تعبر الجمرك إلي داخل البلاد . فتراءي لها أن تطلب إلي الدول تغيير تلك المعاهدات ، وعلى الأخص أن تتحلل اليابان من شرط الخمسة في المائة في سبيل موازنة ميزانيتها . وتألفت لهذا الغرض بعثة سياسية ذهبت إلي أوربا وأمريكا تفاوض حكوماتها في عقر ديارها . وتضمنت هذه البعثة نفرا من كبار رجال الثورة والنابهين فيها . وسافرت عام ١٨٧١ ، وعادت عام ١٨٧٣ . وعاد معها خفا حنين .

ولو أن هذه البعثة استغرقت نحوا من عامين ، إلا أن عودتها كانت استعجالا ، استعجلتها عاصفة سياسية في اليابان كادت تقتلع اصول الثورة من جذورها . وكان مبعث هذه الزوبعة كورية . وكورية شبه جزيرة في القارة

الأسيوية في قبالة اليابان . وقد كانت اليابان غزتها أكثر من مرة في قرون متعددة . ولما تغير الحال وسقطت حكومة الشواجن ، أبلغت اليابان كورية فيما ابلغت من الدول هذا التغير الكائن ، فكان ردها ردا لا تسكت عليه كرامة . وكانت كورية ، كلما ذهب شوجن وحل مكانه شوجن ، تبعث إلي اليابان رسلها بهدايا . فلما ذهب آخر شوجن ، وحل محله الميكادو ، قطعت عادتها في الرسل والهدايا بحجة أنها لا تريد أن تتصل بأمة وصلت شئونها بالحضارة الغربية . وارادت اليابان ان تبعث هي رسلها إلى كورية ، فرفضت كورية الرسل . ولم تكن كورية بالبلد المستقل حتى تكون لها هذه العزة ، وحتي يصير لها على هذه الكبرياء ، فقد كانت تتبع الصين . فأثار هذا الموقف منها ثائرة اليابانين . وقد كانت حكومتها كتمت أمره أول الأمر ، ولكن كل مكتوم مفضوح على الأيام .

عاد رجال البعثة الأوربية الأمريكية ، وهم من كبار أقطاب الثورة ، فوجدوا الخلاف على أشده بين رجال الحكم من جراء كورية ، فبعض هائج بطلب حربها والنوال منها وتأديبها على قحتها ، والبعض مالك أعصابه بتصابر ويري أن الثورة لم تستتب بعد ، ولن تستقر إلي قرار متين يأذن بإدارة حرب وراء الحدود . وحضر المبعوثون فانحازوا إلى حزب السلم . ذلك أنهم رأوا في بعثتهم في أوربا وأمريكا من حضارة تلك الأمم الغربية ما أقنعهم باليون الواسع بين حال أمتهم وحال أولئك الأمم ، في مال أو علم أو صناعة أو وسائل حرب أو عدة سلام . فاعتزموا أن ينفقوا ما بهم من جهود في سبيل اللحاق بهؤلاء السابقين ، وقد كانوا سبقوهم بأشواط هي القرون . وتراءي لهم ان حرب كورية مجهود ضائع ، إن أشبع شهوة للعزة حاضرة ، فقد لا يكون منه إلا إجاعة شهوات أخرى للكرامة مستقبلة . وكان لهؤلاء المبعوثين جاه معروف وكلمة مسموعة ، فترجحت بهم كفة السلم ، وقررت الحكومة أنه لا حرب اليوم .

وعندئذ انشق الثوار علي أنفسهم ، واستقال من الوزراء عدد غير قليل ، وكانت كورية سبب الانشقاق . ولكنها لم تكن كل السبب . فقد كانت القلوب امتلأت من غيرها حتى أفعمت قبل ذلك ، وكان سبب هذا السموريين ، جند الإقطاع .

