الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 185الرجوع إلى "الثقافة"

على هامش الأسبوع :، اثنان وعشرون عاما، بين الثورة والدستور

Share

أنشأت الحكومة في المديريات مجالس ، رحبت بها ان تخفف من حدة معارضها ، وان تقلم من اطفارهم إلي حين . وإلى أن تنمو بدل الأظفار القديمة أظفار جديدة ، تكون هي قد استفادت من هذا الوقت الثمين لتبلغ بالإصلاح الذي انتوته مبلغا يؤهل البلاد لحرية سياسة أوسع ، ولتصيب من الأشراف على إدارة الدولة أكبر .

ولكن المعارضين لم يرضوا لحدة المعارضة أن تخف ، وقبضوا أكفهم ، فلم يأذنوا لأظفارهم أن تقلم واتجهوا إلي تنظيم الخصومة على الأساليب الحديثة ، فكونوا أول حزب في اليابان . وأسموه حزب الأحرار . وترأسه إنجاكي ، وقد أسموا هذا الرجل روسو اليابان

وتجمع حوله كل من آمن بالنضج السياسي للأمة ، وبوجوب إنشاء مجلس تمثيل قومي ، اي مجلس نيابي ، يختلف كل الاختلاف عن تلك المجالس المحلية المقيدة التي أنشأتها الحكومة تعليلا وتخذيلا وتجمع حوله ايضا كل غاضب لمنصب فقده ، أو راج لنفع أمله . واتخذ الحزب الجديد لنفسه سلاحين : المنابر والصحف . وهاجم الحكومة في غير هوادة . وكان رأي الحكومة في هذين السلاحين ، ان الامة لم تنضج بعد للحرية تستمتع بها في مجالس رسمية كمجالس النيابة القومية التي يطلبها الاحرار ، فأولي بها أن تكون غير ناضجة للحرية تستتمتع بها علي منابر أهلية وفي صحف لا يخضع لنظام ، ولا يجد

منها قانون . وأخذت تصدر الأوامر لزلزلة المنابر والحد من الصحف . وأمرت رجال الشرطة فاصطدموا بالمعارضين ، وزاد هذا الصدام روح الامة إيقاظا ، وشاقها ونهرها واوقد خيالها ؛ وعلم من لم يكن يعلم ؛ ونبه إلى الخصام من لم يكن يدرك أن هناك خصاما ؛ وعرفهم على أي شئ يختصم المختصمون والناس أسرع إلى معني الحرية المطلقة ولو في مجازفة ، منهم إلى معنى الحرية المحدودة ولو في تحوط وحزم والحرية المحدودة ، ولو مع الحزم ، سهل تسميتها بالرجعية والاستبداد لهذا كان المعارضة من هذا الصدام كسب كبير .

وفي عام ١٨٨١ وقع حادث من صنع القدر ، كسر إباء الحكومة ، ونول خصومها ما لم يكونوا نائليه إلا على هواها ، وهو هوي طويل الدلال متمنع سواف .

فمن جزر اليابان الأربع جزيرة عليا اسمها هكادوا ، وقد كانت في الجزر اليابانية الجزيرة الواحدة المنقوصة العمار ، القليلة السكان . فكان من سياسة الحكومة استعمارها ، وتشجيع أهل الجنوب علي النزوح إليها . فكونت لجنة للإشراف على هذا الاستعمار . وفي سبيل استعمارها أنفقت اللجنة من مال الدولة شيئا كثيرا . وبعد سنوات عدة تراءي للجنة ان تجتمع لتنظر في امر هذه الجزيرة من جديد ، وبعد النظر والمداولة ، رأت اللجنة أن تنصح الحكومة بأن تنقل امر استعمار الجزيرة إلي شركة أهلية ، وبأن تبيع لهذه الشركة كل متاعها بهذه الجزيرة ، وقدرت لهذا المتاع ثمنا الوفا من البيئات ) الفين نصف ريال ( ، وكان قد كشف الحكومة من البيئات عشرة من الملايين . وما تلك الشركة الأهلية ، ومن أعضاؤها ؟ هم هم أعضاء اللجنة الحكومية التي قامت على استعمار الجزيرة عشر سنوات !

