تركنا اليابان عند عام ١٨٦٧ ، عندما جاء أمير توسا يطلب إلى الشوجن ان ينزل عن الحكم ، وأن يرده إلى الامبراطور وروينا ما كان من رضاء الشوجن ورضاء عشيرته بهذا ، ورضائهم به توا ، حتى لكأنهم كانوا منه على ميعاد . وبنزول الشوجن عن الحكم انتهي الحكم الثنائي الذي دام في اليابان نحو ألف عام ، حين كان للشوجن حقيقة الحكم و مخبره ، وكان للامبراطور اسمه ومطهره . وبنزول الشوجن عن الحكم نزلت عنه ايضا أسرته وعشيرته ، وانتهي بانتهائه وانتهائهم نظام رائب
واحد دام في اليابان دوام هذه الأسرة قرنين ونصف قرن من الزمان .
والذي ينظر إلي اليابان قبل هذا العام ، عام ١٨٦٧ ، والذي ينظر إليها بعد هذا العام ، عام ١٨٦٧ ، يدرك أنه أخطر الأعوام في تاريخها . ويسمونه عام الاسترجاع ، أو عام الاسترداد ، ويعنون بهذا أنه العام الذي استرد فيه اليكادو ملكه ، واسترجع سلطانه . وهو بعام الانقلاب أقمن ، وبعام الثورة أجدر . وأي عام أحق بهذه التسمية من عام قبله السواد وبعده البياض ، من عام هو الحد الفاصل بين اليابان القديمة واليابان الحديثة ، يابان القرون الوسطى ويابان القرون الحاضرة ، أو على الأصح الأدق يابان القرن الحاضر ، فهي لم تستتم بعد هذا العام إلي الآن إلا قرنا واحدا من الزمان .
وقد كان السبب الظاهر لوقوع هذا الانقلاب ،
وإحداث هذه الثورة ، ما كان من اقتحام أسطول الأمريكان لأبواب اليابان وما تلاه من أساطيل الدول الأوربية الأخرى ، ومن إكراهها على إمضاء معاهدات أمضتها والسيف مصلت فوق رأسها . ففي هذا كانت الحجة واضحة بينة على خيبة الحكم القائم في أخطر سياساته ، في الأمر الذي صار على الزمن أكبر الأمور لتبرير وجوده ، ذلك حفظ البلاد من الغزو وتجنيبها شر الذلة على يد الأجنبي .
ولكن هذه الثورة ، ككل الثورات ، لها أسباب فاجئة ظاهرة ، ولها أسباب مقيمة باطنة . والأسباب المقيمة الباطنة تهييء المسرح للحوادث ، فهي تستحضر أثاثه وهي تزوق حيطانه وتوزع أنواره ، وهي تهييء رجاله . والأسباب الفاجئة الظاهرة إنما تمد يدها إلى الحبل فتشده فتشق عن المسرح الستار . ثم تجري الرواية من بعد ذلك على مقدار ما هيأتها لها الاقدار من أنوار ورجال .
واليد التي شقت الستار عن مسرح الحوادث في اليابان كانت يد أمير البحر الأمريكي ، الكومادور بيري . فلتحمد اليابان يده ، فقد كانت يدا بارزة العضل من عزم ، حديدية المجس من تصميم ، ولكنها ترفقت عند شق الستار فجري وئيدا منتظما ، فكأنما أريد به أن تجري الحوادث في مثل المجرى الذي جرت فيه .
أما قبل الكومادور فقد ظلت الأشياء تختمر في الأمة اليابانية اختمار العجين في بطئه وانسلاله ، حتى إذا ارتفع وزاد فاض عن القصعة وسقط فلم يحدث دويا كبيرا
ولهذا الانقلاب ، أو هذه الثورة ، أسباب مقيمة سابقة باطنة كثيرة نجتزيء منها بأكبرها وأخطرها ، وهي أربع :
أما السبب الأول ، فهو أقدمها ، وهو يمتد إلى ما قبل أسرة توجو كاوا ، أسرة الشواجن الأخيرة . فقبل هذه الأسرة ، في القرن السادس عشر فالذي قبله ، كانت
تحكم اليابان أرستقراطية حربية بحتة ، تحولت في آخر أمرها وعند انحلالها ، إلى حكومات متعددة في أمة متجزئة ، على رأس كل جزء منها عين ريفي ، ضعفت الصلة بينه وبين الحكومة المركزية حتى انقطعت أو كادت . فانبرى كل عين من أعيان الريف ، حتى وكل حاكم من حكام المدن إلى النظر في شئون نفسه ، والعمل لصوالحه
وكانت المواصلات تحسنت ، والبلاد البعيدة اتصلت ، والتجارة في واخل البلاد وخارجها راجت واتسعت ، وأثرى التجار وهم الفئة المحقرة في البلاد . وبأثرائهم قوى عضدهم واشتد زندهم ، وتألفت لهم في مراكز التجارة الكبرى نقابات حماها جند مأجورون . وزاد في قوتهم حاجة أعيان الريف إلي المال وتنافسهم ، وهم المتقاطعون ، في استرضاء أصحابه . وبيروز هذه الفئة الجديدة في عالم الأمر والنهي ، وبكثرة أعدادهم على السنين ، نشأت طبقة جديدة متوسطة في المجتمع اليابانى المدني لم يكن لها من قبل وجود ، وحلت في الموضع الذي حلته طبقة البرجوازى Bourgoisie في أوربا .
