هات أطلسك ، وافتحه عن خريطة الدنيا ، وانظر إلى تلك الكتل الأرضية التي اسموها بالقارات ، نجدها كلها قد انفصل بعضها عن بعضها بالماء أو كاد إلا قارتين . أوربا وآسيا ، وقد التحمت هاتان القارتان كان التحاما جعلهما قارة واحدة أسموها أوراسيا . ثم انظر إلي غرب هذه الكتلة الأرضية الهائلة ، نجد ، في المحيط الأطلسي , بضعة من جزر صغيرة اسموها بالجزر البريطانية ، شاء القدر ان تكون قطبا من الأقطاب التي تدور عليها رحي الحرب العالمية الحاضرة . ثم ارجع البصر شرقاً ، إلي
المحيط الهادي ، تجد فيه هو ايضا بضعة من جزر صغيرة أخرى أسموها بالجزر اليابانية ، شاء القدر أن تكون القطب المقابل الذي تدور عليه تلك الرحي .
وهذا الشبه قد يتراءي لأول وهلة شبه مصادف قليل الخطر ، ولكنه ليس هكذا . فالجزيرة تكسب أهلها نوعا من التحفظ والتعزل عن الأمم لا تكسبه القارة . وهي تنمي في قلوبهم نوعا عارما من الوطنية لا يترعرع ويشتد مثله في قلوب أهل القارة . وهكذا التحفظ والتعزل والوطنية عارمة في قلوب الآمنين ،
أمة الحمر وأمة الصفر . والبحر الذي يحيط بأهل الجزر يطبع أهلها على حب ركوبه ، وإن بدأ هذا الحب اضطرارًا فهو لا بد ينتهي اختيارًا ، وكذلك هو في البلدين ، وقد خلق منهما أمتين بحربتين عظيمتين .
1وهناك غير هذا الشبه أشباه جغرافية وغير جغرافية ، أترت في طباع الامتين أثرا واحدا ، وجعلت من حاجاتهما حاجات واحدة ، ومن حظوظهما حظوظا واحدة . وعند التشابه الشديد في بعض الطبع ، وفي أكثر الحاجة وأكثر الحظ ، يكون إما السير في خطوط متوازية واتجاهات واحدة ، ويكون من هذا تعاون اي تعاون ، وإيا السير في خطوط متوازنة واتجاهات متضادة ، ويكون من هذا تصادم اي تصادم . وقد كان النصادم . وقد كان تعمدا . فاليابان شاءت أن تصطدم ، واصطدمت على أسلوب ذهب بالبقية الباقية المهلهلة من معنى الشرف بين الأمم .
ولسنا نريد الدخول في هذا الخصام . ولسنا نقصد السياسة بهذا المقال فالذي يليه . ففي أخبار الجرائد اليومية ، وما يذيعه الاثير من شتى النواحي كفاية من هذا وزيادة .
ولكن الأخبار تأتينا من الغرب فنفهم عن ظواهرها وبواطنها الشئ الكثير . ثم هي تأتينا من الشرق فلا نكاد نتبين لها معني أو مغزي ، إلا كالذي نتبينه عند رقعة الشطرنج ونحن نرقب اللاعبين وهم ينقلون في ميدان من خشب بيادق من خشب ، فاتتها إرادة الدم وأعوزتها مآرب الحركة والحياة . وسبب هذا أننا نعرف الكثير عن أمم الغرب ، فقد عاملناهم وخالطناهم وتحدثنا بلغتهم ، وكثير منا من زار بلادهم . أما أمم الشرق البعيد فلم نخالطهم ، ولغتهم ليس فينا واحد يفهمها ، وبلادهم أشق على أقدامنا من لغتهم على ألسنتنا.
فالحرب تذكر لك الرجل الإنجليزي فتتصوره قائما في صفحة الخيال ، وفي أفق الصورة كل ما جمع الذهن من أرض الانجليز ، وريف الانجليز ، ومدن الانجليز ، والأسلوب الانجليزي في العيش والفكر ، وأسلوبه في تسيير عجلة الحياة . والحرب تذكر الرجل الباباني فتتصوره قائماً وحده في الخيال ، فهو صورة لا أفق لها إلا صفحة الورق البيضاء ، وإلا صفرة الصحراء او زرقة السماء .
فالذي نقصده هو ملء بعض هذا الفراغ من الصورة ، وأن نسود بالمداد بعض هذا البياض .