انشقت الحكومة عندئذ على نفسها ، وخرج منها

أوكوما ، وزير ماليتها لسنوات غير قليلة ، وخرج معه الكثير من نصرائه . وكان رجلا خبيرا بالمال ، قديرا علي جذب الرجال . واراد لهذه الفضيحة نشرا ، واراد بها في مجال السياسة استغلالا . فجمع أعيان العاصمة . فلما احتشدوا ، :ألقي تلك القنبلة في جمعهم ، فكان لها دوي عظيم . وخرج الدوي إلى الناس في شدته وعنفه ، فقاموا على مظهر السلطان من الحكومة ، على رجال الشرطة ، يكسرون سلاحهم ويحرقون بيوتهم . ولم يمض على هذا الحال يوم وليلة حتى كانت الحكومة في القصر الملكي تجفف المداد عن منشور امبراطوري يذاع في الناس ، وفيه يعد الأمبراطور الأمة ببرلمان قومي ينعقد في عام ١٨٩٠

كان هذا في عام ١٨٨١ والبرلمان الموعود في عام ١٨٩٠ . أي بعد تسع سنوات كاملة . اي ان الحكومة لم تخضع كل الخضوع ، وانها بقيت تؤمن بالتريث وسير الوئيد الواثق

وألف أوكوما بعد قنبلته هذه حزبا جديدا أسماه حزب التقدم ، وهو ثاني احزاب اليابان . وجعل غايته وصرخته " الدستور " و الحكومة الدستورية " . وعلي وحدة الغاية بين حزب التقدم هذا ، وحزب الأحرار الذي سبقه ، لم يندمج الحزبان .

ومضت العارضة بحزبها تهيء للبرلمان الموعود ، فللنضال الموعود ، وذلك بتكريه الناخبين في الحكومة وأعوائها . ومضت الحكومة تهيء لهذا العهد الجديد بكل ما استطاعت من قوة ، وتستكمل ما بدأته من إصلاح .

ونقول تستكمل ما بدأته من اصلاح ، لان حكومة الثوار كانت أخذت في الإصلاح منذ كانت الثورة ، فلم تعقها خصومة سياسية عن متابعة ما هو أنفع وأبقي علي البلاد . واتجهت بمطالبها في الإصلاح نحو الغرب . فقد علمت أن المدنيات لا تخترع وإنما تقتبس ؛ وان

الاختراع ، لو هي شاءت المدنية اختراعا ، فما يكون هذا في جيل ولا جيلين ، وهي بين صحبة من الامم لا تضمن بينهم البقاء على أرجلها الخشبية القديمة العقد والعقدين وأن القديم ، على كراهتها تطليقه ، لا يغني التمسك بأكثره عن الذل المخوف شيئا ؛ وان هذا القديم قد كان يوما ما جديدا ، وأن الجديد الذي يكون ، على خشية الإنسان إياه واستيحاشه منه ، سيأنس على مر الأيام ، وسيقدم بانطواء السنين ، فيكسبه ذلك ألفة القديم وعزة القديم وحرمة القديم . عرفت الحكومة ذلك فاتجهت إلي الغرب تغرف من قصاعه غرفا . ولم تشأ أن يختص بقصاع أمة دون قصاع أخري . أو أحري بنا أن نقول ، لم تشأ أن تختص بها قصاع امة دون قصاع أخرى . فرأت أن تأخذ من هذه وتلك ليتقسم الدين : فيتخاذل عنها الدائنون . وكذلك لكى تتجود البضاعة وتشتري في السوق التي تريد .

فإلي الانجليز اتجهت في بناء السكك الحديدية وإقامة المواصلات التلغرافية ، وتنظيم البحرية وإقامة الفنارات . وكانت السكة الحديدية التي بين توكيو ويوكوهاما اولى سكك اليابان بناء ، فتحوها في عام ١٨٧٢ ، واشرف على بنائها مهندسون بريطانيون . وإلى الفرنسيين اتجهت في صياغة قوانينها وتدريب جيشها على فنون القتال ورحيل الحروب . وإلى الالمان اتجهت لتدريس الطب ، وتأليف قانون للتجارة ، وتخريج نظام الحكم المحلي في أجزاء الدولة ، وأخيرا لتدريب ضباطها . وإلى الامريكان اتجهت لتنظيم البريد وتحسين الزراعة واستتمار غير المستعمر من الأرض . وإلى الطليان عهدت بتعليم الفنون .

