في الصين ، في الشمال الشرقي من تلك البلاد الشاسعة ، توجد ولاية اسمها شانتنج shantung ؟ وفي هذه الولاية ، ولاية شانتنج ، توجد بلدة تسمي كيوفاو، kiuh fow ، وهي على بعد مائتي ميل أو تزيد من عاصمة الصين الاولى بيكنج peking جنوبا . وفي ظاهر هذه البلدة ، بلدة كيوفاو ، توجد جبانة تسمي جبال كنج . وعلى طرف هذه الجبانة ، جبانة كنج ، توجد مقبرة واسعة فصلوها عن سائر المقابر وتدخلها من بابها فيلقاك منها طريق طويل جميل ، تسير فيه بين صفين من شجر السرو ، فيؤدي بك إلي ربوة عالية في الأرض تضم رمة عتيقة غاية في القدم . وأمام هذه الربوة تمثال من رخام لصاحب هذه الرمة ، كتب عليه " هنا يرقد أقدم العلماء وأحكم الحكماء " .
وإلي جانب هذه الربوة ، إلي يسارها ، وإلى يمينها ، ربوتان صغيرتان ، إحداهما لابنه والأخري لحفيده . وفي المقبرة نجد مفرقا في نواحيها ألواحا من رخام ، صنعتها الأسر الامبراطورية المختلفة التي حكمت الصين ، وكتبت عليها ما شاءت من معاني الاجلال والإعظام لرجل الصين الأوحد ، صاحب هذا القبر العتيق.
واسم هذا الرجل ( كنج فوتسي ). أما كنج فاسم أسرته ، وبه أسمينا الجبانة لأنها تضم عظام أهله وعشيرته ، وفي البلدة التي ذكرنا ، بلدة كيوفاو ، يوجد الأحياء من سلالته ، ويعدون منهم اليوم أربعين ألفا أو فوق ذلك عدا . وأما فوتسي فمعناها الحكيم . فهو إذا كنج الحكيم . وقد استعصى هذا الاسم ، كنج فوتسي ، على اللسان الأوربي ، فلتنوه ، فقالوا كنفوشيوس ،
وسموا فلسفته بالكنفوشية .
فهذا هو حكيم الصين الأكبر ، وفيلسوفها الأعظم . وهذا هو الرجل الذي حكمت تعاليمه الصين عددا من القرون بلغ اليوم خمسة وعشرين قرنا . وقد كانت أول الأمر تعاليم لرجل حكيم ، فانقلبت من بعد صاحبها دينا هيمن على الحياة الصينية ، فامتلك إجمالها وتفصيلها ، واشتمل على كل مرافقها ومناشطها من تعبدية وسياسية واجتماعية وعمرانية وفكرية ، فكان كالماء دخل الأرض الجافة فجري فيها بين كل حبة وحبة . وكانت أرضا من طفل فاحتفظت بمائها دهرا طويلا .
وامتد هذا الدين ، وهذه التعاليم ، وراء الحدود الصينية ، إلي الحدود اليابانية ، فكان له ولها أثر أي أثر فيما حدث في اليابان من سقوط الشواجن وعودة الأباطرة عام ١٨٦٧ . فإلى هذا الحكيم ، وإلى هذه التعاليم يجب أن نتوجه ساعة من الزمان .
ولد كنج الحكيم ، أو كنفوش علي ما يسميه الأوربيون ، في عام ٥٥٠ قبل ميلاد المسيح ، وكان أبوه جنديا من سلالة ملكية ، ولكنه مات و كنفوش في عامه الثالث . فكفلته من بعد ذلك أمه فى فقر وقلة . وتعلم في صغره حرفا كثيرة ، عزاها في كبره إلى فقره في صغره . ولما بلغ عامه السابع عشر عينوه مفتشا في سوق الغلال . ولما بلغ عامه التاسع عشر تزوج وأنجب ولدا وابنتين ، ولدوا له في أربع سنوات ، وعندها رأي أن يحترف التعليم .
