الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 174الرجوع إلى "الثقافة"

على هامش الأسبوع

Share

عودة الميكادو

بقاء الحال من المحال . هكذا قال الناس ، وعلي هذا أمنت الحوادث ، حوادث الفرد ، وحوادث الأسرة ،

وحوادث الحكومات وحوادث الأمم . حتى والطبيعة من تحث كل هؤلاء ، ومن فوقهم ايضا ، تدور بالغـــــير وتأتي عليها من بعد الحال أحوال .

وتلك الأسرة ، أسرة توجوكاوا ، التى حكمت اليابان من عام ١٦٠٣ في سلام متصل خيل للناس ان ليس له آخر ، لم يأت منتصف القرن التاسع عشر حتى بدأت دعماتـها تـهتز ، واخذ كيانـها يرتج، فلم يأت عام ١٨٦٧ حتى انـهار هذا البناء المديد الرفيع الذي ملأ اعين اليابانيين كل صباح وكل مساء ، عاما بعد عام ، وجيلا بعد جيل ، قرنين ونصف قرن من الزمان كاملة . وكان بناءَ شاخ وخوخ ،

فتهشش صلده ، وتترب جامده ، فلما وقع ، وقع كما يقع التراب المهيل ، فلم يحدث ضجة كبيرة كالتي يحدثها البيت المشيد الذي يسقط في عنفوانه ، ولم يخلق فزعا ولا استأثر بالضحايا الكثيرة ، فقد كان سقوطا من بعد تشقق في الجدران أنذر السكان ، فنجا بنفسه منهم من نجا وكانوا خلقا كثيرا .

لقد كان الحكم في اليابان في عهد هذه الأسرة ، وفي عهد الأسر التى سبقتها لقرون ، حكما ثنائيا يقوم به افتراضا رجلان : الامبراطور والشوجــــن . وكان الامبراطور قديما ، وقديما جدا ، يعين الشوجن الذي يرتئيه من الأسر الكبيرة ، وكان هو الذي يعزله ، فانقلب الحال ، فصار الشوجن هو الذي يضع على سرير الملك الميكادو

الذي يرتئيه ، وهو الذي يعزله ، ولا يثير عزله أي حدث في الامة ما دام ان الميكادو الجديد من ذرية ذاك الميكادو المعزول او من أقرب الأمراء دما إليه . وصارت الشوجنة

كالملك يتوارثها ولد عن والد أو نسيب عن نسيب في اسرة واحدة تدوم ما دام لها السلطان . وكان للشواجن كما للأباطرة عواصم ملك ، وفي عهد هذه الأسرة الشوجنية الأخيرة كانت يدو yedo  ( واسمها الجديد

توكيو Tokio ( عاصمة الشواجن ، وكانت كيوتو  Kioto عاصمة الأباطرة . ولم يكن للأباطرة في قصرهم حراس من عندهم ، فقد كان حراسهم من جنود الشوجن ، ولم يكن يؤذن لهم في الخروج والدخول ،

فكان القصر سجنا يدخله سليل الملك ليموت أو حتى يعتزل ، وقد اعتزل من الاباطرة كثيرون . ولم يكن الشوجن في آخر الأمر ليعنى حتى بزيارة الامبراطور في قصره ،

ولم يكن يعني بالنفقة على رجاله كما يعني هو بالنفقة على رجاله . فكان لبلاط الامبراطور الفقر ولبلاط الشوجن الغني . وكان لبلاط الشوجن مع الغني السلطان والمظاهر الفاخرة ، وكان لبلاط الميكادو مع الفقر العجز ومظاهر العز القديم ، الذي ذل فمشى في حلل فاخرة مهلهلة

عتيقة ، فيها الرقع من قطن على بدن من حرير . وكان للشوجن أمراء الحكم ينتشرون في البلاد انتشارا ، فلهم الأقطاع ولهم الجــاه ، وكان للميكادو أمراء الدم أقاموا حول قصره يلعقون فطيرة الحياة من أطرافها على استحياء حفظا للأرماق ، فما أجزت وما أغنت

وتكاثروا في تلك العاصمة ، عاصمة الملك القديم الحبيس ، فكان منها بهم وبربهم متحف عظيم ، به كل آثار ذاك الجاه الغابر والسلطان العتيق ، متحف أحياء أموات ، امضوا في تأسيسه وتأثيثه قرابة عشرة من القرون .

