ألف بين الثوار أول ما ثاروا غاية واحدة وجهوا وجهتهم إليها ، والفوا بين قلوبهم عليها ، تلك هي رد السلطان إلي الميكادو ، ثم ما انبلجت عنه الثورة من ضرورة زوال الأقطاع من اليابان . والناس عند ما تؤلف بين قلوبهم غاية كبرى ، يقسون في سبيل تلك الألفة ما طبعت عليه القلوب من خلاف على غايات صغري ، أو غابات كبري ليست هي من مشاغل الساعة الحاضرة .
وقد نال الثوار ما أرادوا من الشواجن ، ونالوا ما ارادوا من الاقطاعيين ، فزال بذلك السبب الأول في قيام الوحدة بينهم . واضطلعوا بالحكم ، وتحملو تبعاته . ولم يكن حكما عاديا يطرد في تسلسل سهل عن حكم سابق ، ولكنه كان حكما جديدا لا قواعد له ، ولا خطبة له . فكان الحكام يختطون خطته وهم سائرون فيه . كالذي يقف على طرف بساط مطوي ، ثم هو يبسطه وهو يخطو فوقه ولكن بمقدار خطوه ، وكان حكما جديدا يركب ماضيا عتيقا ، فلا يركبه كالذي يضع سدادا مربعا في فم قارورة ؛ فقد يحمل الفم السداد ، ولكن السداد لا يمنع القارورة إذا مالت أن يندلق ما فيها . وهو لم يكن حكما فحسب . فقد كان حكما وبناء . فقد كان على رجال الحكم أن يبنوا الأمة من جديد ، فيستثنوا لها سننا للعدل جديدة ، وسننا للمال جديدة ، وسننا للتعليم جديدة ، وسنتنا للمجتمع جديدة . وكان عليهم ان يجيشوا
جيشا جديدا لم يكد ان يكون له عند ذلك وجود ولبناء الجديد لا بد من هدم القديم وإلى أي حد يكون الهدم ؟ وعلي اي طراز يكون البناء ؟ والقلوب متشبثة بقديمها والعقول وثابة إلي جديدها . والناس ، في قلوبهم وأفهاميم وأمزجتهم ، تموت شتى ، فهم كقوس قزح ألوانا ، وهم كالسائمة في الرعي الأخضر باختلاف سبيل . فلم يكن بدعا ، وقد بلغ الثوار الغابة التي جمعتهم إجمالا ، وتعدوها إلي ما وراءها من تفاصيل ، أن يتفرقوا عند هذه التفاصيل شيعا ، فنري الحكومة - حكومة الثوار - وقد تصدعت بعد ست سنوات من قيام الثورة.
وتصدعت على صخرة كورية ولو لم تتصدع على هذه الصخرة لتصدعت على غيرها . ولكن الذي يريد تحطيم السفينة يسوقها إلي اقرب صخرة وأكبرها في نظر ربابنتها حيث تبدو لهم من الموقع الذي هم فيه . وليس ادل على وجودا كثر من صخرة في هذا الخضم الذي اخذ الموج يهيجه ، ليس ادل على وجود اكثر من سبب حدا بكتلة الثورة ان تتفكك ، من ان الذين استقالوا من الحكومة بسبب الازمة الكورية ، كان من بينهم اثنان من رءوس الثورة جمعتهما الثورة ، وجمعهما الخصام على كورية ، ولكنهما لما انشقا ، حارب كلاهما الحكومة الباقية لغايتين متناقضتين غاية التناقض : إحداهما رجعية تعود بالثورة إلى الوراء ، إلى يوم كان الحكم في يد عشيرة تسود سائر العشائر وتحكم الدولة بالسيف والنار ، والأخري إقدامية تدفع بالثورة إلي الإمام ، إلى حيث يكون الحكم حديثا ويمقراطيا على أسلوب اشبه بالذي عرفه الغريبون عند ذاك
وجني أولهما من خصام الحكومة حربها ، ثم الموت جاء في أعقابه . وجني الآخر من خصام الحكومة الدستور لأمته .