كذلك كان من جراء تجزى السلطان في اليابان أن عمد هؤلاء الأعيان العديدون إلى استجلاب العون ، واستمداد القوة والتجنيد محليا من دوائرهم في الريف . وكان لهم سموريون لهم الحرب صناعة ، ولكن تقسم السموريين بين الأعيان والأمراء قلل من أعدادهم في الموضع الواحد ؛ فلم يبق للمعين مندوحة من أن يلتجيء إلي الفلاحين يجند منهم ، ويؤلف لنفسه من جمهورهم جيشا قائما يحفظ له ما في يده ، ويرد عنه كيد المعتدين من جيرانه . وسهل صناعة الحرب على من صناعتهم الزرع ، أن البرتغاليين كانوا أدخلوا إلي اليابان في منتصف القرن السادس عشر البارود والبنادق ، فنزلت مكانة السيف في فن الحرب ، وبنزولها لم يعد السموري ، وهو
الماهر في تقليب السيوف ، بذلك الجندي الذي لا غناء بغيره في الحروب . وصار كل فلاح حربيا بالجندية والكفاية فيها ما أحسن حمل تلك الآلة الجديدة وإطلاقها وإصابة الهدف البعيد بها . وبدخول الفلاحين الجندية صار لهم وجود سياسي رخصته حشو البارود من بنادقهم . فبهذه البنادق حموا أمراءهم وذوي السلطان فيهم ، ولكنهم أخذوا يتعلمون كيف يحمون أنفسهم من هؤلاء الأمراء ، وأصحاب الأرض والأقطاع . فاستمنحوهم المنحة بعد المنحة ، فلم يكن لهؤلاء سبيل غير الطاعة . فأصابت القري استقلالا محليا واسعا ، استلذ القروبون طعمه ، فلم يكن لقوة بعد ذلك أن تقطمهم عنه طول الزمان .
ففي المدن صار لأرباب البيع والشراء وجود ، وفي الريف صار لأرباب الحرث والزرع وجود ، ومن هذين تكونت طبقة جديدة لم يكن لها شرف قديم كالسموريين والأشراف . .
وزاد خطر هذه الطبقة الجديدة عند ما دخل نظام النقد في اليابان ، في عهد أسرة الشواجن الأخيرة ، أسرة توجو كاوا . فقد كانت وحدة العملة في الدولة في زمن هذه الأسرة الأرز وبه تحسب الضرائب ، وبه يعد الدخل والخرج فكان أن دخل البلاد من الصين نقد كثير واستحث الحكام استخراج المعدن من الأرض ،
فأخذ النقد المعدني يحل محل الأرز في تجارة الناس . وكانت توحدت الدولة في زمن هذه الأسرة الشوجنية من أقصاها لأقصاها وكانت عاصمة البيع والشراء فيها أوزاكا ، كما كانت بدو عاصمة الحلى والربط والسياسة . وقام على بدو السموريون والأشراف . وقام على أوزاكا المحقرون من التجار . واضطر أهل السياسة والسيادة ألف يحملوا رواتبهم ، وهي من أرز ، إلي أهل التجارة والحقارة في
أوزاكا ، يستعيضون عنه النقد حتى يستطيعوا به البيع والشراء . وتحكم التجار في أسعار الأرز وأسعار النقد . وتقلبت حظوظ الأرز بين رفع وخفض . فحينا جاءه المطر القليل فقتله ، وحينا جاءه السيل الكثير فأشرقه بالماء ، وفي كلا الحالين استدان الأشراف واقترض الأمراء
واقترضوا واستدانوا من تلك الطبقة التي أحلوها الموضع الأدنى من طبقات اليابان . والمقترض المدين لا يبالي إذا أرخى له الدائن الحبل وأجري إلى جيبه سيلا من الذهب ، وهكذا فعل التجار في أسيادهم الأخيار ، فزادوهم نسمة وزادوهم ترفا ، فما انتصف القرن التاسع عشر ، حتى كان خمسة عشر جزءا من كل ستة عشر مما ملك الاشراف رهائن دين لهؤلاء التجار المحقرين .
وكان من نتيجة هذا أن عمد هؤلاء الأشراف ، كبارهم وصغارهم ، إلى تخفيف أعبائهم بوسيلتين ، زادت كلتاهما في استعجال الختام ، ختام هذا النظام الاقطاعي الشوجني الأخير . وأولي هاتين الوسيلتين فصل السموريين وقطع رواتبهم . وثانية الوسيلتين إرهاق الفلاحين بالضرائب ، حتى لم يعودوا يستطيعون لها حملا . وباغضاب السموريين وهم جند الاقطاع ، وبإرهاق الريفيين
وهم كتلة الدولة ، لم يكن في منتصف القرن التاسع عشر لهذا النظام من نصير . فلما جاء امير البحر الامريكي إلى اليابان عام ١٨٥٣ ، لم يحتمل هذا النظام من رجله غير ركلة واحدة
فهذا أحد الأسباب التي أدت إلي سقوط الشوجنة في اليابان .