ولوصف الناس لا بد من وصف أرضهم أولاً ,
فعلي هذه الأرض تجري الحياة ، وفي مسارحها من وهاد بسيطة او جبال رفيعة ، او بحار ضيقة ووسيعة ، يقوم جمهور هذه الأمة بتمثيل قصة الحياة . وهي قصة بلغت حوادثها اليوم الغابة ، وأدت فصولها إلي عقدتها الكبرى ، ولم يبق إلا فصل واحد تنحل فيه العقدة أو تنقطع ، وبانحلالها او انقطاعها تنقطع أو تنعقد عقدات أخرى في أقاصيص أخري يجري تمثيلها على مسارح أخري من بقاع الأرض .
ولوصف أرض اليابان لا بد من التفرقة بين اليابان الأصيلة - اليابان الأم - وبين اليابان الدخيلة ، أي المجلوبة ، وقد جلبها الفتح والاستعمار.
أما اليابان الأصيلة فتتألف من جزر أربع ، تجري في المحيط الهادي في خط واحد مستقيم ، يجري من الشمال الشرقي إلي الجنوب الغربي . واسم هذه الجزر من الشمال إلي الجنوب : جزيرة هكادوHokkaido((أويزو), وهي لشدة بردها أقل الجزر خطرًا وأخفها سكانًا . ثم جزيرة هنشوHonshu (أو هندو أو نيــون) وهي أكبر الجزر وأكثرها خطرا ، وفيها تجمعت العاصمة وأهم المدن ، فهي اشبه ما تكون في الجزر البريطانية ببريطانيا العظمي نفسها ، ومساحتها تكاد تكون مثلها . وهنشو معناها الأرض الكبرى . ثم جزيرة شيكوكوShikoku وجزيرة كيوشو Kyushu ، وهما أصغر الجزر الأربع مساحة ، ومساحات هذه الجزر على الترتيب السابق هي ١٥،٧،٩٠،٣٥ تقريبا ، مميزة جميعها بالأميال المربعة . .
أما الأرض المجلوبة المكسوبة بالفتح ، فهي جزيرة سخالين Sakhalin في أقصي الشمال ، ولليابانيين نصفها الأدنى ، وللروس نصفها الأعلى . وهي عند أسفلها تكاد تتصل بجزيرة هكادو أعلي جزر اليابان الأصيلة .ثم
جزيرة فرموزاformosa ، وهي في أقصي الجنوب علي مقربة من ساحل الصين وبفصلها عن جزيرة كيوشو ، أدني جزر اليابان ، خط من جزر (أرخبيل ريوكيو Ryukyu ) يمتد بينهما كالسلسلة فيكاد يربط بينهما .....
وهذه الجزر تبلغ أقصاها شمالا خط العرض ٥٠ . وتبلغ أدناها جنوبا خط العرض ٢٠ . ولكن اليابان الأم تقع بين الخط ٤٥ والخط ٣٠ وإذا نحن نقلنا هذه الخطوط إلي جهة الدنيا التي نحن اعرف بها ، وجدنا الخط الأول يقطع جزيرة الفرم فأدنى رومانيا وأوسط يوجوسلافيا فأعلي إيطاليا فالقسم الجنوبي من فرنسا ، ووجدنا الخط الآخر يقطع القاهرة وكفى بها دليلا .
والمتتبع على الخريطة لهذه الجزر كلها ، من طارفة وتليدة ، يجد انها موزعة في قبالة القارة توزيعا رائعا ، لو اشتهت اليابان خيرا منه ما وجدت . فهي في الجنوب تحبس الصين عن المحيط ، وفي الشمال تحبس عنه الروس .
ولم تكتف اليابان بهذا ، بل طلبت لنفسها موضع قدم على القارة ذاتها ، فاتجهت إلي كورية ، فكانت على الزمن لها . وهي شبه جزيرة عظيمة ، مساحتها ٨5 مليونا من الأميال المربعة ، تخرج من آسبا في البحر مشرقة حتى تكاد تصافح أرض اليابان ، فالمسافة بينهما لا تزيد على مائة ميل إلا أميالا قليلة . وقد قرب بينهما فوق هذا عدة من جزر سدت هذا البوغاز سدا . ومعنى هذا أن اليابان ، فضلا عن أنها مدت جناحيها فحلقت بهما على جزء كبير من المحيط ، فهي بكورية قد قسمت هذا الجزء من المحيط قسمين ، هما بحران عظيمان ، بحر اليابان وبفصلها عن روسيا وكورية ، والبحر الأصفر وامتداده جنوبا ، ويفصلها عن كورية والصين . وعلى بحر اليابان الحبيس يقع ميناء فلاديفستك ، وهو نهاية السكة
الحديدية السيبيرية الكبرى ، وهي الوسيلة الوحيدة التي تصل الروس بالمحيط الهادي ، فيما وراء هذا المحيط . ولشدة اعتماد هذا التوزع الخطير على كورية ، ساوت البابان بين الكوريتين واليابانيين في الحقوق السياسية .