وكان أول الرجلين اسمه ساجو . وكان رجلا ذا ماض مجيد ، جري في حياته وفقا لما تقضي السمورية فذو في نفسه الحرمان والتضحية . وتنزه عن الدنايا ، فشاع عنه الطهر والعفة . وحذق فنون الحرب فكان له فيها شهرة واسعة . وكان له جسم ضخم مهيب ، يعلوه وجه متهلل وضاء ، فيجتمع الناس حوله على الحب والأجلال والأعجاب . ونشأ في مقاطعة ستسوما الجنوبية ، وموضعها في اقصي الطرف الجنوبي الغربي من جزر اليابان . فكان ستسوميا لحما ودما ، تنشأ على خدمتها ، وقضي أول شبابه في نصرتها ، واختط الخطط لمستقبلها . وكانت ستسوما في العشائر اليابانية أقواها ، وكانت في عهد الشواجن ذات حظ من الاستقلال كبير ، تكاد تطيع بمقدار ما تيعصي فلما جاءت الثورة ناصر الثورة ، وكان أحد أعلامها الضخام . وعمل للثورة والناس يحسبون انه يعمل لليابان . وحسب هو كذلك انه يعمل لليابان والميكادو ، ولكن كان في قرارة نفسه غير الواعية انه يعمل لحبيبة الأمس وربيبة الصبا ، ستسوما .
فستسوما كان لها نصيب كبير في إثارة الثورة وفي إدارتها من بعد ذلك . وستسوما أول من ضرب المثل الأعلى في التضحية بنزول رئيسها ، الأمير شيماتسو ، أول من نزل من ملكه ، ورده إلي رئيس الدولة الامبراطور . وستسوما ارسلت خيرة جندها إلي الحكومة تؤلف بهم فيمن تؤلف نواة جيشها . والشوجنة قد زالت ، وحتي الاقطاع قد زال . فالحكم لا بد أن ينقسم من بعد ذلك على العشائر . ومن أولى بالنصيب الأول من عشيرته ، عشيرة الجنوب ، بالذي أولته الثورة من نصرة وتضحية ؟ والعشيرة تتمثل في جندها ، ومحترفي حربها - في السموريين . ومن أولى بالتقديم والتمييز من سموربي ستسوما ، وعليهم ! كثر من غيرهم انكا الثوار في صنع
ما صنعوا ، ولنيل ما نالوا . ولكن الحكومة التي ناصرها السموريون ، والتي لم يكن في مقدرتها في أول عهدها أن تتربع على دست الحكم يوما واحدا لولا ارتكاز هذا الدست على أسنة سيوف السمورين . هذه الحكومة عمدت إلي محو هؤلاء السمورين ، بأنهم خطر علي مستقبل البلاد ، وبأن السمورية صناعة عتيقة تجعل أمر الدفاع والحرب وقفا علي فئة من الأمة دون فئات . نعم لقد اختطت الحكومة محو السمورية . وهي لم تكن صناعة حرب فحسب ، بل كانت مذهبا فيه دين ، وفيه فلسفة وله آداب . وكانت أسلوبا مختارا للحياة اليابانية على أحسن ما تكون ، أو على أحسن ما يجب أن تكون فالسمورية روح اليابان العزيزة القديمة يراد إزهاقها . والسمورية مظهر الفتوة الأسمي في اليابان يراد نختيها بحشد الفلاحين فيها - بإدال حملة السيوف بجراري المحاريث . وأين يقع السيف الياباني الجميل القديم الذي اعتاد أن تغلبه في الهواء كف مرنة وراءها ساعد في خفة النسيم حركة وقوة الريح عصفا ، من كف قد انجمدت على مقبض المحراث وساعد تضخم عضله على غير مرونة في دق الأرض ؟
هكذا فهم ساجو ما يراد لليابان من صلاح . وكان ساجو رجلا ضخما عظيما في امته ، وعلي الأخص في ستسوما ، عشيرته . والرجال الضخام كثيرا ما تختلط في قلوبهم آمالهم لأمتهم بآمالهم لأنفسهم . وساجو كان رجلا كبير القلب أمالا .
