فهذا ساجو ، أحد الرجلين الكبيرين اللذين انشقا من حكومة الثوار مع اقرانهما المنشقين ؛ عاش شريفا أبيا طاهر الذيل كما تقضي به ، السمورية على معتنقها ان يعيش ؛ ومات باقرا بطنه بيده ، لما خانه الحظ ، وامتنعت عليه الغاية ، على الأسلوب الذي تقضي به السمورية علي معتنقها في مثل هذه الخيبة أن يموت .
أما الرجل الثاني ، واسمه إنجاكي ، فقد كان القطب الآخر الذي دار عليه محور العارضة . وكان ساجو من عشيرة ستسوما . وكان إنجاكى من عشيرة توسا . وكانت العشيرتان في اليابان ذواتي عز وسلطان . وتكونت بساجو في ستسوما زعامة المعارضة حربية . وتكونت باتجاكي في توسا زعامة للمعارضة مدنية . وبينا تجمع حول ساجو الغاضبون المحافظون من السموريين ، تجمع حول إنجا كي الناقمون طلاب الجديد من السموريين . وتجمعت حول إنجا كي فئة أخري تأثرت به في صيغ المنادي وتأثر بها ، تلك فئة الشباب الياباني الذي كان زار أوربا وأمريكا ، وعاد مفعمعا بأ كبار الغرب ، معجبا بمدنية الغرب ، عازيا ما رأي فيه من حضارة وتقدم إلي أساليب الحكم التي كانت له هناك . فلما عاد إلى بلاده طلب لها مثل هذه الأساليب ليكون لها مثل هذه الحضارة والتقدم
وعلى بعد الغاية التى قصد لها ساجو ورجاله ، من تلك التى طلبها إيجاكي ورجاله ، فقد استغل هؤلاء الأخيرون
خصومة أولئك الأولين لحكومة اليابان تكريها فيها وتأليبا عليها . وعند ما بلغ هذا الخصام اوجه ، نشر إنجا كي في الأمة مقالا اتهم فيه الحكومة أعلانا فاتهمها بأنها حكومة قلة ، تعمل بالقليلين للقليلين ، غير حاسبة لجمهور الناس حسابا ، ولا مريدة بهم نفسا ، ولا راجية لهم خيرا . واتهمها بأنها استلبت السلطة استلابا ، لأن حكمها لا يرتكز على قانون أو دستور . واتهمها بأنها تخنق أصوات الناس فلا تريد أن تسمع منهم . واتهمها بأنها إذ تمحو السمورية ، وهي طبقة الامة المتمازة روحيا وثقافيا ، إنما توحد بينهم وبين جمهور الناس ، فهي تنزل بأعلين إلي مستوي الاسفلين ، وكان الواجب يقضي برفع الأسفلين ، وهم جمهور الناس ، إلى الأعلين ، وهم السموريون .
ولم تكن الحكومة بالطبع على مثل هذا السواد الذي صبغها ، معارضوها . ولم تكن لها نية السوء تلك التي عزاها إليها خصومها ، فقد كانت سمورية أصلا وفرعا ، وكان رجالها من ابناء الثورة ، ومن شبابها . ولكنهم اضطلعوا بالحكم ، فزادتهم تبعته انشادا ، وعلمتهم ما قد يكون بالخطوة السريعة من وبال فلم يريدوا ان يدفعوا الأمة إلى الجري قبل أن تتعلم المشي ، خشية أن تنكفئ فتنبطح على وجهها فيدمي جبينها
ومن المؤرخين من يري ان الحكومة لم تقصد يوما أن يكون الحكم في اليابان مثله في بلاد الغرب ، وان يكون لليابان برلمان واسع التمثيل ينطق عن ألسنة الطبقات أجمعين على غرار برلمانات الغرب ، وان الذي انطقوا به لسان الامبراطور أول الأمر إذ قال : " إن أمور الدولة سيفصل فيها بالنقاش والمناظرة العامة " كان قولا عاما أريد ، أن يكون مبهما حتى بني بحاجات الساعة الحاضرة ، ثم هو يتسع أو يضيق وفقا لحاجات الساعات المستقبلة ،
وقالوا إن من حاجات تلك الساعة الحاضرة التي كان
وفي بها ، ان طمأن العشائر في صلات ما بينها ، فلم تخش عشيرة بعد هذا التصريح الامبراطوري من ان تتفرد عشيرة اخري دونها بالسلطان . فالنقاش والمناظرة إنما قصد بهما نقاش ومناظرة بين رؤساء هؤلاء العشائر في مجلس كان ما كان .