وما انتصف القرن التاسع عشر حتى أخذت تلك الجثث

تتحرك في صناديقها من هذا المتحف الامبراطوري ؛

فكان أن قام من بين تلك العظام المسيح المنتظر الذي نشر بنشره تلك الأمة ، وحماها أن تكون مضغة تستمريء بها بعض البلاعيم ، وأشرق في ظلام هذا المشرق البعيد شمسا حضر بزوغها بعض الأحياء من آبائنا في مصر اليوم

لقد قام الحكم في آخر اسرة للشواجن في اليابان ،

أسرة توجو كاوا ، علي مبادئ سياسية ، ونظم عمرانية ، كان افخمها وأضخمها سياسة تلك العزلة التى غلقت بها أبواب اليابان دون ما هو أجنبي من العقائد والرجال . وقد امتزجت هذه السياسة بحكم هذه الأسرة ، حتى صارت

بعض كنهها والسبب الأول في وجودها . فلما اقتحم الأمريكان أبواب اليابان ، ودخلها من بعدهم من دخلها من أمم اوربا النصرانية ، وأمضي الشوجن وحكومته وثيقة هذا الدخول ، كفر الناس بهذه الأسرة ، وغضبوا على شواجنها لما خابوا في أخطر الأمور التي قامت الأسرة

عليها . ونظروا فوجدوا في الأفق البعيد شبح الميكادوا يدور في بلاطه يشير ارضه غادياَ رائحاَ يلعن الخونة الذين مهدوا " للبرابرة " طريق الدخول . ولم يكن في عزلته يدرك كل الذي يجري عند الثغور ، ولم يكن وهو يعيش على هامش الحياة يدرك حقيقة ما يجري في غمرة الحياة

فما هي إلا أيام حتى جرت في اليابان صيحة : " صن أو جو إي " ، أي كرموا المليك . وماهي إلا أيام حتى قطعت تلك اليد التي امضت تلك الوثائـق ، وكانت يد وزير الشوجن الا كبر ، واسمه " لي " قتلوه في عام ١٨٦٠ ، أي بعد المفاوضة الأمريكية الثانية بعام . ولم يكن رجلا خوانا ،

ولكن رجلا شجاعا ، ادرك من قوة الأجانب وعرومتها ما لم يدرك اليابانيون ، وعرف ما يكون في الرفض من خطر قد يذهب بكيان الدولة ، فبدا له أن يميل مع الريح

كما يميل العشب الطري فلا يتقصف . وتحمل تبعة الامضاء وحده ، وهو يعلم ان قومه غاضبون .

وأراد الشوجن أن يحتمي في بلاط الميكادو من الريح السموم العاتية التي هبت على بلاطه ، فتزوج اخت الميكادو الامبراطور عام ١٨٦٣ . وزاد فزار القصر

الامبراطوري - وهذا تنازل عظيم لم يقع من شوجن منذ قرون ثلاثة قبل ذلك - وبقي فيه ثلاثة أشهر كاملة أمره الميكادو أثناءها أن يجيش الجيوش لطرد " البرابرة " ، فأخذ يفعل .

ولكن الضغط الأجنبي لم يقف عند تلك الوثائق الاولى ؛ ففي عام ١٨٦٢ هجم الغاضبون من اليابانين على القنصلية الإنجليزية وقتلوا حارسين عند بابها . وفي العام نفسه ، اختلط  انجليزي  يدعي رتشاردسن Richardson

بموكب أمير علي الطريق بين يدو ويوكوهاما ، فقتله اليابانيون وقطعوه . وطلبت الحكومة البريطانية الفدية وعقاب الجناة . وكان الأمير شيمازو Shimazai أكبر الأمراء

الإقطاعيين وأكثرهم عن حكومة اليابان استقلالا ، فأبي الطاعة ، وأبي دفع الفدية . وعندئذ سير البريطانيون أسطولهم إلي عاصمة مقاطعته ، وهي مقاطعة في اقصي الجنوب من اليابان ، واسمها ستسوما Satsuma ,

وعاصمتها كاجو شيما ، فضربوا هذه العاصمة بقنابلهم وخربوا ما خربوا فيها . كان هذا في اغسطس ١٨٦٣ .

