الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 180الرجوع إلى "الثقافة"

على هامش الأسبوع :، اثنان وعشرون عاما بين الثورة والدستور، ١٨٦٧-١٨٨٩

Share

ليس الخطير في أمة أن تقوم بها ثورة ، ولكن الخطير ان تنجح الثورة بعد ان قامت . والثورة معركة تقوم بين قوي الماضي وقوي الحاضر ، او قوي المستقبل إن صح في العقول أن توجد قواه قبل وجوده

ولكنها تختلف عن المعارك في أنها ذات بدء فاجيء ، قلما يسبقه تدبير وتأريخ . فسخط الشعوب قلما يدبر قبل وقوعه ، وغضبها قلما يؤرخ قبل أوانه .

وهي تختلف عن المعارك في ان جانبا من جوانب الثورة تكون فيه القوة مصفوفة مرصوصة ، تديرها رءوس خبيرة بمداخل الحرب ومخارجها ، عليمة بتيارات السياسة ورياحها ، تصفح إن وجب إصفاح ، وتصلح إن وجب إصلاح ، فهي أقدر على قيادة السفينة في العاصفة

الهوجاء - تلك قوة الماضي العتيق الذي لا يريد أن يتجدد ؛ تلك قوة الأمس الذي لا يريد أن يكون غدا . وفي الجانب الآخر من جوانب الثورة توجد القوة مهوشة مختلطة ، تديرها  رءوس لم تألف عراكا ، ولم تصقلها حرب ولم تحنكها سياسة - تلك هي قوة المستقبل المشرق الذي يريد أن يجعل إشراقه غصبا . وهي قوة هائلة يضعفها التفكك والتوزع ، ولكنها مع هذا قد تفعل ما تفعله قوة البهيم ، فتكتسح ما أمامها ، لا تبالي أطار لها قرن أم تـهشم حافر .

ويصبح الصباح فتكون قوة البهيم قد ذهبت أو يكون قد ارتطم البهيم فاحتبس فيما أسقط من أنقاض . وفي كلتا الحالين يكون ضياع الثورة وضياع ثمرتـها . ولكن كثيرا ما تخرج قوي المستقبل الناهض من

المعترك وفيها بقية تصمد للحوادث والأيام ويخلولها الجو ، وتصغر فيتجاوب صغيرها وحده فيه فتحسب ان قوي الماضي الرجعي كلها ذهبت ، وأسلحته كلها تكسرت ، فيدور برأسها خمير النصر الذي لم تتعود شرابه . فتنسي علة وجودها وسر قوتـها ، فتأخذ الناس بشر مما أخذهم به اعداؤها ، فلا يلبث هؤلاء الأعداء أن تخرج أشباحهم من ركام الأنقاض الذي لم يسكن بعد غباره ، فتكون للثورة تروة مناهضة تذهب بنور القبس الذي اشتمل فلم يعرف حاملوه كيف يدرأون عن شعلته الرياح . وعندئذ تكون الثورة عقيمة أيضا .

وحال أخري يسيء فيها أهل الثورة ، لا عن زهو بقوة ، ولا عن غرور بنصر ، وإنما عن خطأ في حساب ، وجهل بربط النتائج بالأسباب ، وعن طفرة لم تأذن لأربابـها بد ربة في إدارة ، ولا تجربة في حكم ، والإدارة خبرة لا تكتسب بين عشية وضحاها ، والحكم فن يستوعب في يوم وليلة . وهذه أيضا حال تأذن لبذور الشر أن تتنفس . فإذا شقت هذه البذور طريقها في الأرض سعدا فنالت الهواء والضياء ، أخذت ترتوي من يد الجنان نفسها التي تروي الزهور والورود . . ترتوي من أخطائه . ثم لا يلبث العشب الشيطاني أن يسلب الزهر والورد غذاءه في ظلمة الأرض ، فيقتله في الخفاء قتلا بطيئا هادئا ، يكون فيه ضياع الثورة ، ويكون فيه ضياع زهرها ووردها وكل ثمرة مرجوة منها

والذين بدأوا الثورة في اليابان ، إن كان لهم فضل في بدئها ، فقد كان لهم الفضل الأكبر في تعهـدها حتى تبلغ ختامها ، وقد بلغته في عشرين سنة أو تزيد قليلا . ولكي نفهم الثورة كيف سارت يجب أن نتصور قواها ، ما كانت ، وكيف كانت ، وكيف توزعت على رقعة الشطرنج عند بدء اللعب .