وفي نحو عامه الثاني والعشرين فتح مدرسة ، لا ليدرس فيها للصبية مبادئ القراءة والكتابة ، ولا ليعلم فيها الجمع والطرح ، ولا قواعد النحو والصرف ، ولكن ليدرس لكل نفس شابة تواقة سئالة معني الحق والباطل في تخلق الفرد وحكومة الجماعة . ودرت عليه المدرسة خيرا كثيرا ، ولكنه لم يكن يرفض
تلميذا لفقره ، ولا استبقى تلميذا متراخيا ثريا لثرائه .
ومضت سنوات ، فحدث أن وقعت ثورة في ولايته ، وكان اسمها لو ، تحزب فيها الوزراء على الوالي وهزموه ، ففر الوالي هاربا . وخرج وراءه كنفوش غاضبا كارها أن يبقى فيلقى هؤلاء الآثمين الذين اعتدوا على سيدهم وولي أمرهم وصاحب السلطان فيهم . وخرج مع كنفوش تلاميذه . وإذ كانوا في سبيلهم بين الجبال سمعوا صوت امرأة تبكي بكاء مرا . فاقتربوا منها فوجدوها تبكي فوق قبر . فطلب كنفوش إلى أحد تلاميذه أن يسألها عن سبب هذا البكاء فقالت : قتل النمر حموي ، ثم جاء فقتل زوجي ، ثم ها هو قد قتل ابني .
فسألوها : ولم لا تتحولين عن هذا المكان وفيه الموت حق لا ريب فيه ؟ فقالت : لأنه مكان لا ظلم فيه . عندئذ نظر الحكيم إلى طلابه فقال : تذكروا هذا دائما يا أبناني ، الحكومة الظالمة أبعث على الخوف من النمر وأشد افتراسا .
وبلغ الحكيم وأتباعه ولاية إتسى ، فأراد أن يقيم بها . ورحب الوالي بالضيف ، وأكرمه بأكثر مما يكرم به الأمراء ، وصاحبنا لم يكن أميرا . وأراد الوالي أن يجري عليه مالا كثيرا . ولكن كان بين أتباع الوالي قوم كرهوه فعادوه وتحدثوا فيه ؛ فرفض الحكيم من قوم استباحوا عرضه ورفضوا اتباعه ، وحمل متاعه ورجع إلي بلده مرة أخري .
وبعودته عاد إلى الدراسة والتدريس ، فمارسها خمسة عشر عاما . وزاد تلاميذه فبلغوا الآلاف ، وحاطوه وبجلوه ، وتلقطوا الحكمة التي تسقط من فيه كما تتلقط الآذان الحكمة من شفاه الأنبياء . أما رجال الحكم فترفع عنهم . ولكنه لما بلغ عامه الثاني والخمسين قبل منهم منصب القضاء في بلدة شنج تو . وما تقلد القضاء حتى أحسن الناس بعضهم إلى بعض إحسانا كبيرا . وما لبثوا أن نصبوه وزيرا للجرائم ، فامتنعت الناس
عن الإجرام . وتدخل فى الحكم فأحل النصفة محل العسف ، والاخاء مكان العداء . وكان بين ولاية لو وولاية إتسي خصومة دائمة فصالح بينهما ، وأغري حكامهما بهدم القلاع ففعلوا ، وإنما هدمها ليهدم من أنفسهم ظلم القوة ويقيم مكانه عدل الضعف . واستقام الناس من ذوات أنفسهم . وعم الولاء والثقة الرجال . وعمت الوداعة والعفة النساء . وأحبوه وعبدوه . وخرج اسمه من شفاههم حلوا خفيفا كما تخرج الأغاني " .
ولكن حاكم إتسي رأي الكسب في هذا كل الكسب لولاية لو ، ورأي الغرم كل الغرم لإتسي . فاحتال ، فرأي أن يبعث إلي لو بطائفة غير قليلة من نساء حسناوات ، علمهن الرقص ، ودرس لهن صنعة الاغواء . فلما حللن بها أقبل عليهن رجالها ، وانصرفوا عن الحكيم الأول ونسوا حكمته .
