تحدثنا فى الأمس القريب عن كنج الحكيم ، أو كنفوش ، واليوم نلم إلمامة خاطفة بفلسفته .
اتجه كنج فى دراسته أول ما اتجه إلى دراسة ما سبقه من تاريخ الصين وآدابها ، أى تاريخ ما قبل القرن الخامس قبل الميلاد المسيحى . ومن هذه الدراسة ، من هذا التاريخ ومن تلك الآداب التى سبقته هو نفسه بقرون ، استمد الفكرة ، واستوحى الحكمة ، وكان له إعجاب كبير بكل ما سبق من هذا . وكانت الصين فى أيامه على غير تلك الحال الجميلة القديمة التى كشفت عنها دراسته ، فأقبل على هذا القديم بجمعه ، وأقبل عليه يشرحه للناس ويوضحه . ومن هذا القديم رسم للناس فى زمانه صورا للحياة كيف تكون ، والفضيلة كيف تكون ، والحكم كيف يكون
وألف من كل هذا نظاما للعيش كاملا شاملا ، صار من بعده هيكلا ثابتا للحياة الصينية مدى القرون ، تتقلب على الصين الأحداث وهو دائم، وتأتى الحوادث وتروح وهو قائم لا يروح . قال يصف حكمته : " إنى إنما أدرس ما درسه آباؤنا من قبلنا ، وأورث ما ورثوه إيانا ، لم أزد فيه شيئا ، ولم أنقص شيئا . وأنا أدرسه على نقائه الأول . إنه الحكمة الدائمة القائمة التى لا تتغير ، فهو كالسماء التى هى مأتاه. وهو فى يدى كالبذور فى يد الباذر ، هى من وراثته لا من صناعته ، وهو يبذرها فى الأرض كما هى لا يستطيع لها تغييرا ولا تبديلا " .
نظر كنج فى الكون وأصول الأشياء فخالها مكونة من عنصرين ، عنصر القوة ، وعنصر المادة . أما عنصر القوة فرمزه السماء ، وهو عنصر ذكر خلاق . أما عنصر
المادة فرمزه الأرض ، وهو عنصر . مؤنث يقبل الخلق . والقوة تأتلف بالمادة فتشكلها وتدفعها وتحييها ، ومن هذا تنتج الحياة . والقوة خير العنصرين ، وأسماهما . ورمزها السماء ، فإلى السماء اتجه الصينيون يعجبون ويتعبدون . وفى تلك الأجرام الدائرة رأوا قدرة ، وفى إحكام طلوعها وغروبها وانتظام دورانها رأوا جمالا ، فخالوا أنها إنما تضرب المثل لأهل الأرض فى حياتهم كيف تكون: حركة فى وداعة ، وجريان فى غير اصطدام . ومن أجل هذا عبدوا الشمس والقمر ، وعبدوا النجوم وسائر ما يسطع فى القبة السوداء فى ظلام الليل . وقالوا السماء حيث قال غيرهم الله . أما المادة فرمزها الأرض ، ولها المحل الثانى . وعلى الأرض يظهر للأبصار ائتلاف العنصرين ، وبائتلافهما تفعل الطبيعة أفعالها ، وترتدى الوشى من ثيابها ، وتتبدى على شتى مظاهرها .
والسماء تفعل ما تفعل مدفوعة بطبيعتها ، ومن غير إدراك . وكذلك تفعل الأرض . ولكن من تفاعل الأرض والسماء خلق الانسان ، وهو المدرك الوحيد من سائر الكائنات . " فالسماء أبو الأشياء ، والأرض أمها . والانسان وحده بين أشياء العالم له الإدراك والتمييز " . والسماء والأرض كفتان متقابلتان ، والانسان فى موضع المركز من عاتق الميزان ، وعليه وحده تقع التبعة فى اتزانه . فإذا هو قام بفروض العيش فى حركة ونظام كما تفعل السماء والأرض انتظم حال الكون ، وإن هو ترك مكانه من منتصف العاتق ساءت الحال واختل الميزان .
فالانسان ، والانسان وحده ، هو ثمرة الطبيعة من تفاعل قوتيها ، وتآلف عنصريها. وهو من حيث جسمه نتيجة " المادة الأولى الدوارة فى الخلائق ، خلقاً من بعد خلق ولكن به من عنصر القوة - عنصر السماء - أكثر مما به من عنصر الأرض . ومن أجل هذا كان له روح وكان له إحساس ذاتى بالوجود ، ومن أجل هذا كان مصدر العلم ومصدر الأدب ومصدر الفضيلة ، وهو
بطبعه خير يطلب الفضيلة اختيارا . فان هو طلب شيئا غيرها فذلك بسبب عنصره الأرضى ، وإذا هو تحرر من طبعه ، تحرر من الخير ، ولم تكسبه هذه الحرية إلا ضلالا .