فأول هذه القوي الميكادو : صبي في قصيره في

يدو ، لا يعرف إلا أن أباه كان يابانيا فحما ، فأراد بتربيته وفطرته أن يكون يابانيا فحما كذلك . ومن حوله أشراف البلاط الوراثيون ، يمارسون الفقر ويحترفون الفنون

وثانيها الشوجن الذي اعتزل : فهذا ذهب توا إلي قلعته في أوزاكا ، فاحتمي في هدوئـها ، وأخذ بنظر ما خبأت الأيام لأمته الحبيبة من فوق أبراج القصر العالية . وحول قصره ، إن قريبا وإن بعيدا ، افترش الأرض رجال أسرته ، أسرة توجوكاوا ، افتراش المتعطل الفارغ بعد اشتغال طويل ,ينتظرون ماذا يراد بهم ، بعد ان زال عنهم عبء الحكم ، وامتنع عنهم حلبه ، وقد نزل رؤساؤهم عنه طوعا واختيارا .

وثالث القـــوي : امراء الجنوب الأربعة ، أمير ستسوما ، وأمير توسا ، وأمير تشوشو ، وأمير حيزان ، وهي مقاطعات أربع في جنوب اليابان ، ظلت في حكم الشواجن كله على نوع من الاستتقلال لم يكن لغيرها من مقاطعات الأقطاع . وكانت صلاتها بأسرة توجوكاوا ، اسرة الشواجن والحكم ، صلة الصاحب المعاند ، او صلة العدو المهاود ، او صلة الرفيق الضخم تلف عليه ذراعك فيضيق منه إبطك . فهم خصماء الحكم ونقاده ، وهم المتربصون غير الزمان. والقاريء يذكر ان أمير تـوسا هذا هو الذي كان أرسل إلي الشوجن يطلب إليه رد الحكم إلي الميكادو ففعل لساعته .

ورابع القوي : أشراف الإقطاع المتوزعون في البلاد ، الرؤساء منهم والوكلاء . فهؤلاء توزعت البلاد بينهم ، يستغلونـها ، ويجمعون أموالها منها ، لينفقوها فيما وجب وما لم يجب ، على هواهم . ثم هم القوامون بالحكم المطلق  بعد ذلك في إقطاعهم . وكل الذي فرضته الدولة عليهم في مقابل ذلك إقامة جيش  دائم للتجنيد ، يصغر ويكبر بمقدار

ما يدخل جيب الشريف الإقطاعي من خراج وخامس القوي : جنود الإقطاع أنفسهم ، ويدعون

بالسموريين ، وقد احترفوا الجندية علي ما وصفنا ، ومارسوها بالوراثة أبا عن جد ، وحملوا شارة ذلك سيفين ، طويلا وقصيرا ، واستنوا للعيش طريقة فلسفية صوفية وطنية دينية ، من سننها التقشف واحتقار المال .

وسادس القوي ، قوي الأساطيل في البحار ، وكان لها على الأرض اليابسة عيون وأسماع .

فهذه هي الرفعة ، وهذا شاهها وفوارسها وبيادقها ، كما تبدت في عام ١٨٦٧ . ولا ننسي رجال الثورة انفسهم ، وكانوا محوا من اثنين وخمسين رجلا ، لا يزيد متوسط أعمارهم عن ثلاثين عاما . كان منهم خمسة من الأمراء الاقطاعيين ، ومن هؤلاء امراء العشائر الجنوبية المذكورة ،

ستسوما وتوسا وتشوشو وحيزان وكان مهم ثمانية من أشراف البلاط الامبراطوري . والأثنان والأربعون الباقون ، وهم رءوس الحركة وأيديها ، جلهم سموريون.