ووقعت الأزمة الكورية ، فأراد ساجو أن يمتحن مزاج اقرانه في الحكم ، فصوت في مجلس الوزراء لحرب كورية ، وأراد بذلك أيضا أن يثبت أقدام السموريين بالحرب ويزيد في سلطانهم . فلما رفض اقرانه الحرب تكشفت له سياسة الدولة الجديدة عن وجه صريح في
نهار ضاح ، فاستقال من الحكومة وانشق مع الأربعة المنشقين . وأخذ سبيله إلي ستسوما
كان هذا في عام ١٨٧٣ . وفي ستسوما ، بين أهله وعشيرته ، قضي اربع سنوات يتجهز فيها لحرب الثورة ومنازلة الحكومة حكومة الثوار
وفتح المدارس لتدريب الجند على سلاح أوربا الجديد ، على البنادق والمدافع . ولم ينس امر السيف ، فالسيف كان مشغلة السموريين الاولى . واجتمع حوله في ستسوما اعوان مهرة شداد . حتى امير ستسوما المعتزل ، وله من السلطان ماله ، أعانه على أمره فيمن أعان . وكان هذا الأمير من أول من توجه إلي أمم الغرب ، يصلها وياخذ عنها ، ولكنه كره أن يري قديم اليابان يمزق هكذا إربا . وصارت ستسوما مأوي المحافظين ، ومجتمع الغاضبين الناقمين .
وجاء عام ١٨٧٦ ، فضربت الحكومة السمورية ضربتها المجهزة الأخيرة ، وقد وصفتاها ، فجعل إبدال معاشات السمورين غصبا ، وجعات نزع سيوفهم أمرا بعد أن كان اختيارا . فوقع هذا موقع الحمل الأخير الذي يقسم ظهر الجمل . فما هل العام الجديد حتى بدأت الفتنة في ستسوما ، وقام ساجو يحارب الحكومة على رأس جيش سموري عدده ثلاثون ألفا . وكان جيش الحكومة على مثل هذا العدد وكان جيش الحكومة ذا سلاح كله غربي . وكانت الحكومة علمت رجالها فن الحرب الأوربي . واصطدم الجيشان ومضيا بتحاربان من التاسع والعشرين من يناير عام ١٨٧٧ إلى الرابع والعشرين من سبتمبر من نفس العام . وفي هذا العام قتل من رجال ساجو من قتل وانتحر من انتحر ، وكان ساجو في المنتحرين
وكانت الحرب حربا مرة ، زاد في اثنائها جيش
ساجو حتى بلغ أربعين ألفا . وزاد في أثنائها جيش الحكومة حتى كان ستة وستين الفا . وقتل من الجيشين معا خمسة وثلاثون ألفا ، أى نحو من ثلث المتحاربين . وقد كانت هذه الحرب حربا ودرسا . فهي قد علمت اليابان ان السيافة لا تغني في الحروب الحديثة شيئا ، وان السيف صار الماضي ، وصار للشعر والآداب ، وصار للتجمل والزهو ، كما يزهو الطاوس بريشه عند ما ينتفش وينفض ريشه الطاوس . وعلمها ان المستقبل للنار وما تقذف النار من حمم . وعلمتها درسا آخر لا يقل إبلاغا عن هذا : علمتها أن من نشأ على المحراث لا يقل غناء عمن نشأ على السيف ، وقد تغيرت من الحرب أدائها
ولن يفوتنا أن نذكر أن هذه الفتنة التي قامت في ستسوما لم تكن فتنة للسموريين عامة ، فقد كان من السمورين من أعان الحكومة في حربها ، ومن لزم خدمتها في أحرج أيامها . ولن ننسي أن الحكومة نفسها كان رجالها سموريين