فالحكومة لم يكن لها بد ، وهي في سبيل إلغاء الإقطاع ، من مداهنة جنده . فأبقت للسموريين رواتبهم ثم هي سمعت في تخفيف أعبائها المالية ، عند الدول الأوربية بزيادة رسوم الجمارك ، فخاب مسعاها. فلم يكن لها مفر من اختطاط خطة تؤدي بها إلى اختزال هذه الرواتب والمعاشات ولو على سنين . ففي عام ١٨٧٣ أعلنت خزانة الدولة أنها تشتري تلك المعاشات توا . فالذي له معاش وراثي نزل إليه من ابيه فجده - فالجندية كانت وراثة في السموريين - تشتري الخزانة معاشه بما يساوي معاش ست سنوات . فالذي له معاش عشرون جنيها في العام تعطيه بديلا منه مائة وعشرين . والذي له معاش ذاتى ما بقي علي قيد الحياة ، أي معاش لا يورث ، تشتري معاشه مما يساوي أربع سنوات ، فالذي له معاش عشرون جنيها في العام تعطيه بديلا منه ثمانين . وهي لا تعطى غير نصف هذا المال نقدا . أما النصف الثاني فتعطيه سندات على الخزانة لها ربح في العام ثمانية في المائة

ولقد كان في هذا إجحاف بين بالسموريين . ولكنهم كانوا قوما دربوا على لقاء المصائب بالصبر ، وتعودوا من صغرهم على احتقار المال . وكانت لهم وطنية وفيهم رجولة . فأجاب الكثير منهم رجاء حكومتهم في نزع سيوفهم ، والدخول في معترك الحياة ، وكسب الرزق عن طريق العمل المدني مع الكاسبين . واتخذ الكثير منهم ما دفع لهم جملة من المال رأس مال يغزون به الأسواق ، ويؤلفون به فيما بينهم البنوك والشركات . وأعانهم فيما بعد رجال الحكم - والسمورية مرد أصولهم جميعا - فانتعشت هذه البنوك والشركات وترعرعت وصار لها اليوم في اقتصاد اليابان شأن أى شأن

وهدأ من غضب السموريين على هذا الإجحاف ، ان الحكومة جرت به على عادتها في الوصول إلى غاياتها على درجات . فقد جعلت من استبدالات هذه المعاشات عرضا ، للسمورين ان يقبلوه ولهم ان يرفضوه . وقد قبله منهم من قبل ، ورفضه منهم من رفض .

ولكن السمورية لم تكن مشكلة مالية فحسب ، بل كانت مشكلة سياسية كذلك . فقد كان لا بد لاستقرار الثورة من محو السمورية واستئصالها . لأن السمورية ، على قلة رجالها ، كانت تهيمن على البلاد . وهي لما اتصف به رجالها من الثبات في العقيدة ، وإرخاص الحياة ، كانت خطرا قائما ، قد يستيقظ كلما أريد إصلاح لا يأتلف وما يراه السموريون. فالوزراء الذين اختلفوا على حرب كورية ، كان خلافهم في شفاف قلوبهم على السمورية ، على بقائها أم زوالها . فالذين رأوا أن لا حرب مع كورية ، أقنعهم بهذا القرار فيما أقنع أن في الحرب إحياء السمورية ، وإسمانا لرجالها في عهد يحسن فيه إنحالهم وهزالهم . والذين أذنوا للكرامة أن تجمح برءوسهم غضبا ، إنما أوجسوا من إخوانهم في الوزارة خيفة أن يكون السلام الذي يطلبون ، ليس سلاما مع كورية ، ولكن سلاما للسمورية يكون فيه القضاء عليها . وثبتهم فيما خافوه أن الحكومة شفعت استبدال هذه المعاشات بقانون للقرعة العامة ، يأذن لكل ياباني من أى الطبقات ، ومن هؤلاء الزراع والصناع والتجار ، أن يلتحق بالجيش ، وكانت صناعة الحرب وقفا علي السموريين .

من أجل هذا انشق الوزراء ، وزراء الثورة ، فانفصل حزب الحرب منها ، ومضي الباقون يطلبون السلام : ويؤسسون الحكم في البلاد ويثبتون أركانه .

ولكن المنشقين لم يهدأوا خارج الحكم ، وكان منهم قوم لهم وطنية معروفة ومواقف مشهودة . وكان لهم في قومهم كلمة مسموعة . فهؤلاء أخذوا يروحون النار التي ذكت بين السموريين ، ويلقون الحطب على الفتن أنى

تكون ، ويطالبون الحكومة ان تجمع الناس لتتعرف رأيهم . وبالناس قصدوا السمورين . والحكومة في أثناء ذلك تلين حينا ، وتشتد حينا .