أحس الثوار أول ما أحسوا بفراغ الإدارة في البلاد . فهذه الحكومة التي ربطت أجزاء اليابان ، على أي أسلوب كان ، منذ ربع قرن من الزمان ، قد تقوضت في نهار وليلة . وهذا الامبراطور ، وله من العمر خمسة عشر عاما ، رابض في قصره ، لا يعرف من السياسة والحكم إلا النية الحسنة ، وإلا القلب الخفاق يحب بلده ، وإلا الأمل الوسيع الفسيح في مستقبلها . وهذه القوات الأخرى مرصوصة في غير حشد ، مترقبة في غير تحفز ، تتطلع إلي ما يكون بعد هذا الحل من عقد ، وبعد هذا الهدم من بناء . فكانت أول حركة أتاها الثوار أن التـفوا

سريعا حول العرش ، وقبضوا على أطراف الحبال من وراء ستائره . فالثورة كانت للميكادو ، للامبراطور ، لرب الأمة اليابانية ، وسليل أجدادها وآلهتها ، لكي يتربع العرش عن قوة ، ولكن يمسك بأزمة البلاد عن سلطان . فاليوم له ، والغد له ، وهو مركز القطب الذي دارت عليه الثورة . فمن سبق فاستولي على القطب استولي على الثورة ، ومن أحق بذلك من مبدعيها ، وراسمي خطتها والمستفيد بـها ؟

وبدرت بوادر في الجنوب كادت تفسد الثورة . ذلك أن بعض العشائر المعينة عليها أخذت تعمل بما أثار الريبة - إن حقا وإن باطلا - في أنـها إنما أعانت بما أعانت لتقلب السلطان وتحتل هي المكان الذي خلا بسقوط الشواجن . فأخذت العشائر المعينة الأخرى تنظر إليها شزرا ، وتحذر منها تألبا ، وتكاد تبدي العدوان . فحسم

رجال الثورة هذا الشر المنذر حسما ، ونصحوا الامبراطور ، فاستدعي الأشراف إلي قصره ، وحلف فيهم يمينا وعد فيما وعد فيها " بأن أمور الدولة سيفصل فيها بالنقاش والمناظرة العامة"  وأن مجلسا سيجمع لهذا ، وأن كل الطبقات سيكون لها نصيب في الحكم ، وأن العدل ، لا العرف القديم ، سيكون رائد

الإدارة . بـهذا قطعت المطامع على الطامعين ، وبـهذا وفي الأمراء شر أنفسهم ، وبهذا عاد أمراء المقاطعات الجنوبية الأربع إلي التعاون والصفاء . وإلى الثقة ، والثقة في البحر المضطرب صخرة النجاة .

كذلك كان من الطبيعى لهذه العشائر الجنوبية الأربع ، وهي أقوي عشائر اليابان بعد عشيرة توجوكاوا ، وهن أعداء هذه الأسرة ما كان لها السلطان ، أن ير من التقدم في هذا العهد الجديد ، وان يحظين بأكثر النفوذ فيه إن فاتـهن أن يحظين به كله . فعمدن أول ما عمدن إلي محو آثار الاسرة الغابرة ، اسرة توجوكاوا . واعانـهن رجال الثورة على هذا ، لوحدة الغرض واتحاد المقصد ، وعملا بالبيت القائل :

لا تقطعن ذنب الأفعى وترسلها

إن كنت شهما فأنتبع رأسها الذنبا

فعزلوا كل من اتصل بهذه الأسرة من وظائف الدولة ، ونحوهم عن إدارة البلاد .

وكان الشوجن القديم ، رب هذه الأسرة ، لا يريد ان يتحرك لهذا ، بحسبانه امرا مقبولا ، او مصبورا عليه ، في منطق الحوادث الجارية . ولكن اتباعه من السموريين جلت هذه اللطمة من أن تصمد لها أصداغهم ، وهم الذين حسبوا أنـهــم ضحوا هم أيضا فيمن ضحي في سبيل الامبراطور بنزوهم عن الحكم اختيارا . فدفعوا الشوجن إلى السير بهم إلى عاصمة حكمهم بالأمس القريب ، إلى كيوتو ، ليستردوها ، وليعيدوا سيرتهم الأولى فيها . ولكن جيوشهم هزمت شر هزيمة ، وفر الشوجن إلى أحضان خصومه . ولكنه اختار منها أدفأ حضن ، حضن الامبراطور نفسه ، فهبط على قصر الميكادو في يدو - أو توكيو ، فهكذا صار اسمها بعد الثورة - وعند قدمى صاحب القصر ، ابى الدولة وابن السماء ، ألقي الشوجن سلاحه . وبالقائه لم تقم لهذه الأسرة بعد ذلك قائمة .

(لها بقية)

اشترك في نشرتنا البريدية