فهذه أول هبة من الهبات التي حبتها الطبيعة اليابان فكونت منها أمة حربية كبري : هبة التوزع المترابط ، التوزع الذي يحبس ولا يٌحبس
والناظر إلي هذه الجزر يجدها جزرًا طويلة رقيقة ، أو إذا هي تكورت دخل فيها البحر فكانت كالرغيف الذي اوسعته الفئران قضماً . فلو اننا قسنا من هذه الجزر سواحلها ، ثم مسحنا أرضها ، ثم قسمنا هذه المساحة على ذلك الطول ، لخص العشرة الأميال المربعة من الأرض ميل من الشاطئ . وهذا نصيب هائل . وهذه هبة الطبيعة الثانية لهذه الأمة البحرية , وبسبب هذه الهبة أو من جرائها كانت كل مدن اليابان موانئ تشرف على الماء . والمتأمل في شواطئ هذه الجزر ، من جانبها الشرقي حيث تواجه المحيط الواسع ، يجد أنها شواطئ غاية في التعرج حتى لكأن الطبيعة كانت ترتعد يدها وهي تخطها على سطح الكرة الأرضية . ثم إذا هو سير أغوارها وجدها تميل إلي قاع البحر ميلا سريعا حاسما وهده الشواطئ حقيقتها جبال امتدت سفوحها تحت الماء.
وقد بلغ عمق هذا الماء قرب الساحل الشرقي للجزيرة العظمي ، جزيرة هنشو ، ٤٦٥٥ قامة ، والقامة ست أقدام ، فهذا العمق يبلغ ٢٧٩٣٠ من الأقدام . وهو أكبر أعماق الدنيا . وأكبر ارتفاعات الدنيا ٢٩٠٠٠ من الأقدام . وهو ارتفاع جبل أفرست بجبال الهملايا بالهند .
وهذا التعرج ، مع هذا العمق هبة ثالثة وهبتها الطبيعة لليابان ، فالعمق يأذن لأكبر السفن بالدخول ، والتعرج يحميها من الأمواج الهائجة والأنواء العاصفة ,
ومن أجل هذا كان أعظم موانئ اليابان في هذا الجانب الشرقي من شاطئها .
وليس هكذا شاطئها الغربي الذي يواجه القارة ، فليس له هذا العمق ولا هذا التعرج ، لان البحر الياباني الحبيس لا يضرب الشاطئ كما يضربه المحيط الطلق ، برغم أنهم أسموه الهادي . وتظهر نسبة التعرج في ذلك الشاطئ الشرقي إلي ما قد يكون في هذا الغرب من تعرج قليل ، من قياس الشاطئين . فشاطئ المحيط طوله ١٠٦٠٠ ميل ، وشاطئ البحر الياباني ٢٩٠٠ ميل ومن أجل هذا خلا الشاطئ الغرب من الموانئ ، إلا واحداً غير ذي بال .
وهبة رابعة لا تقل عن الهبات السابقة ، هي " البحر الداخلي" الذي هو اشبه بالبحيرة ، وهو يقع بين الجزر الثلاث الدنيا التي تتألف منها اليابان الأم ، الجزيرة العظمي هنشو ، والجزيرتين الصغريين جزيرة شيكوكو وجزيرة كيوشو . وهو لا يتصل بالخارج إلا بالبواغيز ، وهي ثلاثة كالأبواب الثلاثة . أو هو كبحر مرمرة انفتح فيه بسفوران ودردنيل فهو بحر في عقر الدار آمن ما تكون السفن فيه ، وأبعد عن الأخطار . وهو من اجمل بحار العالم ، وأكثرها لطلاب الفن والمريدبه وحيا وإشباعاً ، وعلى هذا البحر تقع ترسانة الأسطول .
فهذه هبات من الطبيعة أربع ، أدت بهذه الأمة الشرقية إلي ركوب البحار فركبتها زمانًا في وثوق واطمئنان . ولا اطمئنان إلا وله محنة . وهذه محنتها قائمة . وهي محجنة لا تنجلي في أيام أو شهور ، وهي محنة لا يخفف من خطرها مكاسب خاطفة كثيرة . فهي مكاسب لا تجنيها إلا بالتمدد ، والسلامة كل السلامة في التقبض ، لا سيما والثغور مفتوحة والخصماء أنداد عتاة أقوياء .