فان صح هذا عن حكومة الثوار إن صح عنها أنها لم تكن تتوجه إلي التمثيل الكامل الشامل في مجالس الدولة فما كان المنشقون عنها بأكثر توجها إلي هذه الغاية ، ولا كان الذي فهموه من معني التمثيل بأكثر اكمالا وأوسع شمولا . على الأقل والأمر في أوله . ولا أدل على هذا من أن إنجاكي نفسه رضي قديما بمجلس تمثيلي نصفه من السموريين الحكوميين ، ونصفه الآخر من السموريين غير الحكومين . إذا فسائر طبقات الأمة لم يكن لها عنده مكان في مجلسه الأول القديم . وإذا فالسموريون ، والسموريون وحدهم ، كانوا مدلول " الأمة والأمر في أوله سواء عند الحكومين وعند المنشقين . وقد تطور هذا المدلول بتطور الحوادث ، فاتسع نطاقه حتى انتهي به الأمر إلي أن شمل الشعب بفلاحيه وصناعه وتجاره وسائر فئاته . ولعل أكبر الفضل في هذا يرجع إلي تلك الخصومة التي قامت بين الحكومة ومعارضيها ، فإنها كانت كلما اشتدت طلب الجانبان مورد العون على الخصومة ، ولامورد غير الأمة ، غير طبقات الأمة . فكان كلما تملق جانب طبقة ، اضطر الجانب الآخر إلي مثل هذا التملق وزاده . وانتهي الحال بدخول كل الطبقات في الحظيرة . فعني التمثيل عند الثوار جميعا بدأ محدودا ، وانتهي أوسع حدودا
بدأت الحكومة تمثيل الأمة في مجلس جمعته عقب قيام الثورة ، وقبل ما وقع فيها من تصدع . فتألف هذا المجلس من اشراف وسموريين ، ولا غير هؤلاء . ولم يكن لهذا المجلس سلطة تشريعية ، وكل الذي جري فيه مناقشات بيزنطية قضت عليه بعد جلستين من جلساته .
عندئذ ازدادت الحكومة اقتناعا برأيها ، أنه لا بد من تدريب الأمة على أسلوب الحكم بالمجالس . فرأت أن تصنع لها مجلسا يكون أنموذجا لما يجب أن تكون عليه المجالس . فكونت مجلس الحكام ، وكان امضاؤه حكام المقاطعات الرسميين ، فهو اشبه في مصر بمجلس يتألف من المديرين والمحافظين . فخابت هذه المحاولة أيضا . لأن هذا المجلس لم تكن له سلطة تشريعية . ولانه مجلس معين . عينته الحكومة كله ، فلا يمكن ان يكون مجلسا تمثيليا إلا بمقدار ما قد ينقل امضاؤه إلى الحكومة المركزية آراء الأقوام في الدنيا والريف . وحتي في هذه قد خاب هذا المجلس . فأعضاؤه ، وهم موظفون ، قد كانوا أحرص على إقناع الناس بصواب ما تصنع الحكومة منهم على إقناع الحكومة بما يري الناس انه الصواب . وتكون هذا المجلس عام ١٨٧٤ ، وانحل عام ١٨٧٨
وأرادت الحكومة أن ترد الجواب على ما وجه إلي مجلس الحكام من نقد ، ولو بعض رد ، فكونت في عام ١٨٧٥ مجلسا آخر ، أسمته مجلس الشيوخ ) السيناتو ( ، ولكنها عينت هي أعضاءه . و ضمنت أعضاءه ، لا اكثر الناس علما وأثقبهم رأيا فحسب ، بل كذلك قوما ناوأوها ، أو كان في مقدرتهم أن يناوئوها لو ظلو خارجه . وكان واجب هذا المجلس ان يدرس القوانين واللوائح قبل إبرامها . وقد نجح في دراساته ، وافاد باقتراحاته ، ونفع الحكومة نفعا كبيرا ، ولو أنه انفض في عام ١٨٨٩ ، إلا أن أعضاءه احتفظوا من بعده بما كان لهم من مكانة ، أعانهم في احتفاظهم بها ما كان في شخصياتهم من قوة ، فكانوا عون الميكادو كلما أزمت أزمة أو تجهم حال ، يرجع إليهم فرادي ليستشير ويستنير . وكان آخر هؤلاء الرجال ، الأمير سابونجي ، وقد مات في عام غير بعيد .