ومن ضل فعقابه عليه واقع ، وواقع على هذه الأرض ، عليه أو على ذريته . أو هو يخل بالنظام العام فيصيبه بعض خلله . فليس للكنفوشية جنة تحبب إليها أو نار تخيف منها . وكنفوش لم يعن بالذى يكون بعد الموت ، وقلما عنى بالذى كان قبل الحياة ، فكل عنايته كانت بالانسان وهو على ظهر هذه الأرض .
وأفضل الفضائل عند كنفوش الطاعة لكل ما تأتى به السماء ، والرضا بكل ما يدور به الوجود . والسماء لا تأتى إلا بالخير ، والوجود لا يدور إلا بالسعود . فان جاءت السماء بشر أو دار الوجود بالمصائب فذلك من اختلال الميزان فى الناس على هذه الأرض ، ومن ظلم بعضهم بعضا ، ومن عسف الأمراء وفساد الملوك . فان فاض نهر فأغرق ، أو اهتزت أرض فقوضت ، أو جاء وباء فأهلك ، أو فسد الزرع وجاع الناس ، وجب مواجهة الحال بالتسليم ، لأن هذا ما كان ليكون والناس أخيار صالحون . فباختلال الناس تختل الطبيعة ، فلاعتدالها يجب أن يعتدل الناس ويصلح قوم فاسدون .
والصلاح منهجه واضح ، وهو منهج الطبيعة . فالذى يريد أن يعرفه يجب أن يفتش عنه فى قلبه ، لأن قلبه من الطبيعة إذا هو لم يدخله فساد . والناس قلوبهم هكذا صالحة ، فان فسدت قلوب فيهم فقلة . وإذا فالذى يرفضه جمهور الناس هو المنهج الطبيعى الواضح ، والقانون هو ما يرتضيه الناس قانونا . ورضاهم به من رضا الله ، أو على حد قولهم من رضا السماء ، فالسماء لا تنطق ألسنة الخلق إلا بالحق
وفلسفة كنفوش تتركز فى الانسان ، ولكن الانسان وحدة لا تقوم بنفسها ، وإنما هى شكلت لتتعشق فى غيرها وترتبط بسواها . وهى لا قيمة لها وحدها ، وإنما
قيمتها كلها فى صلتها بتلك الوحدات الأخرى فى تكوين الأسرة . فالأسرة هى حجر الزاوية فى فلسفة كنفوش . فالأسرة تسعد أولا ويسعد الفرد ثانيا . والأسرة تثرى أولا ويثرى الفرد آخرا . والأسرة تسلم ولو كان فى سلامتها هلاك الفرد . من أجل هذا كانت طاعة الابن لأبيه فرضا . وطاعة الزوجة لزوجها فرضا . وطاعة الأخ الأصغر لأخيه الأكبر فرضا . وطاعة الكل لرب الأسرة الأكبر فرضا . فرضا ليس اطراحه إخلالا بواجب أدبى ، بل إخلال بنظام كونى يختل معه الوجود ، وتتنزل به الرزايا حاصبة من السماء . فإذا مات رب الأسرة فلم تعد طاعة له بممكنة ، استحالت الطاعة احتراما فتعظيما فعبادة ، وكلها درجات فى معنى واحد . ومن هذا جاءت عبادتهم لآبائهم ، وإقامتهم المعابد تخليداً لذكراهم . وعندهم أن الرجل ذا الحظ الوافر من الفضيلة إذا مات صعدت روحه إلى السماء فاحتلت مكانا منها ، فهو يعبد بعد ذلك فيما يعبد من السماء . أما فى الأرض فيعيش بالذكر فى قلوب الناس ، وتلك حياة أخرى للصينى ذات بال .
ومن إعزازهم للأسرة وتكريم فروضها أنهم يخذلون الأبناء حتى لا يذهبوا فى طلب الرزق بعيدا عن الأشياخ من الآباء . وأنهم يكرمون المرأة التى يموت زوجها فلا تتزوج من بعده أحدا وأنهم يزاوجون بين أبنائهم وبناتهم قبل أن يبلغوا الحلم وعلى غير سابق صلة بينهما اعتبارا أن هذه الزيجة ليست رباطا بين فرد وفرد ، وإنما هى رباط بين أسرة وأسرة ، ومن أدرى بما ينفع الأسر من شيوخها ؟ ومن خطر الرباط الأسرى عندهم أنهم يحتفلون بالأعراس احتفالا ضخما كثير النفقة ، وكذلك هم يفعلون بالمآتم ، ففى هذه نقص الأسرة وفى تلك زيادتها . كذلك للأسرة مواسم يجتمعون فيها ، تلتئم فيها أطرافها ويتقارب الأباعد منها . وفى الأسرة تقضى حاجات المعوزين ، وتسد خلة منقوصهم بفضلة مزيدهم ، فيستقبل المزيد والمنقوص غير الزمان بقلب أكثر اطمئنانا وأروح بالا .