وحدث ومسألة كورية قائمة ، أن وقع في جزيرة فرموزا ، وهي جزيرة في الجنوب من اليابان وفي حيازة الصين ، ان نفراً من اليابانيين وماهم البحر على ساحلها ؛ فما كان من أهل الجزيرة - وهم قبيل من الناس البدائيين الأولين الذين لا مدنية لهم ولا فهم فيهم - إلا أن ساموا هؤلاء اليابانيين شر عذاب . فاتخذ المنشقون من هذه الحادثة سببا للصراخ والتعيب . ولم تظهر الصين ميلا لمعاقبة الجناة من رعاياها . واضطرت الحكومة اليابانية تهدئة للخواطر الهائجة أن ترسل إلي فرموزا بعثة عسكرية تؤدب أهلها . وقتلت البعثة من الفرموزيين- وهم قوم في منتصف الطريق بين الوحشية والمدنية - أعدادا ظنت فيها الكفاية ، ثم عادت .

وقد كانت تحسب الحكومة اليابانية أن في هذه البعثة إشباعا لشهوة الحربيين من حرب ، ولكنها لم تجن منها ما أملت فيها . فالفرموزيون لم يكونوا لليابانيين أندادا . وليس في صيدهم عند ذي المنجهة العسكرية إلا كما في صيد حمر الوخش في الوديان أوصيد الوعول في فتن الجبال . وعدا هذا فالحكومة كادت ان تلغي البعثة في الساعة الأخيرة . وعدا هذا فالحكومة أرسلت إلي الصين رسولا يهيء للوفاق والسلام ، وما بهذا يقضي عجب اليابان وكبرياؤها

ومضت الحكومة في إصلاحاتها الداخلية ، ومضي المنشقون في تأليب الجمهور عليها .

وخان الحظ الحكومة من وراء الحدود . فسألة كورية التي رجت الحكومة أن تظل في الأفق البعيد ، عادت في ختام عام ١٨٧٥ ، فاحتلت البؤرة من أذهان الناس . فقد وقع في هذا العام أن سفنا حربية يابانية كانت على مقربة من ساحل كورية تشير ماءه . فما كان من الكوريين إلا أن اطلقوا على السفن النار . فلم يكن يد

لليابان ، حتى حكومتها المسالمة التى لا تطلب حربا ، من أن تطلب الحرب وتشتريها مهما غلا ثمنها . ولكن اليابانيين من اذكى الخلق ومن اسرعهم تقليدا لما يرون فيه الخير ، ومن أكثرهم استفادة من دروس الحياة ، لاسيما القاسية . ومن هذه الدروس الدرس الذي ألقاه عليهم امير البحر الأمريكي ، الكومادور بيري . فقد اراد منهم ان يفتحوا بلادهم للأغراب من الشعوب ، وان يرفعوا الحواجز التي اقاموها علي موانيهم يمنعون بها تجارة الأمم . وسير إليهم أسطولا أرعب به ، فأغني إرهابه عن إطلاق مدافعه فهكذا اعاد اليابانيون هذا الدرس على الكوريين ، ولكنهم كانوا فيه هذه المرة السادة المدرسين . فسيروا إلى كورية أسطولا جمعوه من سفن للقتال واخري للنقل ، وحذقوا في جعل مظهره أضخم من مخبره ، فنالوا بهذا المظهر الضخم من كورية ما أرادوا ، فعاهدتهم على الود والتجارة ، وفتحت على ساحلها ثلاثة من موانيها تبيع فيها للأمم وتشتري .

فهل أرضي هذا المحافظين الحربيين من المنشقين ؟ لا . أولا لأنه لم يكن هناك حرب ، والحرب كانت غاية . وثانيا لأنهم عدوا مفاوضة الكوريين ، وهم يدينون بالسلطان للصينين ، هوانا لليابان ليس فوقه هوان . واستشعرت الحكومة القوة ، فرأت في عام ١٨٧٦ أن تصفي حسابها مع الخوارج فتضربهم آخر ضربة فقضت بأن يكون استبدال السموريين ورؤساء الإقطاع معاشهم غصبا . وحرمت حمل السيفين على جند الإقطاع ، وكانوا بهذين السيفين يشرفون ويعرفون . فنزل هذا القرار كالصاعقة على رءوس السمورين . فقامت فئات قليلة منهم تحتج ، ولكن على أسلوب الفتوة القديم يقتحمون قلاع الحكومة فيقتلون ما يستطيعون من جندها ، ثم يفرون إلى الجبال المجاورة ، وعلى قممها يبترون بطونهم بأيديهم . ولست أعرف احتجاجا أصرخ في صمته من هذا ، ولست أعرف رأيا أصدق من رأي تعبر عنه أمعاء مقطوعة وبطون مبقورة

اشترك في نشرتنا البريدية