عند هذا خرج الحكيم عن بلاده ، وأخذ يطوف في الولايات الصينية العديدة ثلاثة عشر عاما . وكان يبحث في مطافه عن أمير يرضى به عونا في إدارة الحكم ليجربه على ما ابتدع من نظم وما هداه إليه تأمله الطويل من آراء . ورجا بهذا أن يضع للناس مثالا حيا للحكومة كيف تكون ، والدولة كيف تساس ، مثالا يحتذي في بقاع الأرض جميعها . ورضي الأمراء باكرامه ، وبذل الخير الكثير له ، ولكن أحدا منهم لم يرض بالنزول عن إدارة ملكه أو أسلوب حكمه
وعاد بعد هذا المطاف إلى ولايته ، وكان بلغ التاسعة والستين من عمره . فعرضوا عليه المناصب فرفضها ، وآثر أن يقضي ما بقى من حياته في التدريس والتعليم .
ولم يمض عام حتى مات ابنه ، فصبر صبرا جميلا . ثم مات بعد ذلك أحب تلاميذه إليه وأخلص أتباعه ، فلموت هذا جزع جزعا شديدا أخرجه عن وقاره . وهل العام التالي فمات تلميذ آخر من أعز أحبابه ، فهزته الموتتان هزة كبرى كان فيها هد كيانه . وذات يوم ، في الصباح
الباكر ، رآه الناس يمشي عند باب داره ، ويداه خلف ظهره ، وفيهما عصاه يجرها من ورائه ، وهو يتغني :
الجبل العظيم لا بد أن ينهد
والعائق المتين لابد أن ينقد
والفيلسوف الحكيم لابد أن يذوي كما يذوي النبات
فأسرعوا إليه يستفسرون . فقال لهم : خاب رجائي عند الامراء فلم يبق غير الموت رجاء .
ومات من بعد ذلك غير هياب ولا جازع .
واحتفل به أحبابه ومريدوه احتفالا فخما ضخما . وأقاموا الأكواخ عند قبره ، وعاشوا فيها يبكونه ثلاثة أعوام . وكان له من الأصفياء ثلاثة ، مات الاثنان اللذان ذكرنا منهم قبيل موته ، وبقي ثالثهم ، فهذا في كوخه عند قبر شيخه يبكيه ثلاثة أعوام أخر .
وجري نعيه في شعاب الصين فبكاه من لم يكن بكاه وهو حي يسعي . ونجمه الذي كان خفاقا في حياته ، يخبت حينا ويسطع حينا ، سطع بعد موته فملأ ضياؤه أقطار الصين كلها .
ومن حكمه التي تجري مجري الأمثال علي ألسنة أهل الصين إلي اليوم :
" الرجل الحذر قلما يخطئ " .
" الرجل الفقير الذي لا يمالق رجل محمود . والرجل الغني الذي لا يزدهيه الغني رجل محمود كذلك . ولكن أحمد من هذين الرجلين فقير دائم البشاشة على فقره ، وغني يحتشم على غناه " .
" الرجل الكبير مطالبه من نفسه ، والرجل الصغير يبحث عن مطالبه في الناس " .
" الرجل قوام على مبادئه وقواعده ، والمبادئ والقواعد لا تذل أعناق الرجال "
" علم مكسوب لا يهضمه فكر ، علم غير نافع . وفكر لا يعينه علم مكسوب مطية جامحة لا سلامة فيها "
الرجل الكبير ألوف يختلط بالناس ، ولكنه
لا يتحزب ، وهو لا يمضغ الرجل المر لحلاوة لفظه ، ولا يتفل اللفظ الحلو لمرارة صاحبه " .
" كل ما يطلب من أسلوب أن ينقل معنى صاحبه " .
لا تفعل بأخيك ما لا تحب أن يفعله أخوك بك " .
وسألوه مرة عن الموت ، فقال :
" كيف يسأل عن الموت من لا يعرف ما الحياة ؟ " .