وأخمدت الحكومة فتنة ستسوما في عام ١٨٧٧ ، وظننت انها بهذا ستخلد إلي شئ من الراحة والهدوء .
ولكن داعها في العام التالي أن قتل وزير داخليتها ، الرجل الكبير أوكوبا ، وكان رجلا حمالا للتبعات في أحرج الأوقات . وكان قد اشتهر بخصومة ساجو ، رجل ستسوما الذي قضت عليه فتنتها . وكان الذي قتل أوكوبا سموريين ، ولكن من غير ستسوما . ولم يهرب الجناة ، بل جمدوا حيث كانوا ، وأعلنوا انهم انما فعلوا ما فعلوا احتجاجا على حكومة تأبي ان تلقي بزمام الحكم للأمة ، وترفض تمثيل البلاد . وأعلنوا انهم يرضون حكم القضاء . فان كان الموت ، فأرخص به ثمنا لو كان فيه لغت الحكومة إلي ما عليها للناس من فروض
وقد حرك هذا الحادث الحكومة حقا ، وحركها ذيوعه إلى عمل شئ جديد . وقد قيل إن الذي عملته هذا كانت قد انتوته . فان صح أن عزمها كان صح عليه ، فلا شك أيضا أن هذا الحادث قد سارع في خطاها إليه . فإنه لم يمض على حدوثه شهران حتى انشأت الحكومة مجالس تمثيلية في كل مدينة ومديرية . وجعلات للعضو المنتخب في هذه المجالس نصابا ماليا لا يتنزل عنه ، عشرة بنلت ضريبة هو دافعها كل عام . وجعلت لناخبيه نصف هذا النصاب . وجعلت أدنى سن للعضو خمسة وعشرين عاما ، ومدة عضويته أربعة اعوام . وجعلت لهذه المجالس شهرا في العام يجلسون فيه دون سائر الشهور . وكان للحاكم في المديرية أو المحافظ في المدينة أن يقف هذه الجلسات ، وكان لوزير الداخلية أن بلغني هذه المجالس . وكان لهذه المجالس أن تصف كيف تجمع الضرائب وكيف تنفق ، وأن تراجع حساباتها ، وان تدلي بالذي تراه للوزير . وكان المدير او المحافظ حق اقتراح المشروعات ، فان اقترح المجلس شيئا منها جاز المدير أو المحافظ أن يقبله ، وجاز له أن يرفضه .
وعلى كثرة القيود التي تقيدت بها هذه المجالس ، فقد كان إنشاؤها لا شك خطوة واسعة نحو الحكم التمثيلى ؛ فقد تعلم الناس في هذه المجالس فن المناظرة وإدارة
الخصومة ، وتعلموا كذلك معني التبعات ؛ فهي كانت مدارس تخرج فيها المتخرجون ، فترشحوا المجالس الكبيرة التي جاءت من بعدها . وقد فرض كثير من هذه المجالس إرادته يحكم شخصيته التي زادت قوة علي السنتين ، فعلموا بذلك أن القانون الضيق كحلقة المطاط ، لا يدخلها الساعد المفتول حتى تتسع على رغمها
وقد كان المرجو إذا أنشئت هذه المجالس أن تفتر عزيمة المنفقين عن طلب التمثيل الأوسع للبلاد ، ولو إلي حين . ولكن الذي حدث أن هذا الأنشاء إنما شد في تلك العزيمة ، فكان إفراء بناءا . كالخميم يرخي لك ، فتفهم من هذا الأرخاء ضعفا ، فتشتد عليه وثوبا .