وفي نفس هذا العام شق أمير آخر عصا الطاعة ، ومقاطعته تشوشو Thoshu في اقصي الغرب من كبري الجزر اليابانية ، فصوب ما لديه من مدافع على سفن في البحر هولندية وفرنسية و أمريكية . فردت هذه الأمم

على هذا الأمير الثائر بأسطول مؤلف من تسع سفن بريطانية ، وأربع هولندية وثلاث فرنسية ، ضربوا به ميناءه ضرباَ شديداَ وفرضوا علي اليابان فوق هذا غرامة

ثلاثة ملايين من الريالات

ولم تكن تلك المعاهدات التي امضاها المفوضون اليابانيون قد صدق عليها الامبراطور . فجاء اليابان عام ١٨٦٥ سفير بريطاني جديد ، فـــــكان أول عمله أن طلب

التصديق على المعاهدات ، وطلب أن يفتح اليابانيون غير ما انفتح من موانيهم ميناء كوبي Kobe ، واوزاكا ، وان تخفض اليابان ضريبتها على الواردات فتجعلها خمسة في المائة بدل خمسة عشر . وشفع هذا الطلب بأسطول مختلط

كالذي ضرب عاصمة ستسوما لعامين قبل ذلك سيره إلى ميناء كوبي ، ففيها ضرب الموعد لأجراء هذه المفاوضات . وكوبي على مقربة من عاصمة الميكادو ، وهي التي لها من القداسة حظ غير يسير في قلوب اليابانيين . وكانت ذكري ما صنع الأسطول في عاصمة ستسوما لا تزال عالقة في الأذهان .

من أجل هذا أذعن الامبراطور ، ووجه رسالة قصيرة إلى الشوجن : ان أعطهم ما يسألون . وكان هذا رأي الشوجن ورجاله . فلما أعطاهم ما سألوا رجع الامبراطور إلى المفوضين اليابانيين فعزل منهم من عزل ، وانزل العقاب بمن انزل . فقدم الشوجن على أثر هذا إلي الامبراطور استعفاءه ، وما كانت هكذا تفعل الشواجن إذا اختلفت

مع الأباطرة . ولكن الشوجن الآن صار له حال غير ذاك الحال . واستبقى الميكادو استقالة الشوجن فلم يقبلها . ولكن الشوجن مات في عام ١٨٦٦ . ومات الامبراطور بالجدري عام ١٨٦٧ .

وخلف الامبراطور الراحل على عرش اليابان ابنه ، وكان اسمه متسوهيتـو Mutsuhito ، واتخذ له لقباَ ميجيMeiji ، ومعناها الحكم المستنير ؛ فحكم اليابان من عام ١٨٦٧ إلى عام ١٩١١ ، أي أربعة وأربعين عاما ،

نقل فيها اليابان من أمة تؤمر إلي أمة تأمر ، ومن أمة تريد أن تدفع العدوان فلا تستطيع ، إلي أمة تعرف كيف تأتي العدوان .

وارتقي ميجي العرش وعمره خمسة عشر عاما . كان قد تقلد الشوجنة قبل ذلك شوجن جديد ،

تقلدها كارهاَ مــــكرهاَ . وكانت في الأمة روح قلق بينة . وتـهيأت النفوس للثورة ، وتلفتت الابصار تنظر أي الرجال يثور . وتألفت عصابة بلغت نيفا وخمسين رجلا ، منهم ثلاثة أو أربعة من الأمراء الإقطاعيين ,

وبضعة آخرون من الأمراء الفقراء ، أمراء البيت المالك ، ونفر كبير من السموريـين حر كوا الثورة وأداروها .

وفي اكتوبر عام ١٨٦٧ أرسلوا أمير توسا Tosa إلى الشوجن يطلب منه إلغاء الشوجنة ورد الإدارة والسلطان إلى الميكادو . وكأنما كانت نفس الشوجن تتوق إلى هذا ، فانه ما لبث ان استدعي كبراء اسرته , اسرة توجوكاوا ، وأرباب الحل والعقد من عشيرته ، وهم الذين حكموا اليابان خمسين ومائة عام ، وتحدث إليهم فيما طلب إليه من إلغاء الشوجنة ،

ورد السلطان إلي صاحب السلطان ، وقال لهم إنه هو راض بـهذا ، وإن الخير كل الخير للبلاد فيه . فرضوا والذي قال في غير مناقشة أو جدال . فلم يدر حاضر هذا الجمع أي الرجال أعلى في الوطنية كعبا ، وأثقب في الحوادث بصيرة .

وفي هذا اليوم المشهود ، زالت الشوجنة من الوجود ، واسترد الميكادو سلطانه بعد ألف عام

اشترك في نشرتنا البريدية