وفى القرية تقوم الأسر إلى جانب الحكومة تشد أزرها . فمن الأسر يتألف مجلس يضم شيوخها والمحنكين من رجالها . حتى وظائف الدولة فى القرية والريف تقوم فيهم . وقد تعصف السياسة وتضطرب النظم فى الدولة ، فيحمى الريف أن زمامه فى يد أهله ، فان انقطعت صلتهم بالعواصم ، قامت الأسر تدير دولاب الحكم فى قوم ليس فيهم إلا قريب أو نسيب يدين بالطاعة لشيخ من شيوخ الريف .
ومن الأسر تألفت العشائر فى نظام كنفوش ، وعلى رأس هذه العشائر الامبراطور ، وهو رب أكبر عشيرة ، يعنى الدولة . فتصبح الدولة كلها ديمقراطية أفرادها الأسر ، وربها الملك . والأسر والعشائر تدين الملك ، كما يدين الابن لأبيه والأب لجده . فالملك أبو الدولة الأكبر ، وهو ابن السماء ، لذلك وجبت طاعته كطاعة السماء والملك يختار أعوانه وموظفى دولته ، لا من الأسر من أجل أسرهم ، ولكن من جمهرة الناس . وهو يختار أكثرهم فضيلة . وهو يختارهم بالامتحان . والبرنامج الذى يمتحنون فيه فلسفة الصين القديمة وآدابها ، لأن فيها صفة الحكم ، ولا يليق للحكم جاهل بها . ومن أجل هذا تسابقت الأسر فى كسب الرهان ، وأنشأت مدارس للتخصص فى هذه الدراسة . وعلى الزمن سار الحكام هم فئة العلماء
فإذا اعتزل حاكم لم يستطع أن يورث ذريته أعنة الحكم ولا أن يحتفظ بها لأسرته ، إلا بالامتحان . ولكن الإمتحان لا يكون إلا من دراسة ، والدراسة الطويلة لا تكون إلا عن ثروة ، والثروة فى الأسر القادرة ، لهذا تكونت على القرون أرستقراطية حكم ثرية عالمة، وهذه هى الأرستقراطية الوحيدة التى عرفتها وتعرفها الصين . وهى ليست بالأرستقراطية المضمومة الصفوف ضما يمنع الناس من دخولها . فقد كان بابها مفتوح لكل مريد قادر ، على أى فراش ولد ، فالكنفوشية ، مع توكيدها معنى الأسرة ، وتوكيدها معنى الطاعة ولو عمياء ، لا تعرف الطبقات .
سأل كنفوش أحد تلاميذه : " ماذا تصنع أولا لو وليت الحكم ؟ " قال : " ادعو الأشياء بأسمائها " . يشير بذلك إلى العلاقات الخمس التى يبنى عليها المجتمع الكنفوشى : وتلك هى علاقة الحاكم بالرعية ، والوالد بولده والزوج بزوجته ، والأخ الاكبر بالأخ الأصغر ، والصديق بصديقه . لكل منها اسم يسمى به وواجبات يعرف بها ، وأسماؤها رهن بواجباتها . وفى العلاقة الأخيرة الولاء ، وفى الأربع الأول الطاعة . والولاء ثمنه الولاء . والطاعة ثمنها المحبة والعدل
والكنفوشية لا تفرق بين الحكومة والأخلاق . فأجدر الناس بالحكم أكثرهم حظا من الفضيلة . والملوك لا تحكم لعزها ، ولا لثرائها ، ولكن لحظها من الفضيلة ، وهو حظ يفوق حظوظ الناس جميعا ، ولولاه ما كان الملك سيد الناس . والملك أبو الناس وهم أولاده . وعمال الملك يمثلون أبوة الملك أينما حلوا ، فله على الناس الطاعة ، ولكنها طاعة الأب ، ولهم عليه العدل والمحبة ، ولكنها محبة الأبناء . فإذا نقص حظ الملك من فضيلة اختل كيان الدولة كما يختل كيان الأسرة وعلى رأسها أب فاسق . وإذا تثور الطبيعة لخلل فى اتزانها ، وإذا يثور الناس طلب الاتزان . وثورة الناس عندئذ واجبة
إن العالم يجرى بمشيئة السماء . وحال الناس بعض أحوال هذا العالم ، فلهذا وجب أن تتسق حال الناس وسائر أحواله ، ويجب أن يساس أمرهم كما تساس السماء . والملك الفيلسوف وحده هو القمين بحكومة الناس كما تريد السماء أن يحكموا . فالسياسة والخلق صفتان متلازمتان . والحكومة لا بد أن تتخذ لها من الأخلاق زوجا تأنس إليه وقد يكون زوجا بارا ، وقد يكون زوجا عاقا ، ولكن لا يسمح لحكومة أن تكون عانسا أبدا . وفى الصين لا يقولون ما لقيصر لقيصر وما لله لله ، فعندهم ما وجب لقيصر إنما وجب لله . والملك إنما هو خليفة السماء على ظهر هذه الأرض .