واقتبس الياباني كل هذا طوعا ، وأقبل عليه رغبة وشغفا ، فاستوعب منه في عشرات السنين ، ما لا يستوعبه الغافلون المدلهون من بعض الأمم إلا في قرون . وليس الياباني لكل حال من تلك لبوسها فحينما كان في العمل ،

في جيش أو بحر أو مصنع ، ليس لباس عمله الذي ألفه الأوربيون ، فمن بذلة إلى منطقة إلي قيمة فاذا أوي في المساء إلي بيته ، عاد فلبس الواسع المريح من الثياب ، وافترش الأرض على الوسادة والحصير ، وحاط مجال بصره بالمزركش الجميل من حوائط اليابان وستائرها ، وهي من الورق المنقوش . ففي النهار ارضي منطق الساعة الحاضرة وعقله ، وفي الليل أشبع عاطفة الساعة الماضية وقلبه .

واعتزمت الحكومة تنويل الأمة الدستور ، فضاعفت قواها في سبيل الاصلاح ، حتى لحسب حاسب أنها انما فعلت ذلك مسارعة في تلك الخطى قبل أن يعوقها عهد الدستور . ففي دائرة الحقوق أعادت سن قانون العقوبات والقانون المدني ، وسنتهما على الأنموذج الغربي ، وأدخلت في متناول القانون أمورا شتى لم يكن يتناولها من قبل وفي دائرة المال أنشأت بنكا مركزيا للدولة ، وجعلت له فروعا بلغت أطراف البلاد . وفي المواصلات مددت سككها ، وأطالت طرقها ، ورسمت مشروعات هائلة لتحسين موانيها واستغلال أنهارها ، وشقت الرسم بالتنفيذ . ووضعت الأساس لأسطول تجاري عظيم والحكم ، محليا أو مركزيا ، غيرته حتى كاد أن يكون التغيير قلبا . والإدارة الحكومية أنشأتها تنشئة جديدة ، فأوجدت الوزارات ، وأوجدت المصالح . وأوجدت منصب رئيس الوزراء ، وجعلته على غرار منصب الاستشارية في الدولة الألمانية . والوظائف جعلت نوالها بالامتحان العام . وأرسلت البعثات جزافا إلي أوربا وأمريكا ، ولكن بعد أن تمت دراسات أعضائها في اليابان . وكانت بعثات دخل في حسابها تزويد المصانع والمتاجر ، لا تزويد المكاتب والمدارس وحدها

واستعدادا لتأليف البرلمان من مجلسين ، مجلس نواب ومجلس شيوخ ، اصدرت الحكومة تعريفا للاشراف

والنبلاء والأعيان ، وجعلتهم مراتب خمسا ، علي غرار المعروف في أوربا . فكانت : الأمير ) وهم غير امراء الدم ، أمراء الأسرة الامبراطورية ( فالمركز فالكونت فالتيكونت فالبارون . وأرسلت المركيز إيتو - وكان أول وزرائها ، ورب الخطط الكبرى فيما اختطه اليابان من جديد - أرسلته إلي أوربا وأمريكا يدرس نظم حكمهما ، ويقارن بين دساتيرهما . وعاد فكتب بقلمه الدستور الجديد .

وبينما كانت الحكومة تعمل كل هذا بيمينها ، كانت تدافع العارضين بشمالها ، وكانوا بلغوا من الحدة والشدة مبلغا عظيما ، وكان في ألسنة الوزراء عقدة ، فلم يكونوا من أصحاب البيان . فغلبتهم المعارضة علي أمرهم حتى كاد الزمام أن يفلت من أيديهم . وانتشر الفزع في العاصمة انتشارا . فعمدت الحكومة إلى الشرطة فزادت سلطتها ، وإلى الصحف فأجمتها ، حتى صارت الصحف تستأجر المحررين المسئولين ، لا من أرباب الأقلام ، ولكن من طلاب السجون .

وأخيرا ، وبشق الأنفس ، بلغت الحكومة بالحكم وبالدولة إلي عام ١٨٩٠ ، عام الدستور

وفي اليوم الحادي عشر من فبراير عام تسع وثمانين وثمانمائة والف ، في الذكرى التاسعة والأربعين والخمسمائة والألفين لتأسيس الامبراطورية اليابانية ، ازدحم القصر الملكي بأشراف الدولة واعيانها يستعمون إلي سليل الهتهم بذيع الدستور في خطاب توجه " إلى كبير وزرائه . وفي خارج القصر كانت تقصف المدافع كالرعد . وتعطلت الأعمال في هذا اليوم ، وكان للناس منه عيد كبير . وأضيئت الأنوار في طول البلاد وعرضها ، في كثرة واتساع ، فابيض سواد الليل

وأصبح الصباح فاستقبل اليابانيون غدهم ، بقلوب واسعة ، وابصار مديدة

اشترك في نشرتنا البريدية